التقرير الإحصائي السنوي 2022 أضيف بتاريخ: 29-05-2023

المذهب الشافعي في الأردن أضيف بتاريخ: 23-05-2023

عقيدة المسلم - الطبعة الثالثة أضيف بتاريخ: 09-04-2023

مختصر أحكام الصيام أضيف بتاريخ: 16-03-2023

أثر جودة الخدمات الإلكترونية أضيف بتاريخ: 29-12-2022

مختصر أحكام زكاة الزيتون أضيف بتاريخ: 14-11-2022

نشرة الإفتاء - العدد 44 أضيف بتاريخ: 06-10-2022

التقرير الإحصائي السنوي 2021 أضيف بتاريخ: 22-06-2022




جميع منشورات الإفتاء

سلسة قيم الحضارة في ... أضيف بتاريخ: 10-10-2023

المولد النبوي الشريف نور أشرق ... أضيف بتاريخ: 26-09-2023

النبي الأمي أضيف بتاريخ: 26-09-2023

اقتصاد حلال: موسوعة صناعة حلال أضيف بتاريخ: 05-09-2023




جميع المقالات

دراسات وبحوث


أضيف بتاريخ : 16-01-2024

هذا البحث يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي دائرة الإفتاء العام


بيان أحكام وسائل التواصل الاجتماعي وضوابطها ونشر المعلومات والأخبار وتناقلها عبرها بغرض الإنكار أو الإشاعة أو الإساءة(*)

الدكتور محمد يونس الزعبي/ مفتي محافظة العاصمة

ملخص البحث

تناول هذا البحث موضوعا معاصرا مهما لا يستغني عنه أحد؛ لأنه دخل كل بيت وأصبح العالم بفضله قرية صغيرة، فكان لا بد من بيان أهم الأحكام الشرعية المتعلقة به؛ لأن الواجب على المسلم أن يكون على بصيرة في حكم ما يقوله أو يفعله أو يتصفحه، فجاءت هذه الدراسة الموسومة بـ "بيان أحكام وسائل التواصل الاجتماعي وضوابطها ونشر المعلومات والأخبار وتناقلها عبرها بغرض الإنكار أو الإشاعة أو الإساءة".

هذا وقد اشتملت الدراسة على مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة تضمنت أهم النتائج والتوصيات وقائمة بأهم المصادر والمراجع، حيث بينت معنى وسائل التواصل الاجتماعي وأنواعها وحكم استعمالها وذكرت حكم نفاذ العقود والالتزامات المبرمة من خلالها في باب المعاملات المالية وفي وقوع الأنكحة والطلاق والرجعة وفي إثبات الدعاوى والأيمان في باب الجنايات والأقضية وفي وقوع البيعة في باب الإمامة والولاية العظمى.

كما تطرقت الدراسة إلى الأحكام الشرعية المتعلقة بنقل المنكرات والمعلومات الكاذبة، وبثها ونشرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي سواء أكان الغرض من ذلك إنكارها أو إشاعتها ونشرها، ثم بينت الدراسة أهم الضوابط الشرعية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي، ثم ختمت الدراسة بأهم النتائج والتوصيات التي توصلت إليها.

المقدمة

مما لا شك فيه أن العالم اليوم يشهد تطورا رقميا مدهشا، حيث أصيح العالم بفضله  قرية صغيرة، لا بل قل لوحة رقمية تختزل العالم عبر شاشة حاسوب أو هاتف ذكي، تجاوز الحدود والقارات، وقطع الفيافي والصحاري بلحظات، ناقلا الأحداث بالصوت والصورة في أقل من أجزاء الثانية لتجوب أنحاء العالم من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، حاملا بين طياته الخير والشر والنافع والضار، ولهذا جاءت هذه الدراسة لتسلط الضوء على أحكام استخدام التواصل الاجتماعي التي أصبح استخدامها من متطلبات الحياة الضرورية والتي لا غنى للإنسان عنها مع ضرورة التنبيه على التمييز بين الغث والسمين والضار والنافع؛  ليحسن المستخدم لها والمتصفح لمواقعها  الاختيار في استعمال هذه الوسيلة فيما فيه خير له ولأمته وللبشرية جمعاء، ملتزما بالضوابط الشرعية التي يجب الالتزام بها حتى لا تتحول هذه الوسائل من نعمة إلى نقمة ومن منفعة إلى مضرة.

ونظرا لانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، بصورة كبيرة واتساع دائرة التعامل بين الناس من خلال الخدمات الكبيرة التي تقدمها كسرعة التواصل، وتوفير الوقت والجهد، كان لا بد من معرفة مدى نفاذ العقود والمعاملات الإلكترونية التي تجري بين رواد هذه المواقع والتي تجاوزت الآن مستوى الأفراد، لتصل إلى مستوى الدول مع بعضها البعض.

بل أعتقد أن الأمر تجاوز المعاملات المالية ليصل إلى ما هو أهم وأخطر لما له من علاقة بالأسرة حيث يتم إجراء عقود الأنكحة والطلاق والرجعة، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي الأمر الذي يوجب على العلماء بيان الحكم الشرعي حول صحة هذه العقود والتصرفات.

هذا من ناحية ومن ناحية أخرى انتشرت ونتيجة للتقدم الهائل في وسائل التواصل الاجتماعي، ما يسمى بالجريمة الإلكترونية، من سرقة حسابات وأرصدة، واغتيال شخصيات وسخرية واستهزاء وغيرها من الصور، التي يصعب أحيانا إثباتها إلا من خلال هذه الوسائل، فهل فعلا وسائل التواصل الحديثة تصلح لتكون وسيلة من وسائل الإثبات وتحد من ظاهرة الجرائم الإلكترونية المنتشرة؟

بقي أن نشير إلى أن هذا الفضاء الواسع من وسائل التواصل الاجتماعي، ولما يمتاز من سرعة نقل المعلومة وانتشارها لتصل أنحاء المعمورة كان لا بد من بيان الحكم الشرعي في نقل المعلومات الكاذبة وإشاعة الشائعات ونشر المنكرات بين متصفحي هذه الوسائل؟ وهل حسن النية في نقل المنكرات يجوز لصاحبها نشر مثل هذه المنكرات بهدف إنكارها؟

هذا ما سوف يحاول الباحث بعد الاستعانة بالله والتوكل عليه بيان أهم الأحكام الشرعية المتعلقة بهذه الموضوعات، والله أسأل التوفيق والسداد.

مشكلة الدراسة:

جاءت هذه الدراسة لتناقش الإشكالية في بيان الحكم الشرعي لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وحكم ما يجري من خلالها من بيوع ومعاملات مالية، بل لم يقتصر الأمر على هذا الحد بل تجاوز استخدامها ليصل إلى عقود الأنكحة والطلاق والرجعة فيها، فضلا عن استخدامها كوسيلة للإثبات في الأيمان والدعاوى والأقضية من خلال ما يحدث من خلالها من جرائم إلكترونية، وما مدى جواز استخدامها كوسيلة لانعقاد بيعة ولي الأمر، وما حكم نقل المعلومات الكاذبة ونشر المنكرات بهدف إشاعتها ونشرها أو إنكارها، وما هي أهم الضوابط الشرعية في استخدامها.

تساؤلات الدراسة:

بناء على ما سبق ذكره فقد جاءت هذه الدراسة للإجابة عن التساؤلات التالية:

1_ ما معنى وسائل التواصل الاجتماعي وما هي أنواعها؟

2_ ما حكم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي؟

3_ ما مدى نفاذ عقود المعاملات المالية فيها؟

4_ ما مدى صحة عقود النكاح التي تجري فيها؟ وهل يقع الطلاق فيها؟ وهل تصح الرجعة إذا ما ثبت طلاق الرجل لزوجته؟

5_هل يمكن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي كوسيلة من وسائل إثبات الحقوق في الجرائم الإلكترونية؟

6_هل تصح بيعة الإمام من قبل الرعية عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

7_ما حكم نقل المعلومات الكاذبة ونشر المنكرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟

8_ ما هي أهم الضوابط لجواز استخدام مواقع التواصل الاجتماعي؟

أهمية الدراسة:

تكمن أهمية الدراسة:

1_ في بيان الأحكام الشرعية المتعلقة باستخدام وسائل التواصل الاجتماعي وتسليط الضوء على حكم نفاد العقود فيها سواء أكان في المعاملات المالية أم في الأحوال الشخصية كالزواج والطلاق والرجعة.

 2_ في الحد من ظاهرة الجرائم الإلكترونية لاستخدامها كوسيلة من وسائل الإثبات.

3_ في محاربة ظاهرة الإشاعة ونقل الأخبار الكاذبة.

4_ في التوعية من انتشار المنكرات وإشاعتها بين الناس ولو كانت النية بهدف إنكارها.

5_في بيان أهم الضوابط الشرعية لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

منهج الدراسة:

استخدم الباحث:

1_ المنهج الاستقرائي: جمع المادة العلمية من مظانها المعتمدة المتعلقة بالموضوع كتب، رسائل جامعية مواقع إلكترونية، إضافة إلى الفتاوى المعاصرة الصادرة عن دور الإفتاء الرسمية.

2_المنهج الاستنباطي: وذلك من خلال استنباط الأحكام الشرعية من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، وآراء الفقهاء فيها.

الدراسات السابقة:

في الحقيقة هناك العديد من الدراسات السابقة التي تناولت وسائل التواصل الاجتماعي بالبحث والدراسة؛ ذلك لأهمية هذا الموضوع ولمواكبته تطورات العصر، فتناولت الموضوع من زوايا مختلفة، وبعضها لركزت على جزئية دون أخرى ومن هذه الدراسات:

1_الأحكام الفقهية المتعلقة بالسياسة الشرعية في وسائل التواصل الاجتماعي، رسالة ماجستير للطالبة شاهه ناهي العلاطي، جامعة آل البيت، إشراف الدكتور علي الرواحنه، حيث ركزت الدراسة على بيان حكم استخدام التواصل الاجتماعي من خلال السياسة الشرعية وأهم القواعد الفقهية.

2_ التواصل الاجتماعي أنواعه وضوابطه، وآثاره، للباحث ماجد رجب سكر، عام (2011) في الجامعة الإسلامية في فلسطين، وذكر أنواع التواصل الاجتماعي وضوابطه والعوامل المؤثرة فيه.

3_ التواصل العائلي الاجتماعي في السنة النبوية، للباحث محمد تحسين حمد الجامعة الإسلامية، 2014م، حيث بين معنى التواصل الاجتماعي ومجالات التواصل العائلي وأثره على الأسرة والمجتمع.

والذي تمتاز به هذه الدراسة عن غيرها من الدراسات السابقة أنها جمعت شتات الموضوع وركزت على بيان الأحكام الشرعية في قضايا مفصلية تهم جميع رواد مواقع التواصل الاجتماعي لا سيما نفاذ العقود في المعاملات المالية والأحوال الشخصية وبيان جواز استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للحد من ظاهرة الجريمة، كما امتازت هذه الدراسة في بيان حرمة نقل المعلومات الكاذبة ونشر المنكرات حتى ولو كانت النية إنكارها، وختمت الدراسة بأهم الضوابط التي يجب على المسلم مراعاتها عند استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. 

