دراسات وبحوث

أضيف بتاريخ : 31-03-2026


نشأة مقاصد الشريعة عند المدرسة الخراسانية الشافعية(*)

الدكتور حمزة عدنان مشوقة- مديرية البحوث والدراسات/ دائرة الإفتاء العام الأردنية

الملخص

أصبح علم مقاصد الشريعة في عصرنا علامة واضحة على تمايز المناهج الفقهية المعاصرة، ولكن المفارقة أن هذا العلم لم ينشأ في المدراس التي توسعت في الاستحسان أو المصالح المرسلة بل خرجت من مدرسة رفضت الاحتجاج بالاستحسان والمصالح المرسلة، وقد هدفت الدراسة إلى دراسة الأسباب التي أدت إلى نشأة مقاصد الشريعة عند المدرسة الخراسانية الشافعية، وخلصت الدراسة إلى وجود عدد من المسببات منها: البيئة العلمية للمدرسة الخراسانية، والمنهج العلمي عند المدرسة، وأصول مذهب الإمام الشافعي الذي أخذ بالمصلحة المعتبرة في أصول الشرع ولذلك اهتم علماء المذهب باستقراء الكليات الشرعية التي بنيت عليها الأحكام الجزئية، وأوصت الدراسة بضرورة دراسة موضوع الكليات الشرعية وتطورها وأثرها في الفروع الجزئية عند فقهاء الشافعية.

الكلمات المفتاحية: مقاصد الشريعة، المذهب الشافعي، المدرسة الخراسانية الشافعية

المقدمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين.

فيعتبر علم المقاصد الشرعية من العلوم التي ظهرت متأخرة عن بقية العلوم الشرعية كالتفسير والحديث والفقه وأصول الفقه، وقد كانت الكتابات فيه متناثرة في مباحث كتب الأصول وكتب التصوف، ولم يحظ هذا العلم بكثير اعتناء – إذا استثنينا جهود بعض الأئمة والعلماء – إلا في العصور الحديثة بعد العلامة الطاهر بن عاشور شيخ جامعة الزيتونة الذي فصل علم المقاصد عن علم الأصول، وأكد على أهمية دراسته لطلاب العلم الشرعي، وبدأت بعد ذلك الجهود البحثية في علم مقاصد الشريعة حتى أحدثت ضجة كبيرة في الأوساط العلمية بين دعوات ضبط المقاصد في التعليل بالمناسبة وبين دعوات استبدال علم الأصول بعلم المقاصد، وقد أصبح علم المقاصد علامة واضحة على تمايز المدارس والمناهج الفقهية المعاصرة بين الظاهرية والمقاصدية.

ولكن المفارقة أن علم المقاصد لم ينشأ في المدارس العلمية التي توسعت في الاستحسان كمذهب الحنفية أو التي توسعت في المصالح المرسلة كمذهب المالكية، وإنما خرج من مدرسة رفضت الاحتجاج بالاستحسان والمصالح المرسلة وهو المذهب الشافعي وتحديدا من المدرسة الخراسانية الشافعية، وقد يبدو هذا غريباً إذا علمنا أن المذهب الظاهري قد خرج أيضاً من أحضان المذهب الشافعي في العراق، وهذا يستلزم أن ندرس الأسباب التي أدت إلى نشأة علم مقاصد الشريعة عند المدرسة الخراسانية الشافعية.

مشكلة الدراسة وأسئلتها:

تتمثل مشكلة الدراسة في الإجابة على السؤال الآتي: ما هي الأسباب التي أدت إلى نشأة مقاصد الشريعة عند المدرسة الخراسانية الشافعية؟

ويتفرع عن هذا السؤال مجموعة أسئلة فرعية:

1. هل أثرت البيئة العلمية التي احتوت المدرسة الخراسانية الشافعية في نشأة مقاصد الشريعة؟

2. هل كان للمنهج العلمي الذي تميزت به المدرسة الخراسانية الشافعية أثر في تأسيس مقاصد الشريعة؟

3. هل كان للأصول التي كتبها الإمام الشافعي تأثير في نشأة علم مقاصد الشريعة؟

4. كيف تطور البحث والتصنيف في مقاصد الشريعة عند الخراسانيين؟

الدراسات السابقة:

1. أحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الولايات المتحدة الأمريكية، 1995م.

أصل الكتاب رسالة دكتوراة كتبت في سنة 1989م، وهي من أفضل الدراسات التحليلية في الفكر المقاصدي عند الإمام الشاطبي، وتطرقت في بداية الكتاب إلى إسهامات العلماء في المقاصد قبل الإمام الشاطبي.

2. فؤاد بن عبيد، منعطفات منحنى تطور علم المقاصد من التأسيس إلى التصنيف إلى التقويم، مجلة التواصل في العلوم الإنسانية والاجتماعية، ع47 2016م.

حيث قامت هذه الدراسة بدراسة تاريخية ترصد أبرز التطورات في علم المقاصد بالاستعانة بمنحنى بياني مع شرح موجز للمنحنى، وأبرز ثلاثة منعطفات رئيسية في تطور علم المقاصد وهي: مرحلة التأسيس، ومرحلة التصنيف، ومرحلة التقويم.

3. حنان ساري ومحمد الليث آبادي، تطور علم مقاصد الشريعة عبر التاريخ الإسلامي، المجلة العالمية للدراسات الفقهية والأصولية، م2 ع2، 2018م.

حيث تتبعت هذه الدراسة جهود أبرز العلماء الذين كتبوا في علم المقاصد، مقسمة تاريخ العلم إلى ثلاثة مراحل: مرحلة النشأة وتمتاز بعدم تميز علم المقاصد عن غيره، ومرحلة تميز علم المقاصد عن غيره دون إفراد بتأليف مستقل، ومرحلة تميز المقاصد في تأليف مستقل.

4. نعمان جغيم، نشأة علم مقاصد الشريعة وتطوره، م3 ع1، 2020.

حيث قامت هذه الدراسة بالتدقيق على المصطلحات المقاصدية ونشأتها وتحرير المصطلحات ذات الصلة، وخلصت الدراسة إلى أنه من الضروري إزالة اللبس بين الفكر المقاصدي والتي هي علاقة بين المجتهد وبين النصوص الشريعة وبين التأليف في مقاصد الشريعة الذي ظهر متأخراً، فالمصطلح الأول نشأ في عصر الوحي ولم يخضع للتطور بخلاف المصطلح الثاني.

إضافة الدراسة:

سيقوم الباحث في هذه الدراسة بتحليل الأسباب التي أدت إلى نشأة علم مقاصد الشريعة عند المدرسة الخراسانية الشافعية.

وسيقوم الباحث بتقسيم البحث إلى المباحث الآتية:

المبحث التمهيدي: التعريف بالمدرسة الخراسانية الشافعية.

المبحث الأول البيئة العلمية التي نشأت فيها المدرسة الخراسانية، ويتضمن هذا المبحث ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: النشاط الفكري للفلاسفة والمتكلمين

المطلب الثاني: التزامن بين المدرسة الخراسانية الشافعية ومدرسة سمرقند الحنفية

المطلب الثالث: دور المدارس النظامية في ازدهار المذهب الشافعي

المبحث الثاني: المنهج العلمي للمدرسة الخراسانية، ويتضمن هذا المبحث مطلبان:

المطلب الأول: المنهج الفقهي عند المدرسة الخراسانية

المطلب الثاني: انتشار طريقة المتكلمين في أصول الفقه

المبحث الثالث: نشأة علم مقاصد الشريعة عند المدرسة الخراسانية، ويتضمن مطلبان:

المطلب الأول: تأثير أصول الإمام الشافعي على نشأة مقاصد الشريعة

المطلب الثاني: تطور نمط البحث والتصنيف في مقاصد الشريعة عند الخراسانيين

المبحث التمهيدي

التعريف بالمدرسة الخراسانية

تعتبر خراسان من المناطق التي انتعشت فيها الحضارة الإسلامية في العصر العباسي، وعمرت فيها المدن العظيمة وانتشر فيها العلماء، ولذلك وصفها الإمام السبكي فقال: "وخراسان عمدتها مدائن أربعة كأنما هي قوائمها المبنية عليها وهي: مرو ونيسابور وبلخ وهراة، هذه مدنها العظام، ولا ملام عليك لو قلت بل هي مدن الإسلام؛ إذ هي كانت ديار العلم على اختلاف فنونه والملك والوزارة على عظمتها إذ ذاك، ومرو واسطة العقد وخلاصة النقد"[1].

