مقالات

حجة الإسلام الغزالي- تزكية بأمثلة من فقه المعاملات

الكاتب : المفتي الدكتور صفوان عضيبات

أضيف بتاريخ : 27-01-2026


حجة الإسلام الغزالي

تزكية بأمثلة من فقه المعاملات

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

عندما ترجم الإمام تاج الدين عبد الوهاب السبكي رحمه الله (771هـ) للإمام الغزالي (505هـ) رحمه الله تعالى، قال: "حجة الإسلام، ومحجة الدين التي يتوصل بها إلى دار السلام، جامع أشتات العلوم، والمبرز في المنقول منها والمفهوم، فكان أفقه أقرانه، وإمام أهل زمانه، وفارس ميدانه، كلمته شهد بها الموافق والمخالف، وأقر بحقيقتها المعادي والمخالف". [انظر: السبكي، تاج الدين عبد الوهاب، طبقات الشافعية الكبرى، تحقيق: دكتور محمد الطناحي ودكتور عبد الفتاح الحلو، دار الهجرة للطباعة والنشر والتوزيع، طـ2، 1413هـ، 6/ 191-194].

وعندما ترجم الإمام الذهبي للغزالي رحمهم الله تعالى، قال: "الشيخ الإمام البحر حجة الإسلام، وأعجوبة الزمان، صاحب التصانيف والذكاء المفرط". [انظر؛ الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد (748 هـ)، سير أعلام النبلاء، دار الحديث، القاهرة، 1427هـ، 14 /267].

وقد حاز الإمام حجة الإسلام الغزالي هذه المنزلة الفضلى علماً وفقهاً وتزكية وورعاً، فلا عجب أن تقرأ في كتابه [إحياء علوم الدين] -وهو كتاب التزكية والتصوف- أسراراً للمعاملات المالية، وربطاً عجيباً بين تزكية النفس وتربيتها، وبين تأصيلٍ لعلم النقود والأموال؛ والذي هو فرع عن علم الاقتصاد، أو بين الحديث عن محبة الله والحديث عن حرمة الاحتكار، أو بين الغوص في معاني الشكر، ثم الانتقال إلى علة الربا.

يتكلم حجة الإسلام رحمه الله تعالى عن معنى الشكر في كتاب الصبر والشكر من ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين، فالشكر: "استعمال نعمة الله تعالى في محابه، ومعنى الكفر نقيض ذلك إما بترك الاستعمال أو باستعمالها في مكارهه". [انظر؛ الغزالي، محمد بن محمد بن محمد، (505هـ)، إحياء علوم الدين، دار المعرفة، بيروت، 4/ 90].

ثم يبيّن أن الوصول للشكر يستلزم معرفة ما يحبه الله تعالى عما يكرهه، ومعرفة ذلك تقوم على العلم بجميع أحكام الشرع الشريف في أفعال العباد، كما أنها تقوم أيضا على إدراك الحكمة في كل موجود، فما خلق الله الخلق إلا وفيه حكمة، وتحت الحكمة مقصود، وذلك المقصود هو المحبوب، وتلك الحكمة تنقسم إلى جلية وخفية.

فالوصول إلى الله تعالى -وهو غاية خلق الخلق- لا يكون إلا بمحبة الله، ومحبته تعالى تقوم على دوام الذكر ودوام الفكر، وذلك يحتاج إلى دوام البدن، ولا يبقى البدن إلا بالغذاء، ولا يتم الغذاء إلا بالأرض والماء والهواء، والبدن مطية النفس التي خلقها الله لأجل معرفته.

وبعد هذه الجولة في أسرار معرفة الله وطرق الوصول إليها، خاصة أنه انتهى إلى أن الله خلق الخلق لأجل دوام البدن الذي هو مطية النفس، بعد هذه الجولة ينتقل بنا الإمام حجة الإسلام إلى مثال للحكم الخفية التي توصلنا إلى حقيقه الشكر وعدم الكفر بنعمة الله، فيقول: "من نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير، وبهما قوام الدنيا، وهما حجران لا منفعة في أعيانهما، ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته ... فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسّط بينها يحكم بينهما بحكم عدل، فيعرف من كل واحد رتبته ومنزلته، حتى إذا تقررت المنازل وترتبت الرتب، علم بعد ذلك المساوي من غير المساوي، فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدّر الأموال بهما". [إحياء علوم الدين 4/ 91].