خطة الدراسة:

قام الباحث بتقسيم الدراسة إلى مقدمة وثلاثة فصول وخاتمة تضمنت أهم النتائج والتوصيات وقائمة بأهم المصادر والمراجع على النحو التالي:

الفصل الأول: وسائل التواصل الاجتماعي: معناها، وأنواعها، وحكم استخدامها، وفيه مبحثين:

المبحث الأول: وسائل التواصل الاجتماعي: معناها، وأنواعها.

وفيه المطالب التالية:

المطلب الأول: معنى وسائل التواصل الاجتماعي

المطلب الثاني: أنواعها وسائل التواصل الاجتماعي

المبحث الثاني: حكم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

الفصل الثاني: الأحكام الشرعية المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي من حيث نفاذ العقود والالتزامات وفيه المباحث التالية:

المبحث الأول: في وقوع النكحة والطلاق والرجعة بوسائل التواصل الاجتماعي وفيه:

المطلب الأول: انعقاد الزواج بوسائل التواصل الاجتماعي.

المطلب الثاني: وقوع الطلاق عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

المطلب الثالث: صحة الرجعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

المطلب الأول: انعقاد الزواج بوسائل التواصل الاجتماعي.

المبحث الثاني: حكم إجراء العقود في المعاملات. 

المبحث الثالث: حكم إثبات الدعاوى والأيمان في باب الجنايات والأقضية عبر وسائل التواصل      الاجتماعي.

المبحث الرابع: وقوع البيعة في باب الإمامة والولاية العامة عبر وسائل الاجتماعي.

الفصل الثالث: الأحكام الشرعية المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي من حيث نقل المعلومات الكاذبة والمنكرات وأهم ضوابط استخدامها وفيها المباحث التالية:

المبحث الأول: حكم نقل المعلومات الكاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

المبحث الثاني: حكم نشر المنكرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي

المبحث الثالث: أهم الضوابط الشرعية في استخدام مواقع التواص الاجتماعي.

وأهم النتائج والتوصيات وقائمة بأهم المصادر والمراجع.

الفصل الأول

وسائل التواصل الاجتماعي: معناها، وأنواعها، وحكم استخدامها

وفيه مبحثان:

المبحث الأول: وسائل التواصل الاجتماعي: معناها، وأنواعها.

المبحث الثاني: حكم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

وفيما يلي بيان ذلك:

المبحث الأول: وسائل التواصل الاجتماعي: معناها، وأنواعها.

وفيه المطالب التالية:

المطلب الأول: معنى وسائل التواصل الاجتماعي:

أولا: معنى التواصل:

لغة: مصدر للفعل تواصل وهو ضد الهجر والقطع(1)، قال تعالى: (الذين يَصِلُونَ ما أَمَرَ الله بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوٓءَ ٱلْحِسَابِ) [الرعد:21]، ويأتي أيضا بمعنى الجمع والاقتران فيقال: وصلت الشيء بغيره وصلا فاتصل به، وبينهما وصلة أي اتصال(2).

اصطلاحا: هو الانفتاح على الآخرين في علاقة حية لا تنقطع(3)، وقيل هو التلاقي والترابط والتفاعل(4).

ويمكن تعريفه أيضا: بأنه تفاعل وتلاقي بين الأفراد والدول تتعدد صوره وأشكاله، وهو تعبير عما يختلج في النفس من آراء وأفكار في أمر معين، قد نتفق فيه أو نختلف(5).

ثانيا: معنى الاجتماعي:

لغة: هي نسبة إلى المصدر اجتماع، وفعله اجتمع ضد تفرق قال تعال: (قُل لَّئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنسُ وَالْجِنُّ على أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هذا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا) [الإسراء:88]، وتأت أيضا بمعنى الالتقاء قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ موسى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حتى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا) [الكهف:20] ومنه سمي المسجد الجامع، ويوم الجمعة لاجتماع الناس فيه(6).

اصطلاحا: التقاء أفراد في مكان وزمان معينين؛ لتبادل وجهات النظر(7).

أو يمكن تعريفه: مجموعة من الأفراد تربط بينها رابط مشترك، يجعلها تعيش عيشة مشتركة تنظم حياتها في علاقات منتظمة معترف بها فيما بينهم(8).

ثالثا: معنى وسائل التواصل الاجتماعي:

عرفت بأنها: عملية يتم التواصل من خلالها بين مجموعة من الناس عن طريق مواقع وخدمات إلكترونية، توفر سرعة توصيل المعلومات على نطاق واسع(9).

أو هي: منظومة من الشبكات الإلكترونية التي تسمح للمشترك فيها بإنشاء موقع خاص به، ومن ثم ربطه من خلال نظام اجتماعي إلكتروني مع أعضاء آخرين لديهم الاهتمامات والهوايات نفسها(10).

وفي المجمل فإن وسائل الاجتماعي المعاصرة تقدم مجموعة من الخدمات للمشتركين فيها؛ كالمحادثة الفورية، والرسائل الخاصة، ورسائل عبر البريد الإلكتروني، وخدمات الفيديو، ومشاركة الملفات وغيرها من الخدمات(11)، كما منحت المستخدمين إمكانية تشارك الاتصال (صوت وصورة) والتعبير عن وجهات نظرهم وتبادلها مع الأخرين(12).

المطلب الثاني: أنواعها وسائل التواصل الاجتماعي.

مع تطور العلم تنوعت وسائل التواصل الاجتماعي (السوشيال ميديا) لتشمل: الواتس أب، فيس بوك، ماسنجر، وتويتر، تطبيقات سكايب، انستغرام، إيمو، مايكروسوفت، برنامج الزوم، يوتيوب، الهواتف الذكية، الفايبر.... وغيرها كثير يصعب حصرها وهي في تطور مستمر ليواكب تطورات الحياة المعاصرة ويمكن تقسيمها على النحو التالي:

أولا: شبكة الإنترنت وتطبيقاتها مثل الفيس بوك، وتوتير، واليوتيوب، ومواقع الدردشة، والبريد الإلكتروني وغيرها.

ثانيا: تطبيقات قائمة على الأدوات المحمولة المختلفة ومنها أجهزة الهاتف الذكية والشخصية والتاب وجهاز الحاسوب ولاب توب وغيرها.

ثالثا: أنواع قائمة على منصة الوسائل التقليدية؛ مثل الراديو والتلفزيون والشاشات والقنوات والإذاعات وغيرها(13).

المبحث الثاني: حكم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

 مما شك فيه أن وسائل التواصل الاجتماعي من المسائل المعاصرة والمستجدة في حياة المسلمين، وقد غزت كل بيت وأصبحت الشغل الشاغل للكبير والصغير والذكر والأنثى على حد سواء حيث تقضى الساعات الطوال في استخدامها وتصفح صفحاتها، والأصل في المسلم أن يضبط أقواله وأفعاله وتصرفاته بأحكام الشرع؛ فلا يقدم على قول أو فعل إلا بعد أن يعرف حكم الله فيما هو عازم على فعله  هل هو حلال فيقدم أم حرام فيحجم؛ لأن الله عز وجل سائله عن ذلك يوم القيامة مصداقا لقوله تعالى: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [الحجر:93،92].

ولبيان حكم استحدا وسائل التواصل الاجتماعي بصورة العامة لا بد من التأكيد على الأمور التالية:

أولا: من القواعد المقررة شرعا أن الأصل في الأشياء الإباحة ما لم يرد دليل يدل على تحريمها؛ ولا شك أن وسائل التواصل الاجتماعي المعاصرة ينسحب عليها هذا الأصل وهو حل إباحة الأشياء ما لم يرد نص على تحرمها؛ استصحابا للبراءة الأصلية.

ثانيا: أن وسائل التواصل الاجتماعي المعاصرة هي وسيلة وهذه الوسيلة قد تستخدم للخير كما أنها قد تستخدم للشر وكما هو مقرر شرعا أن الأمور بمقاصدها؛ فإن تم استخدام هذه الوسائل في الخير والدعوة إلى الله ونشر العلم، ونقل الخبرات ومساعدة الأخرين، وسهولة التواصل وصلة الرحم بين الأهل والأصدقاء وزيادة الألفة والمحبة بين الأفراد والشعوب، والتعاون على البر والتقوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذه الصور وغيرها كثير لا يشك عاقل بجوازها بل إن فاعلها يتحصل على أجر عظيم لعظم الفائدة المرجوة من ذلك.

وأما إن تم استخدامها فيما حرم الله من نشر المنكرات وإشاعة الفاحشة والنظر إلى العورات واغتيال الشخصيات والغمز واللمز وإقامة العلاقات المحرمة بين الجنسيين وغيرها من الحالات التي لا شك في حرمتها وبشاعة وعظم ذنب من يفعلها، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النور/19]. 

ثالثا: إن التعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي من الممكن أن يصبح نعمة إذ استغلت في الخير، أو نقمة إذا استعملت في الشر، فإذا استعملناها فيما ينفع العباد والبلاد فهي نعمة كبيرة، تدر فوائد عظيمة جدًا وأنها تكون حرامًا حينما تستعمل في نشر الأخبار الكاذبة أو عندما تستخدم في نشر الفاحشة أو الباطل أو الفساد بين الناس، كما تكون مكروهة حينما لا يكون منها فائدة؛ يعني تستوي فيها المنفعة والمضرة فكم من الأوقات تضيع دون فائدة عبر تصفح هذه المواقع. وقد صدرت الفتاوى الشرعية من الجهات المختصة حول حكم استخدام وسائل التواصل الاجتماعي ومن الأمثلة على ذلك فتوى دائرة الإفتاء العام الأردنية(14) حول حكم التحدث مع الجنس الأخر عن طريق الماسنجر:

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله:

تحرم المحادثة الخاصة بين الشاب والفتاة عبر ما يسمى بـ(الشات)، ولو في أمور عامة ومباحة، وذلك لما يترتب على هذه المحادثات من تساهل في الحديث ورِقة في القول، يدعو إلى الإعجاب والافتتان غالبا، وقد قال الله تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) [الأحزاب:32].

ورقة الكلام تفتح للشيطان بابًا للمعاصي؛ فيبدأ الحديث بالكلام المباح، لينتقل بعد ذلك إلى كلام العشق والغرام، وبعدها إلى المواعدة واللقاء.

وقد جَرَّت بعض هذه المحادثات على أهلها شرًّا وبلاءً؛ فأوقعتهم في العشق المُحرَّم، وقادت بعضهم إلى الفاحشة. والله عز وجل يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) [النور:21]، ولمّا رأى النبي صلى الله عليه وسلم ابنَ عمه الفضل بن العباس يحد النظر إلى إحدى النساء، لوى عُنُقَه ليصرفه عن النظر إليها، وقَالَ: (رَأَيْتُ شَابًّا وَشَابَّةً فَلَمْ آمَنِ الشَّيْطَانَ عَلَيْهِمَا) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.