وقد دخل المذهب الشافعي فيها مبكراً، فكان من أصحاب الإمام المزني – تلميذ الإمام الشافعي – من أهل خراسان: أحمد بن سيار المروزي (ت 268) وهو أول من أدخل المذهب الشافعي إلى مدينة مرو، وعبدان بن محمد المروزي (ت 293هـ)، وهو الذي نشر المذهب الشافعي إلى مدينة مرو[2]، وأبو عوانة الإسفراييني (ت 306هـ)، وهو الذي أدخل المذهب الشافعي إلى إسفرايين من نواحي نيسابور[3]، وغيرهم.

وقد نشأ في القرن الرابع الهجري بعد استقرار المذهب في بلاد خراسان مدرسة خاصة سميت بمدرسة الخراسانيين، واشتهر فيها:

1. القفال الصغير المروزي، أبو بكر عبد الله بن أحمد ت 417 هـ شيخ طريقة الخراسانيين.

2. أبو محمد الجويني ت 438 هـ.

3. أبو القاسم عبد الرحمن الفوراني ت 461 هـ.

4. القاضي الحسين بن محمد بن أحمد، أبو علي المروزي ت 462هـ.

5. أبو على الحسين بن شعيب المروزي السنجي ت 427 هـ.

6. إمام الحرمين: عبد الملك الجويني ت 478 هـ.

7. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي ت 505ه.

ولابد من التمييز هنا بين مصطلح الخراسانيين ومصطلح المدرسة الخراسانية في المذهب الشافعي، فالأول أعم من الثاني، ويشمل كل أئمة الشافعية في خراسان، وأما الثاني فيقتصر فيه على طريقة القفال الصغير ومن سار على طريقته؛ قال العلامة أحمد بك الحسيني: "إذا أطلقوا لفظ قال أصحابنا الخراسانيون كذا وطريقة أصحابنا الخراسانيين كذا فمرادهم القفال المروزي، شيخ طريقة خراسان وأتباعه، وأما إذا قالوا: في كتب الخراسانيين كذا، فإن هذا الإطلاق يشمل كتب أصحاب الطريقة المذكورين وسائر كتب أئمة خراسان"[4]، ولابد من التنبيه إلى أن مراد الباحث في بحثه دراسة جهود جميع فقهاء الشافعية الخراسانيين في مقاصد الشريعة من دخول المذهب إلى خراسان إلى نهاية عصر الغزالي.

وتزامن نشأة مدرسة الخراسانيين بمدرسة أخرى للشافعية في بغداد سميت بمدرسة العراقيين، ومن أشهر أعلامها:

1. الشيخ أبو حامد الاسفراييني ت 406 هـ شيخ طريقة العراقيين.

2. القاضي أبو الحسن علي بن حبيب الماوردي ت 450 هـ.

3. القاضي أبو الطيِّب الطبري ت 450 هـ.

4. القاضي أبو علي البندنيجي ت 425 هـ.

5. أبو إسحاق الشيرازي ت 476 هـ.

6. القاضي أبو علي الفارقي ت 528 هـ.

7. ابن أبي عصرون: أبو سعد عبد الله الموصلي ت 585 هـ.[5]

وبقيت هاتان المدرستان حتى ظهر جهود في الجمع بين المدرستين من بعض علماء المدرسة الخراسانية والعراقية وأولهم: الشيخ أبو علي السِّنجي (ت427هـ)، ومن أبرزهم: المتولي (ت448هـ)، وابن الصباغ (ت477هـ)، وإمام الحرمين عبدالملك الجُوَينِيّ (ت478هـ)، وأبو إسحاق الشَّيرازيّ (ت476هـ)، والروياني (ت502هـ)، وأبو حامد الغزالي (ت505هـ)، فكانت جهودهم النواة التي تأسست عليها جهود شيخي المذهب الإمام أبو القاسم الرافعي (ت624هـ)، والإمام أبو زكريا النووي (ت676هـ).

المبحث الأول

البيئة العلمية التي نشأت فيها المدرسة الخراسانية

المطلب الأول: النشاط الفكري للفلاسفة والمتكلمين:

تزامنت المدرسة الخراسانية الشافعية مع حكم الدولة السامانية ثم الدولة الغزنوية ثم الدولة السلجوقية، وقد بدأت الدولة السامانية في الحكم بتفويض من الخليفة العباسي المكتفي (ت 295هـ)، واستمروا في الحكم من سنة 261هـ إلى سنة 389هـ، ثم تأسست الدولة الغزنوية على يد (ألبتكين) أحد قادة الدولة السامانية، واستمرت في الحكم من سنة 351هـ حتى سنة 582هـ، وأما الدولة السلجوقية فقد نشأت سنة 447هـ، وبقيت تحكم في خراسان حتى سنة 552هـ.

وأما فيما يتعلق بحركة العلوم العقلية كالفلسفة والمنطق والكلام، فقد ازدهرت هذه العلوم في خراسان في عهد الدولة السامانية، وكان البلاط الساماني زاخراً بالعلماء والأدباء؛ يقول الثعالبي: "كانت بخارى في الدولة السامانية مثابة المجد وكعبة الملك ومجمع أفراد الزمان ومطلع نجوم أدباء الأرض وموسم فضلاء الدهر"[6].

ونشطت جهود الفلاسفة وظهر فيهم كبار الفلاسفة الإسلاميين كابن سينا وأبي زيد البلخي وأبي القاسم الكرماني، وكان ابن سينا قد قرأ كتاب ما وراء الطبيعة لأرسطو حفظه ولكنه لم يفهمه حتى وقع على كتاب للفارابي يشرح فيه كتاب أرسطو ففهمه، وبرع ابن سينا في علوم كثيرة منها الفلسفة والمنطق، وسار على طريق الفارابي وأرسطو، وأما أبو القاسم الكرماني فكان له مناقشات ومحاورات مع ابن سينا[7].

ونشط في المقابل تيارات فكرية كلامية كالأشاعرة والماتريدية والمعتزلة والكرامية، وكان من أبرز أعلام المتكلمين في هذا العصر: أبو القاسم الكعبي (ت317هـ) من كبار أئمة المعتزلة، وأبو منصور الماتُريدي (ت333هـ) مؤسس المذهب الماتُريدي، وأبو عبد الله الحليمي (ت403هـ) صاحب كتاب (المنهاج في شعب الإيمان)، وأبو الحسن ابن فورك (ت406هـ) من كبار أئمة الأشاعرة، وغيرهم الكثير.

وكتبت التصانيف الكثيرة؛ مثل كتاب الإيمان للماتُريدي، وكتاب المنهاج في شعب الإيمان للحليمي، وكتاب اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع لسالم بن عبد الله الهروي (ت433هـ)، وغير ذلك.

 وعقدت المناظرات بين الفرق والمذاهب، وكان البعض منها يُعقد مع أهل الأديان الأخرى، وعُقدت المناظرات العامة والخاصة بين أصحاب المذاهب والفرق الإسلامية كالحنفية والشافعية والظاهرية والأشعرية والمعتزلة والكرامية والشيعة، وكانت مجالس المناظرات منتشرة في الأسواق والخانات وأمام المساجد، وكان بعض الأمراء يعقدون مجالس للمناظرة والمناقشة، وكان على طالب العلم أن يتدرب على المناظرة البعيدة عن التعصب أو الشغب، فهي أكثر فائدة من السماع والتكرار[8].

وظهر في ذلك الوقت علم الخلاف الذي يبحث في وجوه الاستنباطات المختلفة من الأدلة الإجمالية والتفصيلية ثم البحث عنها بحسب الإبرام والنقض لأي وضع أُريد في تلك الوجوه، ويرجع جهوده التأسيسية إلى أبي زيد الدبوسي البخاري الحنفي (ت340هـ) الذي صنف كتابيه (الأسرار) و(تقويم الأدلة)، وممن برع فيه أيضاً أبو الطيب الطبري الشافعي (ت450هـ) وأبو علي الطبري الشافعي (350هـ) [9]، وظهر كذلك علم الجدل والذي هو العلم الذي يقتدر به على إبرام أمر أو نقضه، وأول من صنف فيه من الفقهاء القفال الشاشي الشافعي (ت365هـ)[10].