والإمام الغزالي بهذا التفصيل؛ يبيّن لنا أهمية الذهب والفضة (الدنانير والدراهم) والغاية من خلقهما، ويؤصّل لقاعدة التعامل بالنقدين، فهما الحاكمين المتوسّطين بين الأموال؛ فبهما نعرف قيم الأشياء ومقدار أثمانها، فلا غرض في أعيانها؛ بمعنى أنهما ليسا بسلعة تباع وتشترى لأجل الربح، ومن تعامل بهما بغير الحكمة التي خلقا لأجلها، فقد ظلم وكفر النعمة، وما حقق معاني الشكر، ولذلك فصل الشرع أحكام التعامل بهما:

أولاً: حرّم ربا الفضل والنسيئة بهما، فمبادلة الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، لا تجوز إلا يداً بيد سواء بسواء، فمن زاد فقد اتخذ النقد مقصوداً للادخار وهو ظلم، ومن تعامل بهما نسيئة فإنما لم يجز لأنه لا يقدم على ذلك إلا مسامح في القرض، فله الأجر والحمد، والمعاوضة لا حمد فيها ولا أجر، فهو ظلم من حيث إضاعة خصوص المسامحة وإخراجها في معرض المعاوضة، وأما مبادلة أحدهما بالآخر (الذهب بالفضة) فإنما أجازه الشرع لاختلاف مقصود التوصل في كلّ واحد منهما، فقد يتيسر التوصل بأحدهما من حيث كثرته كالدراهم، ففي المنع منه ما يشوّش المقصود الخاص به وهو تيسير التوصل به إلى غيره. [انظر: إحياء علوم الدين، 4/ 91-92].

ثانياً: حرّم الشرع كنزهما؛ لأن كنز الذهب والفضة يخرج بهما عن الغاية التي خلقا لأجلها، فالنقود ما خلقت لأجل زيد خاصة أو عمرو خاصة، إذ لا غرض للآحاد في أعيانهما، إنما خلقا لأجل أن تتداولهما الأيدي فيكونا حاكمين بين الناس، {وَالَّذِينَ ‌يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34].

ثالثاً: حرّم الشرع اتخاذ الذهب والفضة آنية؛ لأن ذلك أيضا يخرجهما عن وظيفتهما الحقيقية، ويجعلهما سلعة تباع وتشترى لغاية الربح، ولو فعل الناس ذلك فمن أين لنا حاكماً عدلاً يحدّد قيم الأشياء وأثمانها؟

رابعاً: حرّم الشرع احتكار الأطعمة؛ لأنها قوام الحياة، والغرض من الأطعمة الغذاء والدواء، واحتكارها يوجب تقييدها في الأيدي، ويؤخر عنها الأكل الذي خُلقت لأجله.

وفي آخر هذا المبحث يتكلم حجة الإسلام عن علة الربا في المطعومات من الناحية الفقهية بكلمات مختصرة؛ فيقول: "وبهذا يتّضح رجحان مذهب الشافعي رحمه الله في التخصص بالأطعمة دون المكيلات، إذ لو دخل الجصّ فيه لكانت الثياب والدواب أولى بالدخول، ولولا الملح لكان مذهب مالك رحمه الله أقوى من المذاهب فيه، إذ خصّصه بالأقوات، ولكن كلّ معنى يرعاه الشرع فلا بد أن يضبط بحدّ، وتحديد هذا كان ممكنا بالقوت، وكان ممكنا بالمطعوم، فرأى الشرع التحديد بجنس المطعوم أحرى لكلّ ما هو ضرورة للبقاء" [إحياء علوم الدين، 4/ 93].

وقد ذكر الإمام حجة الإسلام هذا الكلام بعد بيانه لحكمة تحريم الربا بعبارة موجزة: "أسقط الشرع غرض التنعّم فيما هو القوام، فهذه حكمة الشرع في تحريم الربا" [إحياء علوم الدين، 4/ 93].

والقوام ما تقوم عليه الحياة وتختل بفقدانه، وذلك موجود في الذهب والفضة بجامع الثمنية، وموجود في المطعومات التي ذكرت في الحديث الشريف بجامع الطعم كما هو مذهب الشافعية، [انظر: النووي، المجموع شرح المهذب، 9/ 146].

رقم المقال [ السابق ]

اقرأ للكاتب




التعليقات



تنبيه: هذه النافذة غير مخصصة للأسئلة الشرعية، وإنما للتعليق على الموضوع المنشور لتكون محل استفادة واهتمام إدارة الموقع إن شاء الله، وليست للنشر. وأما الأسئلة الشرعية فيسرنا استقبالها في قسم " أرسل سؤالك "، ولذلك نرجو المعذرة من الإخوة الزوار إذا لم يُجَب على أي سؤال شرعي يدخل من نافذة " التعليقات " وذلك لغرض تنظيم العمل. وشكرا


Captcha