كما جاءت الشريعة بسد الأبواب المفضية إلى الفتنة؛ فحرَّمت الخضوع بالقول في محادثة النساء للرجال، ومنعت الخلوة بين الرجل والمرأة الأجنبية في مكان واحد، بل نص الفقهاء على المنع من إلقاء الشاب السلام على المرأة الشابة في الطريق؛ لما يُخشى من وقوع الفتنة.

كل ذلك دليل على المنع من هذه المحادثات الخاصة، والمشاركة فيها، فليكن حديث الفتاة مع الفتيات فقط، وحديث الشاب مع الشباب فقط. والله أعلم

 كما صدرت الفتوى رقم(3409) من دائرة الإفتاء الأردنية تبين أن الواجب في وسائل التواصل الاجتماعي التحلي بالأمانة والصدق:

ما حكم التعرّض للمحصنات بالغمز واللمز عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وتحريض الناس على ذلك؟ الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله

مواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة نوافذ مفتوحة بين البشر، تساعد في التواصل بينهم وتسهيل معيشتهم، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) الحجرات/13، فالأصل أن يكون استعمالها في المباحات وبالقدر الذي لا تجاوز فيه ولا إسراف.

وقد يُساء استخدام وسائل التواصل بحيث تصير سبباً في الفساد، والإشاعات المغرضة، واغتيال الشخصيات، والطعن في الأعراض، والوقوع في الآثام، وإشاعة الفحش، وهذا أمر محرم شرعاً، ترفضه العقول السليمة والفطر المستقيمة، قال الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) النور/19، وهذا الوعيد لمن أحب أن تشيع الفاحشة بين المسلمين، فكيف بمن يعمل على نشر الشائعات؟!

وصرّح القرآن الكريم بالنهي عن الطعن في أعراض المحصنات، ووضح لنا أنّ ذلك هو دأب المنافقين، وبين لنا واجبنا عند تلقيها، وعلّمنا كيفية التعامل معها، وحذرنا من اتباع خطوات الشيطان، قال الله تعالى: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) النور/4.

وعليه؛ فإن واجب المسلم في شأنه كله، وفي وسائل التواصل الاجتماعي أن يتحلى بالأمانة والصدق والنزاهة في نقل الحديث، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) التوبة/119. والله تعالى أعلم. (15)

الفصل الثاني

الأحكام الشرعية المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي من حيث نفاذ العقود والالتزامات

وفيه المباحث التالية:

المبحث الأول: في وقوع النكحة والطلاق والرجعة بوسائل التواصل الاجتماعي وفيه:

المطلب الأول: انعقاد الزواج بوسائل التواصل الاجتماعي.

المطلب الثاني: وقوع الطلاق عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

المطلب الثالث: صحة الرجعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

المطلب الأول: انعقاد الزواج بوسائل التواصل الاجتماعي:

مما لا شك فيه أن وسائل التواصل الاجتماعي دخلت اليوم أهم مؤسسة في الحياة وهي مؤسسة الزواج وظهر ما يسمى بإمكانية إبرام عقد الزواج عن طريقها إما باستخدام الوسائل التي تعتمد الكتابة كالفاكس والبريد الإلكتروني وغيرها وإما عن طريق الوسائل التي تعتمد الصوت كالهاتف وغيره وأما عن طريق الوسائل التي تعتمد الصوت والصورة كالإنترنت مثلا ولذا يمكن بيان الحكم الشرعي لإجراء عقد الزواج من خلال ما يلي:  

أولا: انعقاد الزواج عبر الفاكس وما يشابه من وسائل (بالكتابة).

ثانيا: انعقاد الزواج عبر الهاتف وما يشابه من وسائل (بالصوت).

ثالثا: انعقاد الزواج عبر الانترنت (صوت وصورة).

وفيما يلي بيان ذلك:

أولا: انعقاد الزواج بالكتابة عن طريق الرسائل المكتوبة عبر الهاتف سواء أكانت رسالة نصية أم من خلال البرامج الأخرى مثل: " الفاكس -واتس- ماسنجر تلغرام.". وهذه الوسيلة قد بحثها الفقهاء قديما في حكم عقد الزواج بطريق الكتابة إلا أن عامل السرعة في وصول الكتابة هي الفارق الرئيس بين انعقاد الزواج سابقا بطريق الكتابة وبين انعقاده عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة هذا وقد اختلف الفقهاء في حكم انعقاد عقد الزواج عن طريق الكتابة على قولين:

القول الأول: عدم جواز إجراء عقد الزواج بالكتابة وبه قال جمهور الفقهاء من الشافعية(16) والمالكية (17) والحنابلة(18) والظاهرية(19).

جاء في الموسوعة الفقهية: "واستثنى جمهور الفقهاء من صحة التصرفات بالكتابة عقد النكاح فلا ينعقد بالكتابة"(20).

وعليه فعقد النكاح كما قرر مجمع الفقه الإسلامي من العقود المستثناة من جواز إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة(21) هذا وقد استدل أصحاب هذا القول بما يلي:

1_ اشتراطهم الإشهاد في إجراء عقد الزواج لأن الإشهاد من شروط الصحة عند الفقهاء(22) وهذا ما نص عليه في قرار المجمع السابق: "إن القواعد السابقة لا تشمل النكاح لاشتراط الإشهاد فيه".

2_أن عقد الزواج من العقود التي يجب أن يحتاط فيه ما لا يحتاط في غيره حفظا للفروج وهذا من أهم مقاصد الشريعة الإسلامية (23).

3_ احتمال وجود التزوير أو التزييف أو الغش أو الخداع في استخدام هذه الوسائل لانعدام المصداقية والأمان فيه. والواقع خير شاهد على ذلك، فنسمع كل يوم عن عمليات قرصنة وتزوير واختراق، وما أسهل أن يقدّم إنسان بيانات غير صحيحة عبر هذه الوسائل عن نفسه ويدعي أنه فلان بن فلان أو العكس ويتم التواصل معه أو معها على هذا الأساس ويكتشف خلاف ذلك.

4_ عدم اتحاد المجلس بين العاقدين، لأن من صدر الإيجاب من قبله في مكان ومن صدر منه القبول في مكان أخر وهذا ما أشار إليه قانون الأحوال الشخصية الأردني على سبيل المثال في المادة السادسة: ينعقد الزواج بإيجاب من أحد الخاطبين أو وكيله، وقبول من الآخر أو وكيله في مجلس العقد. كما اشترط القانون أن يكون كل من الإيجاب والقبول بالألفاظ الصريحة (كالنكاح والتزويج) (أي أنه لم يجز عقد الزواج بالكتابة للقادر على اللفظ) وللعاجز عنهما بكتابته أو بإشارته المعلومة(24).

5_أنه يمكن الاستعاضة عن إجراء عقد الزواج بالكتابة عبر وسائل التواصل الاجتماعي مع وجود المحاذير السابقة بطريقة شرعية مأمونة وخالية من تلك المحاذير عن طريق الوكالة حيث يقوم الطرف الغائب بتوكيل من ينوب عنه لإتمام عقد الزواج عند الطرف الآخر.

6_عقد الزواج له من الهيبة والتقديس ما ليس لغيره ولذا سماه القرآن الكريم بالميثاق الغليظ قال تعالى: (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا) [النساء: 21]. الأمر الذي يستدعى حضور عاقديه مجلس العقد بنفسيهما او حضور وكيلهما وان عقد الزواج له جلاله وخطره واثاره التي تترتب عليه فبهذا العقد تحل المرأة لزوجها بعد ان كانت حراما عليه وبه تثبت الانساب وتتصل الأسر وانه يجب فيه من التأكد من ارادة المتعاقدين وأن يعقد بأوضح الوسائل والبعد عن أي وسيلة فيها مظنة الاحتمال والتزوير والتظليل.

القول الثاني: جواز إجراء عقد الزواج بالكتابة وهو مذهب السادة الحنفية(25) وذكره ابن عابدين في حاشيته تحت مطلب: التزوج بإرسال كتاب قوله: (ولا بكتابة حاضر) فلو كتب تزوجتك فكتبت قبلت لم ينعقد. ..... إذ الكتابة من الطرفين بلا قول لا تكفي ولو في الغيبة. .... قال: ينعقد النكاح بالكتاب كما ينعقد بالخطاب وصورته: أن يكتب إليها يخطبها، فإذا بلغها الكتاب أحضرت الشهود وقرأته عليهم وقالت زوجت نفسي منه، أو تقول إن فلانا كتب إلي يخطبني فاشهدوا أني زوجت نفسي منه(26).

هذا وقد وضع الحنفية شروطا لصحة عقد الزواج بالكتابة وهي(27):

الشرط الاول: ألا يكون العاقد حاضرا بل غائبا.

الشرط الثاني: أن تكون الكتابة مستبينة: أي مكتوبه كتابه واضحة يمكن معرفة قراءتها وفهم أسلوبها.

الشرط الثالث: أن تكون الكتابة موسومة: بمعنى ان تكون مكتوبة باسم المرأة المعقود عليها وموقعة من الرجل الذي يريد الزواج.

الشرط الرابع: أن يحضر الغائب شاهدين فيقرأ الرسالة مشافهة في حضرة الشهود ليسمعا لفظ الايجاب والقبول حيث تخبرهم بمضمون الرسالة وتصرح هي بقبولها باللفظ لا بالكتابة؛ فلو كتب رجل إلى إمراه تزوجتك فكتبت إليه قبلت لم ينعقد إذ الكتابة من الطرفين بلا قول لا تكفي ولو في الغيبة(28)، فيكون الشهود قد سمعوا الإيجاب الذي تضمنته الرسالة من الغائب، كما سمعوا القبول الذي تلفظت الزوجة بحضرتهم.

ثانيا: انعقاد الزواج مهاتفة عبر وسائل الاتصال المسموعة كالهاتف وغيرها

وهو إجراء عقد زواج بين غائبين عن طريق المهاتفة باستخدام وسيلة من وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة وهذه الصورة لم تكن معروفة من قبل، ولذا فقد بحثها العلماء المعاصرون واختلفوا في حكمها على قولين:

القول الأول: عدم جواز إجراء عقد الزواج مهاتفة عبر وسائل الاتصال الحديثة وممن ذهب إلى هذا الرأي المجمع الفقهي الإسلامي(29) واللجنة الدائمة للإفتاء(30).

حيث أجابت اللجنة الدائمة للإفتاء على سؤال وردها: إذا توفرت أركان النكاح وشروطه إلا أن الولي والزوج كل منهما في بلد، فهل يجوز العقد تليفونيا أو لا؟

"نظرا إلى ما كثر في هذه الأيام من التغرير والخداع ، والمهارة في تقليد بعض الناس بعضا في الكلام وإحكام محاكاة غيرهم في الأصوات حتى إن أحدهم يقوى على أن يمثل جماعة من الذكور والإناث صغارا وكبارا ، ويحاكيهم في أصواتهم وفي لغاتهم المختلفة محاكاة تلقي في نفس السامع أن المتكلمين أشخاص ، وما هو إلا شخص واحد ، ونظرا إلى عناية الشريعة الإسلامية بحفظ الفروج والأعراض ، والاحتياط لذلك أكثر من الاحتياط لغيرها من عقود المعاملات - رأت اللجنة أنه ينبغي ألا يعتمد في عقود النكاح في الإيجاب والقبول والتوكيل على المحادثات التليفونية ؛ تحقيقا لمقاصد الشريعة ، ومزيد عناية في حفظ الفروج والأعراض حتى لا يعبث أهل الأهواء ومن تحدثهم أنفسهم بالغش والخداع . وبالله التوفيق" انتهى من "فتاوى اللجنة الدائمة" (18/90).