وهذا بلا شك كان له أثره على الفقهاء وطريقتهم في التفكير والبحث والتقعيد والتصنيف، وحاولوا التوفيق بين العلوم الشرعية النقلية وبين العلوم العقلية، فظهرت كتب تعتني ببيان الحِكم والمعاني والعلل التي بنيت عليها الأحكام الشرعية منها كتاب (محاسن الشريعة) للقفال الشاشي، وكتب الحكيم الترمذي: الحج وأسراره، والصلاة ومقاصدها، وإثبات العلل، وسيأتي تفصيل ذلك.

المطلب الثاني: التزامن بين المدرسة الخراسانية الشافعية وبين مدرسة سمرقند الحنفية:

وكان مذهب الدولة السامانية ثم الدولة الغزنوية حنفياً، وكان السلطان محمود الغزنوي حنفياً في بداية أمره، ويعين القضاة الحنفية، ولكنه تحول بعد إلى المذهب الشافعي على يد القفال الصغير، وكان لهذا أثره في تعيين القضاة والمفتين الشافعية، واستمرت بعد ذلك الدولة الغزنوية ثم الدولة السلجوقية بتبني المذهب الشافعي مذهباً رسمياً.

وقد نشأت في سمرقند مدرسة أصولية في المذهب الحنفي ترجع إلى الإمام أبو منصور الماتُريدي وأصحابه، وتميزت هذه المدرسة عن المدرسة العراقية الحنفية بمجموعة من الأمور هي:

1. عدم إيراد الفروع الفقهية إلا اليسير القليل، فلما يعتمدوها أساساً لتخريج الأصول، ولم يكن الترجيح بين الآراء مبنياً عليها.

2. اعتمد مشايخ سمرقند في بناء المسائل الأصولية على علم الكلام، وربطة بالعقيدة الماتُريدية.

3. تميز مشايخ سمرقند في كتبهم في ميلهم إلى تحديد المصطلحات بطريقة منطقية ووضعها في مقدمة الكتاب[11].

وكان من أبرز كتب مدرسة سمرقند (تقويم الأدلة) لأبي زيد الدبوسي البخاري الحنفي (ت 340هـ)، وكان لجهود الدبوسي أثر كبير في تحول كثير من فقهاء الحنفية من عقيدة المعتزلة إلى الماتُريدية، وكان لكتبه أثر كبير في تطور علم أصول الفقه في المذهب الحنفي، وقد رد على الدبوسي بطريقة الجدل والمحاججة الفقهية من علماء الشافعية: أبو المظفر السمعاني في كتاب (قواطع الأدلة)، حيث قال في مقدمة كتابه: "وأنص على المعتمد عليه في كل مسألة وأذكر من شبه المخالفين بما عولوا عليها وأخص ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي في تقويم الأدلة بالايراد وأتكلم بما تزاح معه الشبهة وينحل معه الاشكال بعون الله تعالى"[12].

ورد عليه أيضاً من علماء الشافعية الغزالي في كتاب (شفاء الغليل)، حيث قال في مقدمة كتابه: "وأنحيت على تقرير أمور خلت عنها هذه الطريقة، وقد أحوج إلى استقصائها كلماتٌ تداولتها ألسنة المتلقفين من كتب القاضي أبي زيد الدبوسي رحمه الله"[13]، وهذا يدل على الأثر الكبير الذي شغله كتاب الدبوسي.

ويُلاحظ أن طريقة مدرسة سمرقند في التصنيف الأصولي تتقارب مع طريقة المتكلمين في أصول الفقه من حيث اعتماد وضع الأصول بما يتوافق مع قواعد المعقول والتجريد العقلي وإن خالفت هذه الأصول الفروع الفقهية المروية عن أئمة المذاهب، ومن حيث اهتمامهم بتحديد المصطلحات بطريقة منطقية، ومن حيث ترتيب المباحث والمسائل الأصولية، ويرى بعض الباحثين أن طريقة سمرقند ظهرت أسبق من طريقة المتكلمين؛ لأن طريقة سمرقند قامت على الماتُريدي (ت333هـ)، وأما طريقة المتكلمين فقامت على اثنين من المعتزلة هما: القاضي عبد الجبار (ت415) وأبي الحسين البصري (ت436هـ)، واثنين من الشافعية هما إمام الحرمين الجويني (ت478هـ) والغزالي (ت505 هـ) [14]، ولكن هذا القول يمكن أن يناقش إذا اعتبرنا الإمام الشافعي أول من صنف في طريقة المتكلمين، وسيأتي تفصيل ذلك.

المطلب الثالث: دور المدارس النظّامية في ازدهار المذهب الشافعي:

كان السلاطين والملوك في هذه الفترة مُعظّمين للعلماء، وشهدت خراسان في عهد الدولة السامانية بداية ظهور المدارس؛ فقد أوقف الأمير إسماعيل بن أحمد (ت295هـ) على عشر مدارس، بالإضافة إلى المكتبات والأربطة العلمية ودور السنة النبوية، مما جعل خراسان محط أنظار العلماء والأدباء وطلبة العلم في العالم الإسلامي[15].

وفي العهد الغزنوي استمر اهتم السلاطين بإنشاء المدارس، ولكنها كانت قائمة على نظام الأستاذ الواحد أو أكثر ولم يكن فيها نظام تعليمي، ولم يكن يخضع الطلبة للامتحانات، حتى أنشأت المدارس النظامية، وقد اهتم كثير من العلماء بإنشاء مدارس خاصة بهم كمدرسة أبي القاسم البيهقي (ت488هـ) التي كانت تدرس لأربعة طوائف دينية وهم: الحنفية والشافعية والكرامية والشيعة[16].

وقد تطور نظام المدارس في العصر السلجوقي؛ فتأسست المدارس النظامية على يد الوزير نظام الملك (ت485هـ) الذي شغل منصب وزير السلطان لثلاثين سنة، وانتشرت المدارس النظامية في خراسان وبلاد فارس والعراق، ولكنها تأسست على المذهب الشافعي والاعتقاد الأشعري، وكانت يُدرَس فيها جميع العلوم الشرعية واللغوية بالإضافة إلى الرياضيات والطب والصيدلة، ولم يكن يسمح للطالب بالانتظام فيها ما لم يكن له نصيب وافر في مختلف العلوم والفنون، وكان اختيار المدرسين يخضع لاختبارات تبين ملكتهم العلمية وقدرتهم على المناظرة، وجعل نظام الملك نظام التعليم على التدريج من الأسهل إلى الأصعب ومن البسيط إلى المركب، إذ تعتمد البدء بالعلوم النقلية ثم يتم الانتقال إلى العلوم العقلية[17].

ولعبت المدارس النظامية دوراً كبيراً في مواجهة المد الشيعي؛ فكان التعليم من أهم الوسائل التي انتهجها نظام الملك لمواجهة الفكر الشيعي، بالإضافة إلى أنها زودت الدولة بموظفي الإفتاء والقضاء والحسبة الذين يدينون بعقائد أهل السنة، وبقي أثر هذه المدرسة في الدولة الزنكية والأيوبية والمملوكية[18].

وكان لاهتمام الدولة السلجوقية بالمذهب الشافعي أثر كبير في ازدهار المذهب وتطور طرق التصنيف فيه؛ فقد نشط الاتجاه الجامع بين المدرستين العراقية والخراسانية على يد إمام الحرمين والغزالي والشيرازي؛ لأنهم كانوا من كبار المدرسين في مدارس النظامية، وتخرج على أيديهم كثير من الفقهاء؛ يقول الشيرازي: "‌خرجت ‌إلى ‌خراسان فما دخلت بلدة ولا قرية إلا وكان قاضيها أو مفتيها أو خطيبها تلميذي أو من أصحابي"[19].

المبحث الثاني

المنهج العلمي عند المدرسة الخراسانية الشافعية

المطلب الأول: المنهج الفقهي عند المدرسة الخراسانية:

أولاً: المنهج الذي تميزت به المدرسة الخراسانية:

تميزت المدرسة الخراسانية في المذهب الشافعي بكثرة التفريع والبحث وحسن الترتيب للأبواب والمسائل الفقهية؛ قال الإمام النووي: "اعلم أن نقل أصحابنا العراقيين لنصوص الشافعي وقواعد مذهبه ووجوه متقدمي أصحابنا أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالباً، والخراسانيون أحسن تصرفاً وبحثاً وتفريعاً وترتيباً غالباً"[20].

