ضوابط طاعة الزوجة للزوج عند فقهاء الحنفية
قال تعالى: {فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ} [النساء: 34].
الإسلام شريعة ربانية، ووحيٌ إلهي من عند الله عز وجل، لا تخضع للضغوط البشرية ولا لتحولاتهم ولا لأمزجتهم، كما أنها لا توصف بأنها منحازة لجنس دون جنس أو عرق دون عرق، بل هي المنصفة لجميع الناس، وجاءت لإخراجهم من أهوائهم ونزعاتهم ونزغاتهم إلى العدل والإنصاف والميزان الحق، قال تعالى: {وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ} [المؤمنون: 71].
ونرى -وللأسف الشديد- أن المجتمعات والثقافات باتت متأثرةً بما يدعى: "النسوية"، حتى وصل ذلك لبعض المسلمين.
لذا فمن أراد الخروج من هذه التأثرات فعليه أن يرجع لكلام الفقهاء السابقين، وأن يحسن فهمها كما هي.
ضوابط طاعة الزوج:
لا شك أن طاعة الزوج لا يمكن أن تكون مطلقة، بل إن كثيراً من النصوص التي وردت في القرآن والسنة على إطلاقها مقيدة بنصوص أخرى، وقد بيّن ذلك الفقهاء، وفيما يلي ذكر هذه الضوابط وبيانها.
أولاً: الطاعة تكون في المباحات وليس في المحرمات:
نص فقهاء المذهب الحنفي صراحةً على وجوب طاعة الزوجة لزوجها في كل مباح؛ إذ كونه مسؤولاً عن تدبير أمور الزوجة والأولاد، فهذا يجعله ولياً لأمرهم ويجب طاعته.
جاء في [الفتاوى الهندية 5/ 373]: "وتطيعه على كل مباح يأمرها به".
وجاء في [البحر الرائق شرح كنز الدقائق 3/ 237]: "وحق الزوج على الزوجة أن تطيعه في كل مباح يأمرها به ".
ووافقهم صاحب [الدر المختار] وعلّق ابن عابدين على كلام صاحب الدر فقال: "(قوله في كل مباح) ظاهره أنه عند الأمر به منه يكون واجبا ًعليها كأمر السلطان الرعية به". انظر: [رد المحتار على الدر المختار 3/ 208].
وهنا لفتةٌ جميلة وفائدة نفيسة من كلام خاتمة المحققين ابن عابدين رحمه الله تعالى، وهو تنبيهه على أن المباحات تصبح واجبة إن أمر بها وليّ الامر، سواءً أكان ولي الأمر له ولاية عامة كالحاكم أو الخليفة على عموم المسلمين، أم ولاية خاصة كولاية الزوج على زوجته، وهذا أمر معلوم من الواضحات، لكن وجه اللفتة هو بيان أن أمر الزوج ينبغي أن يكون كأمر الحاكم، فإن كان في مباح فيه مصلحة للحياة الزوجية واستقرار الأسرة فيجب على الزوجة أن تطيعه في هذا الأمر، ومن هذه اللفتة والإشارة نذهب إلى الضابط الثاني.
الضابط الثاني: الطاعة تكون فيما فيه مصلحة للأسرة وللحياة الزوجية.
قد بيّن فقهاء الحنفية في قواعدهم أن تصرف من له ولاية يكون واجباً إن كان به مصلحة، أما لو خلى عن المصلحة فلا يجب طاعته؛ إذ تنص القاعدة الفقهية: "التصرف على الرعية منوط بالمصلحة" [انظر المادة (58) من مجلة الأحكام العدلية].
قال علي حيدر في شرحه على المجلة: "أي أن تصرف الراعي في أمور الرعية يجب أن يكون مبنياً على المصلحة، وما لم يكن كذلك لا يكون صحيحاً، والرعية هنا: هي عموم الناس الذين هم تحت ولاية الولي". [درر الحكام في شرح مجلة الأحكام 1/ 57].
لذا يفهم من مجموع هذه النصوص أنه يجب على الزوجة طاعة الزوج، في جميع المباحات التي فيها نفع ومصلحة لاستقرار الحياة الزوجية، وطبعاً عندما يتكلم الفقهاء عن الأمور الزوجية فهم يقصدون ما هو أعم وأشمل وأكثر من أن تتعلق بفراش الزوجية وعدم خروج المرأة من البيت فقط، إذ إن الحياة الزوجية لا تستقر بذلك فقط.
تنبيه:
لا يجب على الزوجة طاعة الزوج فيما هو ليس من شؤون الحياة الزوجية ولا متعلقاتها، فمثلاً لو أمرها بأن توضئه لما وجب عليها؛ إذ إن الوضوء أمر تعبدي بين العبد وربه، ولا تعلق بينه وبين أمور الحياة الزوجية، لذا لا يجب عليها ولو أمرها به.