وهذا أيضا ما أكدته دائرة الإفتاء الليبية إجابة على سؤال مفاده: هل يجوز الزواج عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة؟ فأجابت:

فإن الشَّريعةِ احتاطت لعقد النكاح، وسمته ميثاقًا غليظًا؛ لذلك لا يكون العقد صحيحًا إلا إذا اشتمل على أركانه المعتبرة، مِن وليٍّ ومحلٍّ وصيغةٍ، ولابدّ لصحة النكاح من صداقٍ وشاهدين، ولو بعد العقد، قال الدردير رحمه الله: “(وَ) صِحَّتُهُ أَيْضًا: (بِشَهَادَةِ) رَجُلَيْنِ (عَدْلَيْنِ غَيْرِ الْوَلِيِّ) فَلَا يَصِحُّ بِلَا شَهَادَةٍ، أَوْ شَهَادَةِ رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَلَا بِشَهَادَةِ فَاسِقَيْنِ، وَلَا بِعَدْلَيْنِ أَحَدُهُمَا الْوَلِيُّ، (وَإِنْ) حَصَلَتْ الشَّهَادَةُ بِهِمَا (بَعْدَ الْعَقْدِ) وَقَبْلَ الدُّخُولِ” [الشرح الكبير:2/221]، وقد جاء – في قرارِ مجمعِ الفقهِ الإسلامي رقم: (52 (3/6)[1]) في دورة مؤتمره السادس بجدة، شعبان 1410هـ-  بيانُ صحة إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة واستثناءُ عقد النكاح، ما نصّه: “رابعاً: إن القواعد السابقة لا تشمل النكاح لاشتراط الإشهاد فيه، ولا الصرف لاشتراط التقابض، ولا السَّلَم لاشتراط تعجيل رأس المال”، .......وعليه؛ ففي الحضور الشخصي لعقود الزواج سعة، ولا يجوز إجراؤها عبر وسائل الاتصال الحديثة، والله أعلم.

ومن خلال ما سبق يمكن الاستدلال لأصحاب هذا القول بالأدلة السابقة التي ذكرناها في عدم جواز إجراء عقد الزواج بالكتابة مع إضافة إمكانية التلاعب في الأصوات من خلال التكنولوجيا والبرامج الحديثة التي توفر إمكانية تقليد ومحاكاة الأصوات بدقة عالية، فيدخل فيها الغش والخداع والتزوير. وهذا ما يجب أن يصان عقد الزواج عنه.

 القول الثاني: جواز إجراء عقد الزواج مهاتفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة: وممن قال بهذا من العلماء المعاصرين الدكتور وهبة الزحيلي(31) والشيخ مصطفى الزرقاء (32) والشيخ بدران أبو العينين(33) وقالوا بتحقق أركان وشروط النكاح مهاتفة من حيث التلفظ بالإيجاب والقبول، وسماع كل من العاقدين للأخر، ومعرفته له بوجود الولي والشهود، وأن أطراف العقد وإن كانوا غائبين بأجسادهم إلا أنه حاضرين بأصواتهم ويسمع كل منهما الاخر بحضرة الولي والشهود.

وتأسيسا على ما سبق فإن الباحث يرى أن الراجح من الأقوال عدم جواز إجراء عقد الزواج بالكتابة أو المهاتفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لقوة هذا الرأي، وما استدلوا به من أدلة، ذلك لأن عقد الزواج من العقود التي يحتاط فيها ما لا يحتاط في غيرها وأن له من القداسة والهيبة ما جعلته كما وصفه ربنا بالميثاق الغليظ  وأنه آية من آيات الله عز وجل  التي يجدر التفكر بها لما فيها من سكن ومودة ورحمة، وهو مسؤولية مشتركة وعلاقة حميمة يشكل ارتباطا بين عائلتين بأواصر النسب والقربى، و التشدد فيه يشعر الزوج والزوجة  بأهمية هذا الرباط والميثاق الغليظ ، كل هذا يجعل من الضروري عدم الاقدام على الزواج الا بعد معرفة قوية بالطرف الآخر والزواج بالكتابة أو المهاتفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا يتيح للشباب والفتيات التعارف الحقيقي لاحتمال الكذب وإمكانية التزوير والتزييف وتقليد الأصوات _الأمر الذي يوجب علينا حمايته من أي تزيف أو تدليس سدا لذريعة تعرض كيان هذه الأسرة للهدم والحكم عليها بالفشل لا سمح الله.

ثالثا: انعقاد الزواج عبر الانترنت (صوت وصورة).

بقي أن نشير إلى الصورة الثالثة من صور انعقاد عقد الزواج عبر وسائل التواصل الاجتماعي وهي انعقاد الزواج بالصوت والصورة ، إلا أن هذه الصورة تمتاز عن عقد الزواج بالكتابة والمهاتفة بأنها تنقل الصوت والصورة مباشرة، وما قيل سابقا من خلاف بين العلماء المعاصرين حول عقد الزواج كتابة أو مهاتفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي ينسحب هنا أيضا ، ولكن الباحث يرى على الرغم مما رجحته سابقا من عدم جواز إجراء عقد الزواج بالكتابة أو المهاتفة  والتأكيد على ذلك للأسباب السابقة إلا أنني أرى أننا بحاجة إلى عدم إغلاق الباب نهائيا كما أنني لا أريد فتح الباب على مصرعيه ولكن أرى أن الأصل هو عدم جواز إجراء عقود الزواج ابتداء، لكن إن دعت لذلك ضرورة كجائحة كورونا مثلا أو ما شابهها و التي حالت دون تنقل الناس فإني أرى جواز إجراء عقد الزواج وفق الضوابط التالية:

1_ أن يتم تنظيم هذه العقود وتوثيقها عبر إجراءات حكومية رسمية كالمحاكم الشرعية أو السفارات في الدول الأجنبية التابع لها أطراف العقد بحيث توفر غرف أو قاعات مختصة لذلك، مع الأخذ بعين الاعتبار أقصى درجات الحماية من التزييف والتدليس حفظا للأعراض والأنساب والحقوق المترتبة على عقد الزواج.

2_ أن يكون إجراء مثل هذه العقود استثناء وليس أصلا فلا يفتح المجال للجميع وإنما يجب أن تكون هناك ضرورة لإجراء مثل هذا العقد تقوم الجهات المختصة بالتحقق من ذلك وفق تعليمات مسبقة ومحددة.

3_ التأكد من أهل الخبرة والاختصاص، من انتفاء أي شبهة للاحتيال أو التزوير عند إجراء عقد الزواج إذا دعت لذلك ضرورة(34).

المطلب الثاني: وقوع الطلاق عبر وسائل التواصل الاجتماعي:

لقد حرص الإسلام كل الحرص على بقاء الأسرة وعدم اللجوء إلى الطلاق والتأني في اتخاذه  إلا بعد الوصول إلى طريق مسدود تستحيل معه الحياة الزوجية، فيأتي الطلاق ليكون حلا لهذه الأسرة، قال تعالى: (وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا) [النساء: 130]، ومع تطور وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة ظهرت ظاهرة الطلاق عبرها إما كتابة وأما لفظا "وعليه فالطلاق الإلكتروني إذن: هو حل رباط الزوجية بكتابة أو لفظ مقصود من الزوج صراحة أو كناية فما حكمه وهل يقع الطلاق بهذه الصورة؟

أولا: الطلاق بالكتابة عبر وساتل التواصل الاجتماعي كالواتس والفيس والماسنجر وغيرها

 وذلك بأن يرسل الزوج برسالة نصية من هاتفه (واتس أو فيس، أو ماسنجر...)، أومن بريده الإلكتروني وغيرها من الوسائل الحديثة يخبرها أنها طالق فهل يقع الطلاق بهذا؟

اختلف الفقهاء في ذلك على قولين:

القول الأول: عدم وقوع الطلاق بالكتابة مطلقا وهو مذهب الظاهرية(35).

وقالوا بأن لفظ الطلاق ورد في القرآن الكريم على اللفظ لا على الكتابة، فمن كتب إلى زوجته رسالة بالطلاق فليس بطلاق لأن الكتابة لا تعد طلاقا حتى يتلفظ بها، والله عز وجل قال: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ) [الطلاق:1].

القول الثاني: وقوع الطلاق بالكتابة من الحاضر أو الغائب وبه قال جمهور الفقهاء من الحنفية(36) والمالكية(37) والشافعية(38) والحنابلة(39) على اختلاف بينهم في اشتراط النية من عدمها.

وعليه فإذا كتب الزوج برسالة -عبر هاتفه أو من خلال بريده الإلكتروني- إلى زوجته أنت طالق فهذا يرجع فيه إلى نيته وقت الكتابة، فإن كان عازما على الطلاق وقع الطلاق، وإن كتب تلك الرسالة بقصد التهديد أو إدخال الحزن على زوجته أو غير ذلك من المعاني دون أن يقصد الطلاق بحال فهذا لا يقع طلاقه لأن الكتابة بمنزلة الكناية فلا تقع إلا بالنية. وهذا من عليه العمل في دور الإفتاء والمحاكم الشرعية، فقد جاء في فتوى الديار المصرية إجابة على سؤال مفاده هل يقع الطلاق بالكتابة عبر الوسائل الإلكترونية فأجابت: إن الطلاق عن طريق رسالة مكتوبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون تلفظ بالطلاق، يتوقف الحكم فيه على نية المطلق وقصده للفظ، وهل تلفظ بلفظ الطلاق أم لا، فإذا تلفظ بالطلاق يقع طلاقه، وإن لم يتلفظ بالطلاق فيتوقف الحكم على قصده من كتابة الرسالة، واستدلت الدار على ذلك بما ورد عن الحنفية والمالكية والشافعية أن طلاق الرسائل والمكتوبات تحتاج إلى نية وقصد المطلق". وهذا ما أكده قانون الأحوال الشخصية الأردني(40).

 أ_ يقع الطلاق باللفظ أو الكتابة وللعاجز عنهما بإشارته المعلومة.

ب_ لا يقع الطلاق بالكتابة إلا بالنية.

ثانيا: الطلاق باللفظ الصادر عن الزوج عبر وساتل التواصل الاجتماعي كأن يتواصل معها مباشرة عبر الهاتف أو يرسل لها تسجيلا صوتيا بطلاقها أو يستخدم الصوت والصورة في إيقاع الطلاق.