يقول الشيخ محمد أبو زهرة معلقاً على كلام النووي: "ولو أننا درسنا آراء فقهاء خراسان ونيسابور، وآراء فقهاء العراق، وحللَّناها، لوجدنا أثر البيئة واختلافَ النزعات يلوح وراءها، ولعل اجتهاد العراقيين، كان أقرب إلى المنقول عن الشافعي من اجتهاد الخراسانيين، والنيسابوريين... ومن هذا ترى أن النووي فضّل العراقيين في النقل، وفضّل الخراسانيين في التصرف والبحث والتفريع؛ وذلك لأنه في بيئة العراق ومصر نشأ المذهب الشافعي قديمه وحديثه، فكان الاحتياج إلى التفريع خضوعاً إلى حكم البيئة غير كثير، لأن البيئة قد أثرت تأثيرها في نشأة المذهب، وأما خراسان وما وراءها بيئة جديدة عليه لم ينشأ فيها، فكان لابد أن يكون فيه تصرف وبحث وتفريع ليسعف هذه البيئة وغيره بحاجتها"[21]، وما قاله الشيخ أبو زهرة في موضوع البيئة ليس عليه دليل من كتب أصحاب المذهب الشافعي، وإنما يعتبر جهد شخصي لتفسير كلام الإمام النووي لأن النووي لم يتطرق إلى موضوع التخريج، ولأنه لم ينقل في كتب المذهب أن الخراسانيين زادوا فروعاً على العراقيين، ولذلك فالفهم الأصح لكلام النووي أن المدرسة الخراسانية كانت أفضل من حيث تبويب المسائل الفقهية وترتيبها وأغوص في المعاني والعلل الفقهية وأحسن من حيث تفريع المسائل على أقوال الإمام الشافعي ووجوه أصحابه المجتهدين في المذهب.

ثانياً: ملكة التخريج والاجتهاد عند فقهاء المدرسة الخراسانية:

كان قد ظهر في ذلك الوقت من فقهاء المذهب: أصحاب الوجوه وهم الذين بلغوا أهلية الاجتهاد في المذهب فاستطاعوا أن يخرجوا الوقائع والنوازل على نصوص الإمام وأصوله، وكان لهم دور كبير في تنمية المذهب وإثرائه، واعتبرت أقوالهم وجوهاً في المذهب، ، ومن أبرزهم: الأنماطي، وأبو زرعة الدمشقي، وابن سريج، والقفال الشاشي، والقفال الصغير، وأبو حامد الإسفراييني، والقاضي حسين، وأبو محمد الجويني، وأبو علي السنجي، وإمام الحرمين الجويني، والغزالي، وغيرهم، وقد جمع الإمام النووي عدداً كبيراً من أصحاب الوجوه في كتابه (تهذيب الأسماء واللغات).

وممن بلغ درجة الاجتهاد المذهبي: القفال الصغير وكان صاحب طريقة في التفريع والتخريج، ولذلك سموه بشيخ طريقة الخراسانيين؛ قال السمعاني: "أبو بكر القفال وحيد زمانه فقها وحفظا وورعا وزهدا وله في المذهب من الآثار ما ليس لغيره من أهل عصره وطريقته المهذبة في مذهب الشافعي التي حملها عنه أصحابه أمتن طريقة وأكثرها تحقيقا"[22]، وقال ابن حجر الهيتمي: "ألا ترى أن أصحاب القفال أو الشيخ أبي حامد مع كثرتهم لا يفرعون ويؤصلون إلا على طريقته غالبا"[23]، ولم يُنقل إلينا التفاصيل المتعلقة بطريقته ولا طريقة أبو حامد الإسفراييني[24]، ولكن القفال وأبو حامد كانا ملتزمين بقواعد المذهب في التخريج؛ قال السبكي: "وكل تخريج أطلقه المخرج إطلاقا فيظهر أن ذلك المخرج إن كان ممن يغلب عليه التمذهب والتقيد كالشيخ أبى حامد والقفال عد من المذهب، وإن كان ممن كثر خروجه كالمحمدين الأربعة – وهم الطبري ومحمد بن نصر المروزي وابن خزيمة وابن المنذر– فلا يعد، وأما المزني وبعده ابن سريج فبين الدرجتين لم يخرجوا خروج المحمدين ولم يتقيدوا بقيد العراقيين والخراسانيين"[25].

ومن الكتب التي يظهر فيها فقه التخريج والاجتهاد بقوة عند المدرسة الخراسانية كتاب (الغياثي) لإمام الحرمين؛ فقد بنى مسائل السياسة الشرعية على القول بالاستصلاح، واحتج بالمصلحة إذا شهدت لها الأصول المعتبرة من الشارع[26]، وتكلم في كثير من أحكام السياسة الشرعية وفصّل فيها واعتمد عليه من كتب بعده في هذه المسائل مثل الغزالي والشاطبي وابن تيمية وغيرهم[27]، ومما تميز به كتاب الغياثي أيضاً يفترض المسائل التي قد تقع ويجيب عليها، بل افترض حال خلو الزمان عن الأئمة والولاة وأخذ يجيب عن المسائل التي قد تعرض حينئذ، وافترض كذلك حال خلو الزمان عن المجتهدين ونقلة المذاهب، وأخذ يجيب عن المسائل التي قد تعرض حينئذ.

وانتهى عصر أصحاب الوجوه بعد انتهاء عصر المدرسة الخراسانية والعراقية، وانكب فقهاء الشافعية بعد ذلك على تحرير المذهب وتنقيحه، وإن وُجد بعض من بلغ درجة الاجتهاد كالعز بن عبد السلام وابن دقيق العيد وابن الرفعة، ولكن الصفة العامة للعلماء لم تكن كذلك.

المطلب الثاني: انتشار طريقة المتكلمين في أصول الفقه:

أولاً: خصائص طريقة المتكلمين:

تطلق طريقة المتكلمين في أصول الفقه على الطريقة التي اتبعت في فهم وتدوين علم أصول الفقه على الاتجاه النظري في بناء الأصول دون النظر إلى الفروع، فهي تقوم على النظر المجرد في الأدلة الكلية لاستخراج القواعد الأصولية دون التقيد بمذهب أو رأي معين، وجاءت التسمية بطريقة المتكلمين؛ لأن هذا النمط من التأليف يشبه طريقة المتكلمين في التأليف والتي تقوم على تقرير القواعد وإقامة الحجج بالطرق المنطقية والكلامية، ولذلك قال الباقلاني: "باب في أنه لا يجب نصرة أصول الفقه على أصل فقيه من الفقهاء وموافقة مذهب من المذاهب، واعلموا - وفقكم الله- أنه إنما يجب أن يقال بالمذهب، لأن الدليل قد دل عليه، لا لأجل أن صاحبه قال به وذهب إليه. فيجب لذلك بناء المذاهب على الأدلة، لا الأدلة عليها"[28]، وقد سميت هذه الطريقة بطريقة الجمهور؛ لأن العلماء الذين درجوا على التأليف فيها كانوا من المذاهب الثلاثة المالكية والشافعية والحنابلة، كما سميت بطريقة الشافعية؛ لأن معظم المؤلفين فيها شافعية، ولأن أول من كتب فيها الإمام الشافعي إذا اعتبرنا أن مدرسة المتكلمين تطلق على الطريقة التي تقوم على النظر المجرد في الأدلة الكلية لاستخراج القواعد الأصولية دون التقيد بمذهب أو رأي معين[29].

وتتميز طريقة المتكلمين في أصول الفقه بمجموعة من الخصائص أبرزها[30]:

1. العناية بتحقيق القاعدة وتنقيحها اعتماداً على النظر والاستدلال، وبذلك يفسح أصحاب هذه الطريقة المجال للعقل والتأمل والفكر ولا يضيقون عليه إلا إذا خرج عن مقتضى النظر الصحيح، ويقيمون الأدلة على القواعد التي يقررونها ويستدلون عليها استدلالاً عقلياً ومنطقياً متيناً.

2. عدم التعصب لمذهب معين، وهذا مبني على نظر الأصوليين إلى الأصول والاهتمام بتقرير القاعدة الأصولية وتحريرها سواء أدى ذلك إلى خدمة مذهبهم الفقهي أم لا، وهذا يفسر اتباع معظم علماء المذاهب الفقهية والعقائدية لهذه الطريقة، فتجد فيها الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي كما تجد فيها الأشعري والحنبلي والمعتزلي والشيعي.