قال ابن نجيم: "المريض إذا كان لا يمكنه الوضوء أو التيمم وكان له امرأة لا يجب عليها أن توضئه؛ لأن هذا ليس من حقوق النكاح إلا إذا تبرعت" [البحر الرائق 2/ 124] بتصرف يسير.
وقال أيضاً: "المرأة لا يجب عليها طاعة الزوج في كل ما يأمر به، إنما ذلك فيما يرجع إلى النكاح وتوابعه". [البحر الرائق 5/ 77].
ومن هذه العبارة يفهم أنه لا يجب على الزوجة خدمة أهل الزوج؛ لأن خدمتهم ليست من متعلقات النكاح ولا من توابعه، لكنه من باب الاحسان إلى الزوج ومكارم الأخلاق فتؤجر عليه، إلا أنه لا يجب في حقها ولو أمرها به زوجها.
كما لا يجب عليها طاعته في حقوقها المالية؛ إذ للزوجة ذمة مالية مستقلة عن الزوج، ولها حرية التصرف فيه، كما أن مالها ليس من حقوق الزوج بل من حقوقها.
قال الأبياني: "إذا كان المأمور به ليس من حقوق الزوجية كما إذا أمرها أن تبيع بيتها أو تؤجره لفلان مثلا، فلا يلزمها طاعته" [شرح الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية للأبياني 2/ 74].
ولا يخفى أنها لو أطاعته فيما لم يجب عليها شرعاً لكانت مأجورة، لكونه من باب الإحسان، وحسن الأخلاق، والمعاشرة بالمعروف.
الضابط الثالث: خدمة الزوجة داخل البيت لا خارج البيت:
المرأة مبناها على الستر والقرار في البيت، وعدم تكليفها الأعمال التي تكون خارج البيت، مثل إحضار حوائج البيت من السوق أو إيصال الأولاد إلى المدارس، إذ مثل هذه الاعمال تطلب من الزوج، ولا يعني ذلك عدم جواز قيامها بهذا الفعل، بل تؤجر عليه إن فعلته على سبيل التطوع لا الإلزام، إذ يكفيها قيامها بشؤون بيتها من خدمة للزوج، وتهيئة الطعام، وعنايتها بتربية أولاده.
وما يؤكد أن الخدمة داخل البيت على المرأة ولا يلزمها ما هو خارج البيت ما نقله الإمام الكاساني من قسمة نبينا صلى الله عليه وسلم الأعمال بين علي وفاطمة رضي الله عنهما، فجعل الأعمال التي خارج البيت على علي، وداخل البيت على فاطمة رضي الله عنهما.
جاء في البدائع: ".. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم الأعمال بين علي وفاطمة رضي الله عنهما، فجعل أعمال الخارج على علي، وأعمال الداخل على فاطمة رضي الله عنهما" [بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 4/ 24].
أي أنه لا يجب على المرأة أن تعمل خارج بيتها، فلا يجب عليها شراء الأشياء والطعام وحوائج البيت، ولا يجب عليها إيصال الأولاد إلى مدارسهم أو إلى أي مكان، لكن يجب عليها أعمال المنزل من طبخ وخدمة، ومشاركة في تربية الأولاد.
الضابط الرابع: ليس للزوج منع زوجته من القيام بأي عمل –داخل بيتها- لا يؤدي إلى نتقيص حقه منها، وله منعها إن أثر على حقه، أو أدى لخروجها من البيت.
فمثلاً لو عملت أو درست مع أحدهم عن بعد –عن طريق الإنترنت– وكان هذا العمل أو الدراسة لا يشغلها عن زوجها إن طلبها، ولا يرهقها فيؤثر على نشاطها داخل البيت، كان لها أن تعمل ولو من غير رضاه، وسوى ذلك لا يجوز إلا بموافقته ورضاه.
قال ابن عابدين: "والذي ينبغي تحريره أن يكون له منعها عن كل عمل يؤدي إلى تنقيص حقه أو ضرره أو إلى خروجها من بيته، أما العمل الذي لا ضرر له فيه فلا وجه لمنعها عنه، خصوصاً في حال غيبته من بيته، فإن ترْك المرأة بلا عمل في بيتها يؤدي إلى وساوس النفس والشيطان أو الاشتغال بما لا يعني مع الأجانب والجيران" [حاشية ابن عابدين (رد المحتار) 3/ 603].
ولا شك أن الشريعة حثت على الانشغال بكل ما هو نافع، والابتعاد عن البطالة والفراغ، فعن عمرو بن ميمون قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لرجل وهو يعظه: (اغتنم خمسا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك) [السنن الكبرى للنسائي 10/ 400].
وبالختام نؤكد على أهمية التعاون بين الأزواج، وأن الحياة الزوجية الناجحة مبناها على الفضل والإحسان، والتعاون والإكرام؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 237].
ونختم بما أخرجه ابن حبان في [صحيحه] من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحصنت فرجها، وأطاعت بعلها دخلت من أي أبواب الجنة شاءت).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخيركم خيركم لنسائهم) [سنن الترمذي 3/ 458].