وهنا لا بد لبيان الحكم الشرعي من التفريق بين اللفظ الصريح واللفظ الكنائي الصادر عن الزوج:

1_ الطلاق باللفظ الصريح كأن يقول الزوج لزوجته عبر المكالمة الهاتفية أو التسجيل الصوتي أنت طالق أو مطلقة  وما شابه من ألفاظ صريحة فهذا الطلاق يقع (في الهامش تشير) إن كان الزوج بالأوصاف الشرعية المعتبرة شرعا (مكلفا عاقلا بالغا مختارا  واعيا غير مكره ولا مدهوش) فهذا الطلاق يقع لأنه بمثابة الخطاب مواجهة، ولأن الطلاق ينشأ بإرادة منفردة فلا يتوقف وقوعه على رضا الزوجة أو حتى علمها به ولا يشترط الإشهاد عليه  واستدلوا على ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: (ثلاث جدهن جد وهزلهن جد النكاح والطلاق والرجعة)(41).

وهذا ما أكدته دائرة الإفتاء المصرية، في بيان لها، أن الطلاق عبر مواقع "الفيسبوك" و"الواتساب"، ومواقع التواصل الاجتماعي أو ما يسمى الطلاق الإلكتروني عبر أي وسيلة إلكترونية، يدخل ضمن أحكام طلاق الغائب".

وأوضحت أنه "في حال وقوع الطلاق بالتواصل المباشر سواء بالصوت فقط أو بالصوت والصورة بالفيديو، يكون حكمها حكم التواصل الطبيعي، ويقع نفس أحكامه"، مشيرة إلى أن السبب في ذلك هو وجود شخصين على نفس الوسيلة في نفس الوقت يأخذ حكم الوجود الفعلي ويتيح إمكانية مشاهدة المتعاقدين أثناء الموافقة أو غيرها".

2_ الطلاق الصادر عن الزوج باللفظ الكنائي وهو كل لفظ يحتمل الطلاق وغيره كأن يخاطب الزوج زوجته عبر وسائل التواصل الاجتماعي بقوله اذهبي إلى بيت أهلك وغيره من الألفاظ التي تحتمل الطلاق وتحتمل غيره، وهنا لا بد من سؤال الزوج عن نيته فإن كان يقصد الطلاق وقع الطلاق به، وإن لم يقصد الطلاق لم يقع الطلاق؛ لأن اللفظ الكنائي يحتاج إلى نية، وهذا ما أكده قانون الأحوال الشخصية الأردني: يقع الطلاق بالألفاظ الصريحة دون الحاجة إلى نية وبالألفاظ الكنائية التي تحتمل معنى الطلاق وغيره بالنية"(42).

ويرى الباحث في جميع حالات الطلاق السابقة لا بد من التأكد من أن الزوج أو وكيله هو من قام بكتابة رسالة الطلاق وكان قاصدا الطلاق فعلا، أو هو من تلفظ بالطلاق بصوته ولم يقم شخص أخر بمحاكاته أو تقليده.

المطلب الثالث: صحة الرجعة(43) عبر وسائل التواصل الاجتماعي:

مما لا شك فيه أن الطلاق إذا وقع من الزوج على زوجته فإنه بحاجة إلى إرجاع زوجته إلى عصمته خلال فترة العدة إن كان الطلاق رجعيا، إن رغب بعودة الحياة الزوجية إلى سالف عهدها، فقد أجمع الفقهاء على مشروعية الرجعة أثناء العدة، عند استيفاء شروطها، ولم يخالف في ذلك أحد، فقد جاء في الروض المربع ما نصه: "أجمع أهل العلم على أن الحر إذا طلق دون الثلاث أن له الرجعة في العدة" (44).

ولكن السؤال هنا هل يمكن له أن يرجعها إلى عصمته عبر وسائل التواصل الاجتماعي لأنه ربما طلق زوجته وسافر، أو ربما أنه أوقع الطلاق على زوجته عبر وسائل التواصل الاجتماعي كما سبق لنا بيانه فهل يملك الزوج إرجاع زوجته إلى عصمته عبر هذه الوسائل إما قولا أو كتابة (لم نبحث الفعل وهو الجماع ومقدماته لأنه غير متصور في حالة غياب الزوج)؟

اولا: الرجعة بالقول وتشمل:

الفرع الأول: الرجعة بالقول وقد تكون بالألفاظ الصريحة وقد تكون بالكنائية إلى قسمين:

القسم الأول: الرجعة بالألفاظ الصريحة.

وقد اتفق الفقهاء على صحة الرجعة باللفظ الصريح دون الحاجة إلى نية(45)؛ وذلك لعدم حملها على معنى آخر غير إرادة الرجعة مثل قوله راجعتك، وارتجعتك، وأرجعتك، وبكل ما اشتق منها، وهذا ما دلت عليه السنة النبوية عندما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (مره فليراجعها)(46) وقد اشتهر هذا اللفظ فيها، ولذا قال ابن قدامه: "ويتخرج أن يكون لفظها هو الصريح وحده لاشتهاره دون غيره"(47)

وقد اعتبر فريق من العلماء ومنهم الحنفية والحنابلة(48) أن لفظ رددتك، وأمسكتك، لفظ صريح لا يحتاج إلى نية، وحجتهم في ذلك آيات القرآن الكريم التي وردت فيها أحكام الرجعة والتي دلت عليها بلفظي الرد والإمساك قال تعالى: (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا) ]البقرة:228[، وقال تعالى: (فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) ]البقرة :231[.

في حين اعتبر المالكية والشافعية(49) لفظ (رددتك وأمسكتك) من ألفاظ الكنايات التي تحتاج إلى نية لتحصل الرجعة، فكلمة الرد محتملة؛ فقد تحتمل إرادة الإرجاع، وقد تحتمل غيره كأن يقصد رددتك إلى أولادك، وكذلك الإمساك فربما أراد إمساكها عن الخروج من البيت.

والقول الراجح لدى الباحث أن لفظ (رددتك وأمسكتك) ألفاظ صريحة في صحة الرجعة لا تحتاج إلى نية لوجود النص، ولأن المحافظة على بقاء الأسرة يقتضي توسيع دائرة ما تحصل به الرجعة.

القسم الثاني: الرجعة بالألفاظ الكنائية

وهي تلك الألفاظ التي تحتمل أكثر من معنى، فقد تدل على الرجعة وقد تدل على غيرها، مثل قول الزوج: أنت عندي كما كنت.

وهذه الألفاظ اختلف فيها الفقهاء على قولين:

القول الأول: جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية ذهبوا إلى صحة الرجعة بالألفاظ الكنائية ولكنها تحتاج إلى نية فيسأل عن مراده من هذه الألفاظ، فإن قصد الرجعة فهي رجعة، وإلا فلا.

القول الثاني: ذهب الحنابلة(51) إلى عدم صحة الرجعة باللفظ الكنائي؛ لأن الرجعة استباحة بضع مقصود فلا تحل بالكناية كالنكاح، ولا بدّ من اللفظ الصريح الذي لا يحتمل غير معنى الرجعة.

والقول الراجح الذي يراه الباحث هو عدم تقييد الرجعة بلفظٍ أو ألفاظ معينة، فقد تختلف الألفاظ باختلاف الزمان والمكان والأشخاص ولذلك نرى عدم قصْر وتحديد ألفاظ الرجعة بألفاظٍ محددة لا تتعداها إلى غيرها بل تكون الرجعة بما يدل عليها عرفاً مفهوماً للزوجة مقصوداً للزوج(52) فمقصود الشارع المحافظة على ديمومة الأسر، والحفاظ على بقائها ما كان إلى ذلك سبيلا، فأي لفظٍ حقق المقصود فقد تمت الرجعة.

وبناء على التأصيل الفقهي السابق فإنه إن صدر عن الزوج لزوجته المطلقة طلاقا رجعيا أثناء العدة لفظا صريحا بإرجاعها أو كنائيا -وكان يقصد ارجاع زوجته إلى عصمته- عبر وسائل التواصل الاجتماعي كان يقول لها عبر الهاتف أو يبعث لها تسجيلا صوتيا أرجعتك إلى عصمتي أو رددتك أو أمسكتك فإن ذلك يعتبر رجعة شرعية لها ينهي عدتها.

اولا: الرجعة بالكتابة: وذلك كأن يرسل الزوج إلى زوجته المطلقة طلاقا رجعيا أثناء عدتها برسالة نصية يقول فيها أرجعتك إلى عصمتي أو رددتك أو أمسكتك، ويقوم مقام اللفظ الكتابة مع النية وإشارة الأخرس المفهمة كسائر العقود. وقال النووي رحمه الله في روضة الطالبين: "لا يشترط الإشهاد على الرجعة على الأظهر، فعلى هذا، تصح بالكتابة مع القدرة على النطق، وإلا فلا"(53).

ويرى الباحث أن على الزوج في حال وقوع الطلاق أو حصول الرجعة للزوجة المطلقة عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة فلا بد من مراجعة الجهات المختصة كالمحاكم الشرعية أو دور الإفتاء لتثبت ذلك حسب الأصول فإن تعذر ذلك فلا أقل من أن يشهد على ذلك حفظا للحقوق وصيانة للأعراض ودرأ للنزاع والشقاق والله أعلم.

المبحث الثاني: حكم إجراء العقود في المعاملات 

تعد التجارة الإلكترونية إحدى ثمرات التطور التقني الذي شهده العالم في زماننا في شتى المجالات بشكل عام، وفي مجال شبكات الاتصال وتقنية المعلومات بشكل خاص به. وهو نوع من أنواع البيوع الذي يدخل من حيث العموم في قوله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) [البقرة:275].

والتعاقد الذي يتم من خلال وسائل التواصل الاجتماعي الإلكترونية كتابة أو نقلا للصوت مقترنا أحيانا بالصورة هو كالتعاقد عن طريق الكتابة بل إن وجود الصوت والصورة يجعلها أقوى من مجرد الكتابة

ولذا ذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة(54) إلى القول بأن الكتابة كالخطاب والتعاقد بها جائز سواء أكان العقد بين حاضرين أم بين غائبين (ويستثنى من ذلك عقد النكاح لخصوصيته) وقالوا بأن الكتابة وسيلة من وسائل التعبير عن الإرادة كالخطاب، والكتابة ممن نأى كالخطاب ممن دنا، وصحة العقد منوطة بالتراضي قال الإمام الدسوقي رحمه الله: "والحاصل أن المطلوب في انعقاد البيع ما يدل على الرضا عرفا"(55) وما جعل اللسان إلا ليبين ما في الجنان وما الألفاظ إلا وسيلة من وسائل التعبير عما في النفس فجاز إبرام العقد بكل وسيلة تنبؤ عن رضا الطرفين دون التقيد بأي شكلية أو وسيلة بعينها، وهذا من مرونة الشريعة وكمالها وصلاحها لكل زمان ومكان؛ ولذا علق الله عز وجل حل أكل أموال الناس بالتراضي فيما بينهم فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ ۚ وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) [النساء: 29](56).