3. الإسهاب في الاستدلال والمناقشة بحيث يحشد الأصولي ما استطاع من الأدلة على القاعدة الأصولية، ويرد كل ما يرد على الدليل من اعتراضات ومناقشات.

4. العناية بالحدود والتعريفات؛ بسبب التأثر بعلم الكلام والمنطق، فيحاول الأصولي جهده في بيان التعريفات والحدود ونقدها نقداً منطقياً عدم الاهتمام بالفروع من خلال تجريد أصحاب هذه الطريقة للقواعد الأصولية من حال تقريرها من التطبيقات الفقهية وعدم الاشتغال بالمباحث الفقهية المترتبة على القاعدة.

ثانياً: أبرز مصنفات طريقة المتكلمين عند الخراسانيين:

من أهم الكتب التي قامت عليها طريقة المتكلمين في أصول الفقه كتابا البرهان لإمام الحرمين الجويني، والمستصفى للغزالي؛ قال ابن خلدون: "وكان من أحسن ما كتب فيه المتكلّمون – أي في علم أصول الفقه – كتاب البرهان لإمام الحرمين والمستصفى للغزاليّ وهما من الأشعريّة، وكتاب العهد لعبد الجبّار وشرحه المعتمد لأبي الحسين البصريّ وهما من المعتزلة، وكانت الأربعة قواعد هذا الفنّ وأركانه"[31].

أما بالنسبة لكتاب البرهان فقد أضاف فيه إمام الحرمين مباحث لم يُسبق إليها وهي مبادئ علم الأصول، وتكلم على العلوم التي يستمد منها علم الأصول وهي: الكلام والعربية والفقه[32]، وتكلم على مقاصد الشريعة.[33]

واعتمد الأصوليون بعد الجويني على كتاب البرهان، وكان هذا الكتاب كما وصفه ابن خلدون أحد أركان علم أصول الفقه، واشتغل عليه العلماء ومنهم: الغزالي الذي اختصره في (المنخول) فقام بترتيب الأبواب وتهذيب بعض المباحث وحذف التطويل من غير إخلال للمعنى، ومنهم من شرح البرهان مثل الأبياري والمازري وغيرهم، ومنهم من بنى كتابه عليه مثل المحصول للرازي والإحكام للآمدي، فلم يكن أحد من الأصوليين ليستغني عن كتابه هذا. [34]

وأما بالنسبة لكتاب المستصفى للغزالي فقد أضاف فيه الغزالي المقدمة المنطقية التي لم يسبقه إليها أحد قبله، وذكر أن هذه المقدمة ليست خاصة بعلم الأصول بل هي مقدمة عامة للعلوم، بالإضافة إلى أن الغزالي ابتكر ترتيباً بديعاً لموضوعات علم الأصول، فجعل كتابه على أربعة أقطاب: الحكم وتكلم فيه على حقيقة الحكم وأقسامه وشروط المحكوم والحاكم، والمثمر أو أدلة أصول الفقه، وطرق الاستثمار وهي المباحث المتعلقة بدلالات الألفاظ، والمستثمر وهو المجتهد وما يقابله من المقلدين، وقد اهتم الأصوليون بكتاب المستصفى شرحاً واختصاراً واعتماداً كما اهتموا بكتاب البرهان قبله، فاختصره ابن رشد الحفيد في (الضروري من أصول الفقه) وابن قدامة في (روضة الناظر)، واعتمد عليه الفخر الرازي في (المحصول) والآمدي في (الإحكام)، وتابع الأصوليون الغزالي في ترتيبه مع بعض التقديم والتأخير وزيادة التقسيم إلى الأبواب والفصول[35].

المبحث الثالث

نشأة علم مقاصد الشريعة عند المدرسة الخراسانية

المطلب الأول: تأثير أصول الإمام الشافعي على نشأة مقاصد الشريعة:

أولاً: الأدلة المعتبرة عند الإمام الشافعي:

يقول الإمام الشافعي: "‌والعلم ‌طبقات ‌شتى:

الأولى الكتاب والسنة إذا ثبتت السنة.

ثم الثانية الإجماع فيما ليس فيه كتاب ولا سنة.

والثالثة أن يقول بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا نعلم له مخالفا منهم.

والرابعة اختلاف أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك.

الخامسة القياس على بعض الطبقات"[36].

وأما بخصوص موقف الشافعي من الاستحسان فقد رفضه واعتبره خروجاً عن الأدلة المعتبرة، فقال: "ولو جاز تعطيلُ القياس جاز لأهل العقولِ من غير أهل العلم أن يقولوا فيما ليس فيه خبر بما يحضرهم من الاستحسان"[37]، وقد حاول علماء المذهب كالغزالي وعلماء الأصول الذين جاؤوا بعده أن يفصلوا في الاستحسان المقبول من الاستحسان المردود.

وإذا كان الشافعي قد أغلق باب الاستحسان في مذهبه، فهو لم يصرح بخصوص موقفه من المصالح المرسلة، واختلف الشافعية في النقل عنه[38]، ولكنهم توافقوا على موقفه من الصالح المعتبرة المستندة إلى أصل شرعي كما سيأتي.

ثانياً: النظر إلى كليات الشريعة ومصالحه العامة:

يؤكد إمام الحرمين عند حديثه عن منهج الإمام الشافعي في الأصول فيقول: "ثم أحسن نظره – أي الشافعي – في الفروع لرتبه لأمرين عظيمين: أحدهما: تقديم القواعد الكلية على الأقيسة الجزئية، ولذلك أوجب القتل بالمثقل خيفة انتصابه ذريعة إلى إهدار الدماء"[39]، وهذا يؤكد أن الشافعي يعتبر المصالح إذا كانت مستندة إلى أصل كلي في الشريعة؛ قال الزنجاني: "ذهب الشافعي إلى أن التمسك بالمصالح المستندة إلى كلي الشرع وان لم تكن مستندة إلى الجزئيات الخاصة المعينة جائز"[40]، وقال السمعاني: "وأما الذى يدل عليه مذهب الشافعى رحمة الله عليه هو كون الاستدلال حجة وإن لم يستند إلى أصل ولكن من شرط قربه من معاني الأصول المعهودة المألوفة في الشرع"[41].

وينقل الغزالي عن الإمام الشافعي في كيفية ترتيب الأدلة بالنسبة للمجتهد فيقول: "الفصل الثاني في كيفية سرد الاجتهاد ومراعاة تربيته: قال الشافعي رضي الله عنه: اذا ‌رفعت إليه ‌واقعة فليعرضها على نصوص الكتاب فإن أعوزه فعلى الأخبار المتواترة فإن أعوزه إذا فعلى الآحاد فإن أعوزه لم يخص في القياس بل يلتفت إلى ظاهر القرآن فإن وجد ظاهرا نظر في المخصصات من قياس وخبر فإن لم يجد مخصصا حكم به وإن لم يعثر على لفظ من كتاب ولا سنة نظر إلى المذاهب فإن وجدها مجمعا عليها اتبع الإجماع وإن لم يجد إجماعا خاض في القياس، ويلاحظ القواعد الكلية أولا ويقدمها على الجزئيات كما في القتل بالمثقل يقدم قاعدة الردع على مراعاة الآلة"[42].

وقد ضرب إمام الحرمين في كتابه (مغيث الخلق) أمثلة كثيرة من أبواب الفقه المختلفة على أخذ الإمام الشافعي بالكليات الشرعية في كل باب فقهي، وما ترتب على ذلك من فروع فقهية تتناسب مع تلك الكليات.[43]

ومن تلك الأمثلة التي ساقها إمام الحرمين؛ جاء في كتاب مغيث الخلق: "قال الشافعي رضي الله عنه: المقصود من الزكاة إنما هو سد الخلات ودفع الجوعات ورد الفاقات والإحسان إلى الفقراء وإغاثة الملهوفين وإحياء المهج وتدارك الحشاشة والجثث، فقال: اللائق بهذا الغرض أن تكون الزكاة على الفور وألا تسقط بالموت، لأنه لو قلنا أنه يكون على التراخي ولا يكون على الفور وأنها تسقط بالموت لأدى ذلك إلى إبطال هذه الحكمة المطلوبة، لأنه إذا علم أنه على التراخي وليس على الفور لا يزال يؤخر ويميل إلى الهوينا ويجنح إلى الكسالة، حتى يصير ديناً في ذمته، وأنه إذا مات يسقط، وذلك يؤدي إلى إبطال الزكاة وتعطيل مقصود الشارع وغرضه، وهو باطل قطعاً" [44].