وأما انعقاد العقد بالمهاتفة وذلك بنقل كلام المتحدث مباشرة وبدقة متناهية وقد يكون أحيانا مقترنا بالصورة أولى بالقول بالجواز من إجراء العقود بالكتابة (مع الأخذ بالإجراءات التي تضمن عدم تقليد الصوت وعدم التزوير، وأهل الخبرة والاختصاص لديهم القدرة على تميز هذا)، ذلك أن العقد بالمهاتفة كالعقد بين شخصين بعيدين لا يرى أحدهما الأخر، ولكنه يسمعه، وهذا ما قرره الأئمة والفقهاء قديما وتصوروا وجوده وصححوا العقود المنبثقة عنه؛ قال الإمام النووي رحمه الله: "لو تناديا وهما متباعدان وتبايعا صح البيع بلا خلاف"(57)، وهذه الصورة التي ذكرها النووي رحمه الله وأقرها الفقهاء والعلماء تشبه إلى حد كبير التعاقد عن طريق وسائل التواصل الحديثة، فهما يتراءيان ويتسامعان ويكتبان، وإن كان بينهما الفاصل المكاني(58).

إذا تقرر ما سبق من جواز إجراء عقود المعاملات عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة بشكل عام، فلا بد من التأكيد على ما قرره مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنعقد في دورة مؤتمره السادس بجدة في المملكة العربية السعودية من 17-23 شعبان 1410هـ الموافق 14-20 آذار (مارس) 1990م، بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع إجراء العقود بآلات الاتصال الحديثة، ونظرًا إلى التطور الكبير الذي حصل في وسائل الاتصال، وجريان العمل بها في إبرام العقود لسرعة إنجاز المعاملات المالية والتصرفات، وباستحضار ما تعرّض له الفقهاء بشأن إبرام العقود بالخطاب وبالكتابة وبالإشارة وبالرسول، وما تقرر من أن التعاقد بين الحاضرين يشترط له اتحاد المجلس -عدا الوصية والإيصاء والوكالة- وتطابق الإيجاب والقبول، وعدم صدور ما يدل على إعراض أحد العاقدين عن التعاقد، والموالاة بين الإيجاب والقبول بحسب العرف قرر ما يلي:

أولا: إذا تم التعاقد بين غائبين لا يجمعهما مكان واحد، ولا يرى أحدهما الآخر معاينة، ولا يسمع كلامه، وكانت وسيلة الاتصال بينهما الكتابة أو الرسالة أو السفارة (الرسول)، وينطبق ذلك على البرق والتلكس والفاكس وشاشات الحاسب الآلي (الحاسوب)، ففي هذه الحالة ينعقد العقد عند وصول الإيجاب إلى الموجَّه إليه وقبوله.

ثانيا: إذا تم التعاقد بين طرفين في وقت واحد وهما في مكانين متباعدين، وينطبق هذا على الهاتف واللاسلكي، فإن التعاقد بينهما يعتبر تعاقدًا بين حاضرين، وتطبق على هذه الحالة الأحكام الأصلية المقررة لدى الفقهاء المشار إليها في الديباجة.

 ثالثا: إذا أصدر العارض، بهذه الوسائل، إيجابًا محدّد المدة يكون ملزمًا بالبقاء على إيجابه خلال تلك المدة، وليس له الرجوع عنه.

رابعا: إن القواعد السابقة لا تشمل النكاح لاشتراط الإشهاد فيه، ولا الصرف لاشتراط التقابض، ولا السلم لاشتراط تعجيل رأس المال.

خامسا: ما يتعلق باحتمال التزييف أو التزوير أو الغلط يرجع فيه إلى القواعد العامة للإثبات.

وعليه فلا بد من التنبيه:

أولا: أن العقود المبرمة بالكتابة أو المهاتفة ونحوه إنما تصح فيما لا يشترط فيه القبض الفوري، أما إذا بيع ربوي بمثله فلا يصح العقد عبر وسائل التواصل الحديثة إلا إذا تم القبض، كأن يودع في حساب الطرف الثاني، والأخر يودع في حسابه أو يوجد وكيل ينوب بالتسليم عنه عند الطرف الأخر أو عن طريق بنك لدى كل واحد منهما فيه رصيد لكيلهما أو نحو ذلك بما يتعلق بموضوع القبض الحقيقي والحكمي؛ لأن معاملات الصرف لا بد فيها من القبض الفوري(59)؛ لحديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه أنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلا بمثل سواء بسواء يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد"(60).

وهذا ما أفتت به دائرة الإفتاء الأردني في إجابتها عن سؤال: هل يجوز بيع الذهب والفضة على الانترنت؟ فأجابت يجوز بيع الذهب والفضة عبر الانترنت بشرط التقابض الفوري بين البائع والمشتري، بحيث يحول المشتري الثمن إلى حساب البائع مباشرة، ويقوم البائع بتسليم الذهب أو الفضة للمشتري عن طريق وكيله، وهذا ما أفتت به المعايير الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية [انظر: المعيار الشرعي رقم: 57]، فإن لم يتوافر شرط التقابض الشرعي لم يصح بيع الذهب والفضة؛ لأن كل تأجيل في بيع الذهب والفضة ربا. والله تعالى أعلم. 

ثانيا: لقد استثنى القرار السابق لمجمع الفقه الإسلامي عقد السلم من جواز إجراء العقود عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة قال العمراني في البيان: "ولا يجوز تأخير قبض رأس مال السلم عن المجلس، فإن تفرقا قبل ذلك.... بطل العقد"(61).

ولما تنوعت التعاملات الإلكترونية في عصرنا الحاضر، واختلفت أحكامها وكثرت أسئلة الناس حول الأحكام الشرعية المتعلقة بها، فقد قام الباحث ببيان أبرز الأحكام الفقهية حول التعاملات الإلكترونية وبيانها بشكل مختصر حسب فتاوى دائرة الإفتاء الأردني والتي يكثر السؤال حولها (62):

• ما الحكم الشرعي في البيع والشراء عبر الانترنت ووسائل التواصل الاجتماعي؟

الأصل الشرعي إباحة البيوع، سواء تمت على أرض الواقع أو عن طريق الانترنت، بشرط خلوها عن المحذورات الشرعية؛ قال الله تعالى: (وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) [البقرة:275].

• هل يجوز شراء الذهب والفضة عبر الانترنت عن طريق بطاقات الحسم الفوري أو بطاقة الائتمان؟

يجوز شراء الذهب والفضة عن طريق بطاقة الحسم الفوري؛ لأن الجهة المصدرة "البنك" تخصم القيمة المباشرة من حساب المشتري الجاري وتحوله إلى حساب البائع مباشرة، وهذه العملية هي في حقيقتها قبض، يتمكن فيه التاجر من التصرف في قيمة السلعة المباعة بمجرد إتمام العملية، فهي وإن اقتصرت على مجرد القيد المصرفي إلا أنها تعد قبضاً تاماً. 

كما يجوز شراء الذهب والفضة عن طريق بطاقة الائتمان، ما لم يترتب على ذلك تأجيل في الدفع؛ لأن فواتير البطاقة الائتمانية تعتبر واجبة الدفع من قبل البنك المصدر دون أن يتوقف ذلك على وجود حساب للعميل، وقد أصبح للبطاقة الائتمانية من القبول عند الناس ما يُضاهي الأوراق النقدية والتجارية، والقبض يستند في كثير من أحكامه إلى العُرْف، وهذا ما أفتت به المعايير الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية [انظر: المعيار الشرعي رقم: 2]. والله تعالى أعلم.

• هل يصح صرف العملات عن طريق الانترنت؟

يجوز صرف العملات المختلفة عن طريق الانترنت بشرط التقابض الفوري دون تأجيل، ويحصل القبض الفوري بأن يحول كل طرف إلى حساب الآخر العملة المتفق عليها(63).

وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته السابعة بتحريم العقود التي تتضمن تأجيل العوضين أو أحدهما في بيع العملات، ومنها عقود الصرف الآجل (Forward) وعقود المبادلات (Swap)؛ لاشتمالها على الربا. والله تعالى أعلم.

وعقود الصرف الآجل هي العقود التي يتأجل فيها تسليم العملة المبيعة لمدة معلومة، وعقود المبادلات أنواع، منها عقد مبادلة العملات وهي عقد بين طرفين لشراء مبالغ محددة من العملات الأجنبية من بعضهما البعض، على أساس السعر الآني، وبيع المبالغ نفسها، على أساس السعر الآجل، على أن يتم التقابض (التسليم والتسلم) في وقت لاحق.

• هل يجوز استعمال بطاقات الائتمان في الشراء عبر الانترنت؟

يجوز للمشتري أن يستخدم البطاقات الائتمانية للدفع عبر الانترنت، كما يجوز للبائع قبول الدفع عن طريق البطاقة الائتمانية بشرط ألا يزيد البائع سعر البضاعة بسبب العمولة التي تأخذها منه جهة البطاقة، كما أفتت بذلك دائرة الإفتاء الأردنية [فتوى منشورة على موقع الإفتاء برقم 1450].

ويتنبه إلى أن المشتري لا يحل له استصدار بطاقات ائتمانية تحتوي على شروط ربوية. والله تعالى أعلم.

• هل يجوز استخدام البطاقات المدفوعة مسبقا في الشراء عبر الانترنت، وهل يجوز شراؤها من بنوك تجارية؟

تقوم البطاقات المدفوعة مسبقا على أساس تثبيت مبلغ محدد يدفع مقدما لمصدر البطاقة، بحيث يمكن استخدام البطاقة في حدوده، ويوكل صاحب البطاقة البنك بالدفع عند استخدامها، والرسوم التي يتقاضها البنك تعد أجورا على الوكالة، فلا حرج في استخدامها شرعا. 

وأما شراء هذه البطاقات من البنوك التجارية فلا حرج فيه؛ لأن الأصل في البيوع الإباحة، ولانتفاء محذور الإعانة على الحرام. والله تعالى أعلم.

• هل يجوز المتاجرة بالذهب والفضة عبر الفوركس؟

لا يجوز المتاجرة بالذهب والفضة عبر نظام الفوركس؛ لعدم تحقق شرط التقابض الفوري بين المتعاقدين، وفقدان شرط التقابض الفوري في بيع الذهب والفضة يجعل المعاملة ربوية.

• هل يجوز المضاربة بالبتكوين، وما رأي الشرع في اتخاذ العملات الالكترونية نقدا؟

تعتبر "البتكوين" عملة رقمية افتراضية مشفّرة، ليس لها رقم مسلسل، ولا تخضع لسيطرة أية مؤسسة مالية في العالم، إذ يتم التعامل بها فقط عبر شبكة الإنترنت، من دون وجود فيزيائي لها، وتتحكم في قيمتها قوى العرض والطلب، ولكنها لم تحظ باعتراف أغلب دول العالم، وبالتالي فـ"البتكوين" ليس لها قيمة ذاتية مثل الذهب والفضة ولم تصدرها جهة قانونية تضمن استقرارها وقيمتها مثل الأوراق النقدية.

فلا يجوز المضاربة بالبتكوين في الوقت الراهن؛ لأنها لا تمثل قيمة حقيقية مستقرة، فقيمتها تتذبذب بشكل كبير صعودا ونزولا خلال فترات وجيزة بشكل غير منطقي، مما ينذر بكوارث اقتصادية قد تحدث مستقبلا نتيجة هذا التذبذب غير المنطقي، ولا شك أن المضاربات التي تزعزع قيم الأموال يرفضها الإسلام؛ لأنها تطفف في ملكية الناس المصونة شرعا ولا تحفظ أموالهم وتبدد فرص الاستثمار الحقيقي، وهذا ما يتعارض مع مقصد الشريعة الإسلامية في حفظ المال.

ولا تخلو المضاربة بـ"البتكوين" أيضا من محذور القمار، من حيث أن كل طرف مشارك في العملية يقصد أن يربح على حساب الأطراف الآخرين من خلال المراهنة على صعود الأسعار أو هبوطها.

وأما اتخاذ العملات الالكترونية وحدة نقد، فهذا يتوقف على مجموعة من الوظائف التي تضبط معنى النقود وهي: أن يكون وسيطا للتبادل، وأن يستعمل كمقياس لقيم السلع والخدمات، وأن يكون مستودعا أمينا للقيم، وأن يكون وسيلة للمدفوعات الآجلة، وتلقي القبول العام، فمجموع هذه الشروط تجعل من أي شيء نقدا. والله تعالى أعلم.

• ما الحكم الشرعي في إنشاء موقع مزاد علني إلكتروني؟

يجوز عقد المزاد الالكتروني بشرط مراعاة الضوابط الآتية:

1- البعد عن الممارسات غير الأخلاقية مثل النجش والتدليس، والنجش أن يزيد أحد الطالبين في سعر السلعة دون أن يريد شراءها بقصد أن يزيد على غيره وهو منهي عنه.

2- وصف المبيع وصفا يحقق العلم به ويزيل عنه الجهالة والغرر.

3- عند فرض رسوم على الدخول إلى المزاد يجب أن يكون مقيداً بمقدار التكلفة الفعلية، وكل ربح يزيد عن التكلفة الفعلية يعتبر من أكل أموال الناس بالباطل.

4- يجوز طلب الضمان ممن يريد الدخول في المزايدة، ولكن يجب أن يرد لكل مشارك لم يرس عليه المزاد، ويحتسب الضمان المالي من الثمن لمن فاز بالصفقة. 

ويمكن إضافة بعض الصور الأخرى مما أفتت به دائرة الإفتاء الأردني(64):

أولا: حكم التعامل بالتسويق الشبكي الذي يشترط فيه على المشترك أن يشتري سلعة ليدخل في نظام التسويق ويبدأ العمل بالترويج لمسوقين جدد؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله

أسلوب التسويق الشبكي أو الهرمي وأخذ العمولات عليه ليس من السمسرة الشرعية في كثير من صوره المنتشرة اليوم، بل هو من باب الميسر والمقامرة المحرمة؛ لأن المشتركين عادة لا يشتركون إلا بغرض تحصيل المكافآت على إحضار زبائن آخرين، فإذا جلب المشترك عدداً من الزبائن، وحقق شروط الشركة أخذ عمولته التي قد تزيد أو قد تنقص عن المبلغ الذي دفعه ابتداء، وإذا فشل خسر المبلغ كله، وهذا الاحتمال يُدخِلُ المعاملة في شبهة الغرر والميسر.

فمناط التحريم هو اضطرار المشترك إلى دفع مال مسبقاً، سواء على سبيل الاشتراك أو على سبيل شراء بضاعة غير مقصودة، وسواء كان ذلك في التسويق الشبكي أو الهرمي، فإدخال البضاعة لا يقلب المعاملة إلى الحِل؛ لأن الغرض منها هو التوصل إلى المال، وليست مقصودة لذاتها، بدليل أن المساهم في هذه الشركة إنما يطمع في المبالغ المتحصلة من عمولات الزبائن التي قد تفوق قيمة تلك البضاعة، في حين أن السمسرة المشروعة يسوق فيها السمسار السلعة لمن يريدها حقيقة، بينما في الشبكي أو الهرمي فالمشترك يسوق لمن يسوِّق، والثاني يسوِّق لمن يسوِّق، وهكذا.

وحتى لو قصد أحد الأفراد تحصيل البضاعة المباعة لذاتها، فإن الوضع العام للشركة لا يقوم على أساس المتاجرة بها، بل على أساس تجميع أكبر قدر من المشتركين، وإطماع الطبقة العليا من الشبكة الهرمية بالمكافآت، على حساب الطبقة الدنيا التي هي الأكثرية من الناس الذين لا يحصلون على شيء، وهذا يعنى وجود قلة غانمة من الناس على حساب أكثرية غارمه، وكفى بهذا فساداً وإفساداً.

وقد سبق لكثير من اللجان الشرعية والباحثين المتخصصين دراسة هذا النوع من المعاملات الحادثة، وبيان وجود الكثير من المخاطر والمحاذير الشرعية.

وننبه هنا إلى أن شركات التسويق الشبكي والهرمي تنوعت طرقها، واختلفت أساليبها، ونظراً لاشتمالها على المحاذير السابقة فإن حكمها هو التحريم. والله تعالى أعلم.

[انظر: فتوى منشورة على موقع الإفتاء برقم 1995]. والله تعالى أعلم. 

ثانيا: حكم استعمال البطاقة الائتمانية في "الشراء على المكشوف" وهذا ما أفتت به دائرة الإفتاء الأردنية في الفتوى رقم 2725 تاريخ: 01-11-2012

السؤال: معي بطاقة ائتمانية من أحد البنوك، وقد استخدمتها وترتَّب عليَّ دَيْنٌ يقارب (300) دينار، ولم أتمكن من سداد المبلغ نقدًا، وأبلغني البنك أنه سيستوفي (1%) بدل خدمات، بحيث يُقسَّط المبلغ لمدة (12) شهرًا ليصبح (336) دينارًا، فما حكم ذلك؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله

يحرم استعمال البطاقة الائتمانية في (الشراء على المكشوف) من غير تغطية الرصيد، إذا كان المشتري يعلم أنه سيترتب عليه زيادة ربوية بسبب الشراء.

وكذلك يحرم تقسيط المبلغ أو إعادة جدولته إذا ترتبت عليه زيادة ربوية، سواء سُمِّيتْ (بدل خدمات)، أو سُمِّيتْ (فائدة)، فالعبرة بالمسميات وليس بالأسماء.

و(بدل الخدمات) لا يجوز إلا إذا كان على قدر الخدمة الحقيقية، وذلك يقتضي من البنك سياسة خاصة في احتساب التكلفة الحقيقية لإصدار البطاقة واستعمالها، وهو أمر لا تسلكه سوى بعض البنوك الإسلامية.

أما البنوك الربوية فتفرض (بدل الخدمات) على أساس (الفائدة) الربوية المحرمة، وتغيير اسم الحرام لا يقلبه حلالاً، فقد قال عليه الصلاة والسلام: (لَيَشْرَبَنَّ ناسٌ مِنْ أُمَّتِي الخَمْرَ يُسَمُّونَها بِغَيْرِ اسْمِها) رواه أبو داود. والله أعلم.

ثالثا: حكم استلام ثمن البضائع عن طريق بطاقة الائتمان وهذا ما أفتت به دائرة الإفتاء الأردنية في الفتوى3224 رقم تاريخ: 27-09-2016

السؤال: أعيش في الغرب، وأعمل في محل بيع المفروشات والأدوات المكتبية ومواد البناء، ‏‏والزبائن يدفعون بواسطة الكريدت كارد (بطاقات الائتمان). فهل يحرم على العمل في هذه الوظيفة بسبب ‏استلامي ‏لثمن البضاعة بواسطة الكريديت كارد؟ هل يحرم على استلام ثمن البضاعة بواسطة الكريديت كارد (بطاقات الائتمان)؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله

استلام ثمن البضائع المباعة عن طريق بطاقات الائتمان لا حرج فيه، حتى وإن كانت البطاقة غير مغطاة، أو كان في التعامل بها شرطاً ربوياً؛ لأن غاية ما يقوم به البائع هو أخذ ثمن ما باعه، وليس عليه حرج في التعامل بالبيع والشراء مع من ماله مختلط بين الحلال والحرام.

جاء في [المجموع شرح المهذب 13/17]: "ما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم أنه اقترض من أبي الشحم اليهودي ثلاثين صاعاً من شعير لأهله بعد ما عاد من غزوة تبوك بالمدينة، ورهن عنده درعه فكانت قيمتها أربعمائة درهم، ففي هذا الخبر فوائد...ومنها: أنه يجوز معاملة من في ماله حلال وحرام إذا لم يعلم عين الحلال والحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عامل اليهودي، ومعلوم أن اليهود يستحلون ثمن الخمر ويربون".

وجاء في حاشية قليوبي على شرح المنهاج [2/418]: "وتصح الشركة وإن كرهت كشركة ذمي وآكل الربا ومن أكثر ماله حرام". فإذا كانت شراكتهم جائزة، جاز من باب أولى بيعهم. والله تعالى أعلم.

رابعا: حكم الدفع عن طريق بطاقات الائتمان وهذا ما أفتت به دائرة الإفتاء الأردنية في ال فتوى3329رقم تاريخ: 25-10-2017

السؤال: ما حكم دفع أولياء أمور الطلبة الأقساط عن طريق بطاقات الائتمان (فيزا، ماستر كارد)، وتقوم الشركة الوسيطة بخصم نسبة متفق عليها وإيداع الباقي في حساباتنا بعد يومين أو ثلاثة؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله

تقوم العلاقة التعاقدية بين مصدر البطاقة (فيزا، ماستر كارد) وقابل البطاقة (المدرسة) على عقد الوكالة والسمسرة، حيث تقوم الشركة الوسيطة بالوكالة عن المدرسة في تحصيل الأقساط التي دفعها أولياء الأمور ببطاقة الائتمان، وأخذ نسبة متفق عليها مقابل عملها.

وعليه، فلا حرج في التعامل بهذه البطاقات وأخذ الأقساط عن طريقها، بشرط ألا تزيد أقساط الطلبة بسبب تلك النسبة عن المتفق عليه مع أولياء أمور الطلبة.

جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي في دورته الثانية عشر ما نصه: "جواز أخذ البنك المصدر من التاجر عمولة على مشتريات العميل منه، شريطة أن يكون بيع التاجر بالبطاقة بمثل السعر الذي يبيع به بالنقد". والله تعالى أعلم

خامسا: أحكام وشروط استعمال البطاقات الائتمانية وهذا ما أفتت به دائرة الإفتاء الأردنية في ال فتوى3408 رقم تاريخ: 05-08-2018

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله

بطاقات الفيزا الائتمانية طريقة حديثة للدفع، يقصد منها تقليل حمل النقود أثناء التنقل، وهي مقسومة إلى نوعين: إما أن تكون مغطاة الرّصيد، وإما أن تكون غير مغطاة، ويختلف الحكم فيها بحسب طبيعتها، وتكون العلاقة بين مصدر البطاقة وحاملها -إذا كانت مغطاة الرصيد-علاقة وكالة بالسداد، ولذلك يجوز لـمُصدِر البطاقة أن يتقاضى أجرة عليها.