ومن الأمثلة التي ذكرها إمام الحرمين أيضاً: "قال الشافعي: إن الحج عبادة عظيمة وقربة جسيمة، لا يكون إلا بكثير كلفة وعظيم مشقة، وهو عبادة العمر، قال الشافعي: اللائق بهذه العبادة ومنهاجها أن تكون على التراخي؛ لأنا لو قلنا إنه على الفور، لأدى إلى أن يلزم على كافة العالمين وعامة الخلق أجمعين أن يحجوا في سنة واحدة، ولأدى ذلك إلى حرج عظيم وكلفة ومشقة"[45].

ويرى الباحث أن حصر الإمام الشافعي أدلة الأحكام في الكتاب والسنة والإجماع والقياس كان نظرياً، ولكنه أخذ من الناحية العملية بالمصلحة التي تستند إلى أصل أو ما يسمى بالمصلحة المعتبرة، والبحث في المصالح المعتبرة في أصول الشرع يؤدي إلى استقراء الكليات الشرعية التي بنيت عليها الأحكام الجزئية، ولذلك اهتم علماء المذهب بالبحث في الكليات التشريعية أو مقاصد الشريعة.

المطلب الثاني: تطور نمط البحث والتصنيف في مقاصد الشريعة عند الخراسانيين:

أولاً: مقاصد الشريعة في كتب علم الكلام والفلسفة:

من أوائل من تكلم في مقاصد الشريعة الحكيم الترمذي (ت320هـ) والقفال الشاشي (ت365هـ) وأبو الحسن العامري (ت381هـ)، وكانت الكتابات حول مقاصد الشريعة تدرجها في كتب محاسن الإسلام وأسرار التشريع، وكان الغرض من ذلك إبراز علل التشريع وحِكَمه في شتى نواحي الحياة، والذي يظهر أن التركيز كان في ذلك الفترة منصباً للرد على الملاحدة وبعض الفرق الإسلامية مثل الظاهرية والإسماعيلية الذي ادعوا أن باطن القرآن يخالف ظاهره.

فأما الحكيم الترمذي فقد ترجم له السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى) [46]، وله من المؤلفات:

1. كتاب (الصلاة ومقاصدها) أشار فيه إلى مقاصد الصلاة وأسرارها على طريقة أهل الذوق والتصوف وليس على طريقة الفقهاء والأصوليين، ويعتبر الترمذي أول من استعمل لفظ (المقاصد).

2. كتاب (الحج وأسراره) شرح فيه مناسك الحج من الناحية الفقهية وأبرز المعاني الروحية لهذا المنسك العظيم، وهي من أواخر ما ألف الترمذي.

3. كتاب (إثبات العلل) تحدث فيه عن علل الشريعة وعلل العبودية، وقد نص الترمذي في ديباجة كتابه أن بعض الناس قال إن الأوامر والنواهي جاءت للتعبد والابتلاء وليس لها علة، فأراد أن يبين أن الأوامر والنواهي لها علل قائمة في ذاتها، ثم ابتدأ كتابه في الحديث عن المقصد العام للشريعة وهو جلب المصالح ودرء المفاسد، وكان موضوع كتابه هذا المقاصد الجزئية أو التطبيقية من خلال استعراض جميع أبواب الفقه والتطرق إلى علل الأحكام الشرعية، وتضمن كتابه إشارات إلى المقاصد الضرورية الخمس[47].

وأما القفال الشاشي فهو أحد كبار أئمة الشافعية ومن أصحاب الوجوه، وهو كبار المتكلمين الذين درسوا على الإمام أبي الحسن الاشعري، وقد صنف كتاب (محاسن الشريعة) تناول فيه الحِكم والمصالح في الاحكام الشرعية، وتضمن كتابه الإشارة إلى المقاصد الضرورية الخمس، وهدف فيه إقناع المؤمنين المسترشدين الطالبين للحق بالمصالح والحِكَم للأحكام الشرعية، وردّ في مقدمة كتابه على الإسماعيلية الذين يعتقدون فساد النبوة والشرائع بأسلوب كلامي[48].

وأما أبو الحسن العامري فقد ترجم له السبكي في (طبقات الشافعية الكبرى)[49] وكان فيلسوفاً كبيراً كتب كتاب (الإعلام بمناقب الإسلام) تناول فيه نظام الإسلام كدين شامل متكامل، وتحدث فيه عن أبرز المصالح والحِكَم في الاحكام الشرعية بشكل مختصر، وتناول موضوع المقاصد الضرورية الخمس ، وبين أنها مراعاة في جميع الأديان والشرائع، فقال: "وأما المزاجر فمدارها أيضا عند ذوي الأديان الستة لن يكون إلا على أركان خمسة، وهي: مزجرة قتل النفس كالقود والدية، ومزجرة أخد المال، كالقطع والصلب، ومزجرة هتك الستر، كالجلد والرجم، ومزجرة ثلب العرض، كالجلد مع التفسيق، ومزجرة خلع البيضة، كالقتل عن الردة"[50].

وبذلك يتبين أن مقاصد الشريعة في هذه المرحلة كانت تذكر في كتب علم الكلام والفلسفة في معرض بيان محاسن الشريعة والرد على الزنادقة الذين طعنوا في الأحكام الشرعية كما فعل القفال الشاشي أو في معرض بيان محاسن الإسلام والرد على الملاحدة الذين طعنوا في الدين كما فعل العامري أو في معرض الرد على منكري علل الأحكام كما فعل الحكيم الترمذي.

ثانياً: المقاصد عند أبو زيد الدبوسي:

كان أبو زيد الدبوسي (ت 430ه) أشار في كتابيه (تقويم الأدلة) و(الأسرار في الأصول والفروع) إلى فكرة المقاصد، وكان من أوائل من وظفها في علم الأصول وبناها على الحجج العقلية الموجبة؛ فيرى الدبوسي أن الحجج العقلية الموجبة أقسام:

1. موجبات العقول قطعاً للدين وهي "معرفة نفسه بالعبودية، ومعرفة الله بالألوهية، ومعرفة العبيد للابتلاء إلى حين الموت بطاعة الله تعالى على أوامره ونواهيه للجزاء الوفاق خالدين، ومعرفة الدنيا وما فيها للعبيد المبتلين لضرب نفع يعود إليهم منها".

2. محرمات العقول قطعاً للدنيا وهي "العبث والجهل والسفه والظلم".

3. محرمات العقول قطعاً للدين وهي "إنكار الصانع وإنكار البعث والقول بأن الدنيا مخلوقة لاقتضاء الشهوة والإيمان بالطاغوت"[51].

4. مباحات العقول للحياة الدنيا لا للدين واجب القول بالإباحة وهي: "فعل ما يقوم به النفس من حيث التنفس والأكل والشرب بقدر ما لا يحيى بدونه يجب أن يكون مباحاً أصله، وفعل ما يدفع عن نفسه آفات التلف من آفات خارجية، وفعل ما يقوم به الجنس نحو الجماع، وفعل ما يقوم به التربية بعد الوجود من نحو الحضانة حتى الاستغناء"[52] ثم قال: "ثم إنما قلنا إن هذه الأحكام الأربعة واجبة بالعقل ديناً لله تعالى"[53].

5. مباحات العقول الجائزة للدنيا نحو مباشرة أسباب البقاء فوق ما تندفع به الضرورة، وجمع المال فوق الحاجة من نوع واحد، أو من الأنواع كلها، والتزين بأنواع ما يتجمل به على وجه لا يتعلق به القوام، ثم قال: "وقد اختلف العلماء في حكم هذه الأقسام بمجرد العقول، وقال علماؤنا بالإباحة حتى يثبت دليل الحظر"[54].

ويرى الباحث أن جهد الدبوسي يتمثل في إدراج كليات عقلية ترجع إلها الفروع الجزئية التي ورد بها الشرع، وهذا مبني على أصل التحسين والتقبيح العقلي عند الماتُريدية؛ قال الدبوسي: "ثبت أن بالعقل كفاية كان بنفسه حجة بدون الشرع، ولزم العمل به كما يجب بالشرع وبسائر الحجج إذا قامت"[55].

ثالثاً: مقاصد الشريعة في كتب أصول الفقه:

يعتبر إمام الحرمين أول من أدرج مقاصد الشريعة في كتب الأصول وتحديداً في مبحث العلة، فانطلق من قاعدة التحسين والتقبيح الشرعي عند الأشاعرة، وجعل العلل راجعة إلى خمسة أصول شرعية: الأول ما يعقل معناه ويؤول إلى أمر ضروري، وسمى هذا الأصل بالكليات، وقرر أن القياس الجزئي في هذا الباب يترك ولو كان جلياً إذا صادم القاعدة الكلية.

والثاني ما يتعلق بالحاجة العامة، والثالث ما يلوح فيه غرض في جلب مكرمة أو دفع نقيض لها، والرابع كالثالث إلا أن في تحصيله خروج عن قياس كلي كالكتابة، والخامس ما لا يلوح فيه للمستنبط معنى أصلا ولا مقتضى من ضرورة أو حاجة أو استحثاث على مكرمة كالعبادات البدنية، ثم فصل إمام الحرمين القول في هذه الأصول الخمسة وكيف توظف في القياس[56].

وأما فيما يتعلق بالمقاصد الجزئية فقد ذكر بعضاً منها في كتاب (البرهان) وفي كتاب (مغيث الخلق)، ولكنه لم يتوسع في ذلك، وبذلك يكون إمام الحرمين أول من وظف المقاصد الشرعية في الفقه وأصوله.

وأما الغزالي فقد أدرج المقاصد الشرعية في ضابط المصلحة المعتبرة شرعاً وفي ضابط العلة المناسبة، فالمصلحة بحسب قوتها تنقسم إلى ثلاثة مراتب: الضروريات، والحاجيات والتحسينيات، فهو صاحب مصطلح التحسينيات، ثم نص على المقاصد الخمسة وجعلها مما يندرج في الضروريات، فقال: "ومقصود الشرع من الخلق خمسة: وهو أن يحفظ عليهم دينهم ونفسهم وعقلهم ونسلهم ومالهم، فكل ما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة، وإذا أطلقنا المعنى المخيل والمناسب في كتاب القياس أردنا به هذا الجنس. وهذه الأصول الخمسة حفظها واقع في رتبة الضرورات، فهي أقوى المراتب في المصالح"[57].

وقد جعل الغزالي المقاصد الخمسة من الضروريات في رتبة القطع، وأما ما سواها فتختلف فيها الشرائع، فقال: "وتحريم تفويت هذه الأصول الخمسة والزجر عنها يستحيل ألا تشتمل عليه ملة من الملل وشريعة من الشرائع التي أريد بها إصلاح الخلق، ولذلك لم تختلف الشرائع في تحريم الكفر والقتل والزنا والسرقة وشرب المسكر. أما ما يجري مجرى التكملة والتتمة لهذه المرتبة فكقولنا: المماثلة مرعية في استيفاء القصاص؛ لأنه مشروع للزجر والتشفي ولا يحصل ذلك إلا بالمثل، وكقولنا: القليل من الخمر إنما حرم؛ لأنه يدعو إلى الكثير، فيقاس عليه النبيذ فهذا دون الأول، ولذلك اختلفت فيه الشرائع". [58]

وقد تابع الأصوليون الغزالي في اصطلاحاته وتقسيماته للمقاصد، وأما فيما يتعلق بالمقاصد الجزئية فقد كان لها حضور قوي في كتاب (إحياء علوم الدين) في أبواب العبادات والمعاملات.

وبذلك يتبين أن إمام الحرمين والغزالي تابعا الإمام الشافعي في الأخذ بالمصلحة المعتبرة، وتأثرا بصنيع الدبوسي من إدراج الكليات في علم الأصول، واعتبارها في درجة القطع، ولكنهما خالفاه في جعله المقاصد كليات عقلية بناء على مذهبه في التحسين والتقبيح العقلي فجعلا من المقاصد من الكليات الشرعية بناء على مذهبهما في التحسين والتقبيح الشرعي؛ قال الغزالي: "اعلم أن الأحكام السمعية لا تدرك بالعقل"[59].

الخاتمة

بعد الاستعراض البحثي السابق، توصل الباحث إلى النتائج الآتية:

أ. كان للبيئة العلمية التي نشأت فيها المدرسة الخراسانية أثر كبير، من خلال الآتي:

1. ضمت خراسان عدد من حواضر العلم، وشجعت الدول التي حكمتها على العلم وبنت المدارس واهتمت بالعلماء.

2. نشطت حركة الفلاسفة والمتكلمين في خراسان في العلوم العقلية، فظهر عدد من كبار الفلاسفة والمتكلمين فيها، وصُنفت فيها كتب في علم الكلام والفلسفة، وكانت تعقد المناظرات بين الفرق والمذاهب بكثرة، وكان لهذا أثر في نشأة علم الخلاف والجدل الفقهي الذي بني على الطرق المنطقية، كما كان لهذا أثر في ازدهار طريقة المتكلمين في أصول الفقه.

3. كان لتزامن مدرسة المتكلمين في أصول الفقه مع مدرسة سمرقند الحنفية أثر كبير في نشأة مقاصد الشريعة؛ فقد أثرت مؤلفات أبو زيد الدبوسي على توجه كتب إمام الحرمين والغزالي.

4. ازدهر المذهب الشافعي في زمن الوزير السلجوقي نظام المُلك، وكان للمدارس النظّامية أثر كبير في تنشيط جهود الجمع بين المدرسة العراقية الشافعية والمدرسة الخراسانية الشافعية.

ب. كان للمنهج العلمي عند المدرسة الخراسانية أثر في نشأة مقاصد الشريعة من خلال:

1. تميزت المدرسة الخراسانية بكثرة البحث والتفريع وحسن الترتيب.

2. ظهر في المدرسة الخراسانية عدد من مجتهدي المذهب (أصحاب الوجوه)، وكانت لهم طريقة خاصة تُنسب إلى شيخ الطريقة (القفال الصغير)، وتنقل عنه كتب المذهب أنه كان له طريقة متميزة في التخريج والتفريع.

3. انتشرت في عهد المدرسة الخراسانية طريقة المتكلمين في أصول الفقه، وتميزت هذه الطريقة بالتجريد العقلي للقواعد الأصولية وعدم التعصب لمذهب معين، وكان لهذه الطريقة أثر في نشأة مقاصد الشريعة.

4. كان لأصول مذهب الإمام الشافعي الأثر الأكبر في نشأة مقاصد الشريعة؛ فقد أخذ المذهب بالمصلحة المعتبرة في أصول الشرع، والبحث في المصالح المعتبرة في أصول الشرع أدى إلى استقراء الكليات الشرعية التي بنيت عليها الأحكام الجزئية، ولذلك اهتم علماء المذهب بالبحث في الكليات التشريعية أو مقاصد الشريعة.

5. بدأ الكتابات في مقاصد الشريعة في كتب علم الكلام والفلسفة في معرض بيان محاسن الشريعة والرد على الزنادقة الذين طعنوا في الأحكام الشرعية كما فعل القفال الشاشي أو في معرض بيان محاسن الإسلام والرد على الملاحدة الذين طعنوا في الدين كما فعل العامري أو في معرض الرد على منكري علل الأحكام كما فعل الحكيم الترمذي.

6. كان أبو زيد الدبوسي من أوائل من أدرج الكليات العقلية في علم الأصول التي ترد إليها الفروع الجزئية بناء على مذهبه الماتُريدي في التحسين والتقبيح العقلي.

7. يعتبر إمام الحرمين أول من أدرج مقاصد الشريعة في كتب الأصول وتحديداً في مبحث العلة، فانطلق من قاعدة التحسين والتقبيح الشرعي عند الأشاعرة، وهو الذي قسّم المقاصد إلى مراتبه الثلاث.

8. أما الغزالي فقد أدرج المقاصد الشرعية في ضابط المصلحة المعتبرة شرعاً وفي ضابط العلة المناسبة، فالمصلحة بحسب قوتها تنقسم إلى ثلاثة مراتب: الضروريات، والحاجيات والتحسينيات، فهو صاحب مصطلح التحسينيات، ثم نص على المقاصد الخمسة وجعلها مما يندرج في الضروريات، ونص على أنها مقطوع بها في جميع الشرائع.

9. تابع إمام الحرمين والغزالي الإمام الشافعي في الأخذ بالكليات التشريعية، وتأثرا بصنيع الدبوسي من إدراج الكليات في علم الأصول، واعتبارها في درجة القطع، ولكنهما خالفاه في جعله المقاصد كليات عقلية بناء على مذهبه في التحسين والتقبيح العقلي فجعلا من المقاصد من الكليات الشرعية بناء على مذهبهما في التحسين والتقبيح الشرعي.

10. يوصي الباحث بضرورة دراسة موضوع الكليات العقلية وأثرها في الفروع الجزئية عند مدرسة سمرقند الحنفية وبالأخص عند الدبوسي.

11. يوصي الباحث بضرورة دراسة موضوع الكليات الشرعية وتطورها وأثرها في الفروع الجزئية عند فقهاء الشافعية.

 

(*) بحث منشور في مجلة نماء، مصر، المجلد 9، العدد الثاني، 6/ 2025م.

 

الهوامش


[1] تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، دار هجر للطباعة والنشر، 1413هـ، ج1 ص326.

[2] ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، عالم الكتب، 1407هـ، ج1 ص79.

[3] ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، ج1 ص104.

[4] انظر: مقدمة الدكتور عبد العظيم الديب على نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين، ص141.

[5] انظر: مقدمة الدكتور عبد العظيم الديب على نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين، ص134.

[6] أبو منصور الثعالبي، يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر، دار الكتب العلمية، لبنان، 1983م، ج4 ص115.

[7] نور الدين عباس أحمد، الدور الحضاري للدولة السامانية، مجلة جامعة مقديشو، الصومال، ع2، 2016م، ص16.

[8] إحسان ذنون، الحياة العلمية زمن السامانيين، الجامعة الأردنية، كلية الدراسات العليا، رسالة دكتوراة غير مطبوعة، ص53- 54.

[9] إحسان ذنون، الحياة العلمية زمن السامانيين، ص205- 230.

[10] أبو زيد الدبوسي، الأسرار في الأصول والفروع، وزارة الأوقاف، الأردن، 1999م، ج1 ص116- 120.

[11] هيثم خزنة، تطور الفكر الأصولي الحنفي، دار الكتب العلمية، لبنان، 2015م، ص159.

[12] أبو المظفر السمعاني، قواطع الأدلة في الأصول، دار الكتب العلمية، لبنان، 1999م، ج 1 ص19.

[13]  أبو حامد الغزالي، شفاء الغليل، مطبعة الإرشاد، بغداد، 1971م، ص9.

[14] هيثم خزنة، تطور الفكر الأصولي الحنفي، ص162.

[15] إحسان ذنون، الحياة العلمية زمن السامانيين، ص44- 90.

[16] محمد سعيد عثامنة، الحركة العلمية في عصر الدولة الغزنوية، ص64- 75.

[17] شكران خربوطلي، الحياة الفكرية في إقليم خراسان في ظل سلاطين ووزراء العصر السلجوقي، مجلة دراسات تاريخية العدد 1117 – 118، 2012م، ص132.

[18] شكران خربوطلي، الحياة الفكرية في إقليم خراسان في ظل سلاطين ووزراء العصر السلجوقي، ص188- 192.

[19] السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج4 ص216.

[20] النووي، المجموع شرح المهذب، ج1 ص69.

[21] محمد أبو زهرة، الشافعي حياته وعصره، دار الفكر العربي، 1978م، ص385.

[22] ابن قاضي شهبة، طبقات الشافعية، عالم الكتب، بيروت، 1407هـ، ج1 ص183.

[23] ابن حجر الهيتمي، تحفة المحتاج بشرح المنهاج، المكتبة التجارية، مصر، 1983م، ج1 ص39.

[24] انظر مقدمة الدكتور عبد العظيم الديب على نهاية المطلب في دراية المذهب لإمام الحرمين، ص140.

[25] تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج2 ص104.

[26] عبد العظيم الديب، فقه إمام الحرمين، دار الوفاء للطباعة والنشر، مصر، 1988م، ص265.

[27] الجويني، الغياثي، بتحقيق عبد العظيم الديب، دار المنهاج، جدة، 2011م، ص176.

[28] أبو بكر الباقلاني، التقريب والإرشاد، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1993م، ج1 ص305.

[29] أحمد الحسنات، تطور الفكر الأصولي عند المتكلمين، دار النور المبين، الأردن، 2012م، ص72- 75.

[30] أحمد الحسنات، تطور الفكر الأصولي عند المتكلمين، ص85- 90.

[31] ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، دار الفكر، بيروت، 1976م، ج1 ص576.

[32] الجويني، البرهان في أصول الفقه، دار الكتب العلمية، لبنان، 1997م، ج1 ص7.

[33] أحمد الحسنات، تطور الفكر الأصولي عند المتكلمين، ص242.

[34] أحمد الحسنات، تطور الفكر الأصولي عند المتكلمين، ص249- 255.

[35] أحمد الحسنات، تطور الفكر الأصولي عند المتكلمين، ص260- 270.

[36] الشافعي، محمد بن إدريس، الأم، دار الفكر، بيروت، 1983م، ج7 ص280.

[37] الشافعي، محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة، مطبعة مصطفى الحلبي، مصر، 1938، ص505.

[38] بدر الدين الزركشي، البحر المحيط في أصول الفقه، دار الكتبي، 1998م، ج8 ص83.

[39] الجويني، مغيث الخلق إلى ترجيح القول الحق، المطبعة المصرية، 1934م، ص51.

[40] شهاب الدين الزنجاني، تخريج الفروع على الأصول، مؤسسة الرسالة، لبنان، 1398هـ، ص320.

[41] أبو المظفر السمعاني، قواطع الأدلة، ج2 ص259.

[42] أبو حامد الغزالي، المنخول ممن تعليقات الأصول، دار الفكر المعاصر، لبنان، 1998م، ص576.

[43] الجويني، مغيث الخلق، ص60- 80.

[44] الجويني، مغيث الخلق، ص60.

[45] الجويني، مغيث الخلق، ص63.

[46] تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج4 ص245.

[47] الحكيم الترمذي، إثبات العلل، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1998م، ص40- 45.

[48] القفال الشاشي، محاسن الشريعة، دار الكتب العلمية، لبنان، 2007م، ص17- 28.

[49] تاج الدين السبكي، طبقات الشافعية الكبرى، ج4 ص211.

[50] أبو الحسن العامري، الإعلام بمناقب الإسلام، مؤسسة الأصالة، الرياض، 1988م، ص123.

[51] أبو زيد الدبوسي، تقويم الأدلة في أصول الفقه، دار الكتب العلمية، لبنان، 2001م، ص451- 456.

[52] أبو زيد الدبوسي، الأسرار في الأصول والفروع، وزارة الأوقاف، الأردن، 1999م، ج4 ص181.

[53] أبو زيد الدبوسي، الأسرار في الأصول والفروع، ج4 ص184.

[54] أبو زيد الدبوسي، الأسرار في الأصول والفروع، ج4 ص193.

[55] أبو زيد الدبوسي، تقويم الأدلة في أصول الفقه، ص444.

[56] الجويني، البرهان، دار الكتب العلمية، لبنان، 1997م، ج2 ص79.

[57] أبو حامد الغزالي، المستصفى، دار الكتب العلمية، لبنان، 1993م، ص174.

[58] أبو حامد الغزالي، المستصفى، ص174.

[59] أبو حامد الغزالي، المستصفى، ص159.

رقم البحث [ السابق ]

اقرأ للكاتب

اقرأ للكاتب




التعليقات


Captcha


تنبيه: هذه النافذة غير مخصصة للأسئلة الشرعية، وإنما للتعليق على الموضوع المنشور لتكون محل استفادة واهتمام إدارة الموقع إن شاء الله، وليست للنشر. وأما الأسئلة الشرعية فيسرنا استقبالها في قسم " أرسل سؤالك "، ولذلك نرجو المعذرة من الإخوة الزوار إذا لم يُجَب على أي سؤال شرعي يدخل من نافذة " التعليقات " وذلك لغرض تنظيم العمل. وشكرا