وأمّا إذا كانت البطاقة غير مغطاة الرصيد؛ فإنّ العلاقة بين مصدر البطاقة وحاملها علاقة ضمان وقرض، فلا يجوز تقاضي أجرة على هذه العلاقة -عدا التكلفة الفعلية لإصدار البطاقة-؛ لأن الأجرة على الضمان غير جائزة باتفاق فقهاء المذاهب الأربعة، كما أنه لا يجوز استخدام البطاقة إذا كانت تتضمن شرطاً ربوياً يقضي بدفع حامل البطاقة مبلغاً إذا تأخر في سداد دينه (سحبه المكشوف)، ففي هذه الحالة لا يجوز الاستفادة منها على هذا الوجه، ولو كان العميل متأكداً من التزامه بموعد السداد؛ لأن اشتراط الربا في القرض كافٍ في تحريمه ابتداء.

جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي (رقم/108، 2/ 12): "لا يجوز إصدار بطاقة الائتمان غير المغطاة ولا التعامل بها إذا كانت مشروطة بزيادة فائدة ربوية، حتى ولو كان طالب البطاقة عازماً على السداد ضمن فترة السماح المجاني".

كما أن هناك مجموعة من الشروط العامة التي يجب مراعاتها للتعامل بهذه البطاقات، وهي:

1-ألا تشترط الجهة المصدرة زيادة ربوية عند تأخر السداد.

2-ألا يزيد التاجر سعر البضاعة بسبب العمولة التي تأخذها منه جهة البطاقة.

3-ألا يكون المشترى ذهباً أو فضة أو عملات إذا كانت البطاقة غير مغطاة.

وعليه؛ يجوز استخدام البطاقات الائتمانية المذكورة في السؤال مع مراعاة الشروط والأحكام السابقة. والله تعالى أعلم.

سادسا: الموضوع: القبض الحكمي في العقود يقوم مقام القبض الحقيقي بشروط وهذا ما أفتت به دائرة الإفتاء الأردنية في الفتوى3035 رقم تاريخ: 28-01-2015

السؤال: هل يوجد شرط القبض في التداول في العملات إلكترونياً؟

الجواب: الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله

شرع الإسلام التقابض في عقود المعاوضات لتكون أداة لحفظ الحقوق وميزان لاستقرار العقود والمعاملات، وقد شدد الإسلام في موضوع تبادل الأموال الربوية والصرف أكثر مما شدد في غيره؛ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لاَ تَبِيعُوا الذَّهَبَ بِالذَّهَبِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا الوَرِقَ بِالوَرِقِ إِلَّا مِثْلًا بِمِثْلٍ، وَلاَ تُشِفُّوا بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ، وَلاَ تَبِيعُوا مِنْهَا غَائِبًا بِنَاجِزٍ) رواه البخاري، قال الإمام النووي رحمه الله: "وقد أجمع العلماء على تحريم بيع الذهب بالذهب أو بالفضة مؤجلاً، وكذلك الحنطة بالحنطة أو بالشعير، وكذلك كل شيئين اشتركا في علة الربا" "شرح النووي على مسلم" (11/10).

وقد اشتراط الفقهاء لهذا القبض أن يكون حقيقياً بحيث يتم التسليم للعوضين في نفس المجلس، ولم يتشرطوا الفورية في التسليم وإنما اكتفوا باتحاد مجلس العقد ولو تأخر التسليم ما دام المتعاقدان في نفس مجلس العقد ولم يتفرقا؛ قال النووي رحمه الله: أما إذا باع ديناراً بدينار كلاهما في الذمة ثم أخرج كل واحد الدينار، أو بعث من أحضر له ديناراً من بيته وتقابضا في المجلس فيجوز بلا خلاف عند أصحابنا؛ لأن الشرط أن لا يتفرقا بلا قبض وقد حصل ولهذا قال صلى الله عليه وسلم في الرواية التي بعد هذه ولا تبيعوا شيئاً غائباً منها بناجز إلا يداً بيد" "شرح النووي على مسلم" (11/ 10).

ومع تطور البشرية ابتكرت وسائل حديثة للقيام بعمليات المعاوضة بشكل عام ومبادلة العملات بشكل خاص، مما يتعذر فيها القيام بالقبض الحقيقي، فكان الملجأ أن يقام القبض الحكمي مقام الحقيقي؛ رفعاً للحرج والمشقة عن الناس، فالقبض الحكمي هو قبض اعتباري يقوم مقام القبض الحقيقي، وله شواهد من كلام الفقهاء المعتبرين منها: مسألة استبدال الدين بالثمن ومسألة تصارف ما في الذمة؛ قال الإمام النووي: "والجديد جواز الاستبدال عن الثمن، فإن استبدل موافقاً في علة الربا كدراهم عن دنانير اشترط قبض البدل في المجلس، والأصح أنه لا يشترط التعيين في العقد، وكذا القبض في المجلس إن استبدل ما لا يوافق في العلة كثوب عن دراهم" "منهاج الطالبين" (1/103).

والقبض الحكمي إنما يقوم مقام القبض الحقيقي إن توافر فيه شرطان:

الأول: أن يجري العرف التجاري العام والقوانين الدولية بقبول هذه الوسائل واعتبارها قبضاً تاماً، فيراعى في هذا الصدد الأعراف الاقتصادية والقانونية في عمليات القبض ما لم تتعارض مع قواعد الشرع؛ قال الإمام ابن قدامة رحمه الله: "ولأن القبض مطلق في الشرع، فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحراز والتفرق" "المغني لابن قدامة" (4/85)، ومن أمثلة ذلك الإيداع والقيد المصرفي والشيكات ذات الرصيد القابلة للسحب؛ جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي رقم (55/4/6): "من صور القبض الحكمي المعتبرة شرعاً وعرفاً: 1-القيد المصرفي لمبلغ من المال في حساب العميل في الحالات التالية:

(أ) إذا أودع في حساب العميل مبلغ من المال مباشرة أو بحوالة مصرفية.

(ب) إذا عقد العميل عقد صرف ناجز بينه وبين المصرف في حالة شراء عملة بعملة أخرى لحساب العميل.

(ج) إذا اقتطع المصرف -بأمر العميل-مبلغاً من حساب له إلى الحساب آخر بعملة أخرى، في المصرف نفسه أو غيره، لصالح العميل أو لمستفيد آخر، وعلى المصارف مراعاة قواعد عقد الصرف في الشريعة الإِسلامية، ويغتفر تأخير القيد المصرفي بالصورة التي يتمكن المستفيد بها من التسلم الفعلي للمُدد المتعارف عليها في أسواق التعامل، على أنه لا يجوز للمستفيد أن يتصرف في العملة خلال المدة المغتفرة، إلاَّ بعد أن يحصل أثر القيد المصرفي بإمكان التسلم الفعلي [أي أن التصرف لا يكون إلا بعد المدة المغتفرة، أما المبلغ فيدخل في حساب الطرفين مباشرة]. 2-تسلم الشيك إذا كان له رصيد قابل للسحب بالعملة المكتوب بها عند استيفائه وحجزه المصرف".

وينبغي التنبيه إلى أنه يؤخذ بالاعتبار في هذا الصدد اتساع مفهوم التجارة العالمية، وتوسع وسائل تبادل النقود في العصر الحديث، فصارت تشمل كل وسيط يتوصل به إلى تسهيل عملية تبادل السلع والخدمات بين الناس، كالحسابات الجارية وغيرها؛ قال الإمام مالك رحمه الله: "ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة" "المدونة" (3/5). أما الشيكات ذات الرصيد القابل للسحب فالكلام فيها لا يختلف عن النقود الورقية؛ فالنقود الورقية تستمد قيمتها لا من ذاتها كالذهب، بل من قيمتها الشرائية، فقبض الشيك هو قبض لمحتواه كقبض الأوراق النقدية.

الثاني: ألا تتعارض مع قواعد الشرع في قبض الأموال الربوية؛ فلا يجوز أن يكون القبض مؤجلاً أو ديناً، بل يجب أن يكون قبضاً ناجزاً.

وعليه، فعقود الصرف وتداول العملات يشترط تحقق القبض فيها، لكن لا يشترط في القبض التسليم باليد بل يكتفى في حالات "التداول الالكتروني" بالتحويل للحساب المصرفي [القيد المصرفي] أو غير ذلك مما يعده الشرع والعرف قبضاً ناجزاً لا آجلاً. والله تعالى أعلم.

المبحث الثالث: حكم إثبات الدعاوى والأيمان في باب الجنايات والأقضية عبر وسائل التواصل الاجتماعي:

الإثبات لغة: من ثبت ثباتا وثبوتا بمعنى استقر وأثبت حجته بمعنى أقامها وأوضحها(65).

أما الإثبات اصطلاحا: فهو إقامة الدليل على ما ادعاه(66).

وعرف بأنه إقامة الدليل أمام القضاء بالطرق التي حددها الفقه الإسلامي على حق أو واقعة تترتب عليها الأثار(67).

والدليل هو البرهان الذي يقدمه المدعي بالأوضاع المقررة، ليقنع القاضي بصحة دعواه، وهو من ألزم اللوازم، إذ لا يتصور أن يحكم القاضي له إلا عند إقناعه بأنه على حق، فكان الدليل ركن من أهم أركان الحكم(68).

هذا وقد صاحب التطور التكنولوجي في زماننا بظهور أنماط جديدة من الجرائم وذلك باستخدام التقنيات الحديثة وتحويلها لأدوات في ارتكاب الجرائم الإلكترونية فما معنى الجريمة الإلكترونية؟ وما هي خصائصها وكيف يمكن إثباتها وما هي الأدلة المستخدمة في الجرائم الإلكترونية وما مدى حجيتها وما موقف التشريعات الوضعية منها؟

أولا: معنى الجريمة الإلكترونية: هناك عدة تعريفات للجريمة الإلكترونية أذكر منها:

_  تعريف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية:" كل فعل أو امتناع من شأنه الاعتداء على الأموال المادية أو المعنوية يكون ناتجا بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عن تدخل التقنية المعلوماتية(69).

_ نشاط إجرامي تستخدم فيه تقنية الحاسب الآلي بطريقة مباشرة أو غير مباشرة كوسيلة أو هدف لتنقيد الفعل الإجرامي المقصود(70).

_ أي فعل يرتكب متضمنا استخدام الحاسب الآلي أو الشبكة المعلوماتية بالمخالفة لأحكام هذا النظام (71) أو هي أي فعل ينطوي على استخدام وسيلة تقنية المعلومات أو نظام معلوماتي أو الشبكة المعلوماتية، بطريقة غير مشروعة بما يخالف أحكام القانون(72).

ثانيا: خصائص الجرائم الإلكترونية(73):

1_خطورة الجريمة الإلكترونية: فهي تمس حياة الناس الخاصة، كما تؤثر على أمن المؤسسات العامة للدولة حيث تستهدف الجريمة الإلكترونية استقرار الدولة السياسي أو الاقتصادي وذلك بتسريب بيانات هامة أو تخريب أنظمة تشغيل المعلومات الخاصة بها أو التحريض ضد أمنها القومي، كما قد تمس الجريمة الإلكترونية المؤسسات الخاصة كالبنوك والمصارف وغيرها، كل هذا يجعل الجريمة الإلكترونية أشد ضررا وخطورة.

2_ عالمية الجريمة الإلكترونية: فهي جرائم عابرة للحدود لم تعد جرائم داخلية فحسب بل تجاوزت الدول والقارات، وذلك بسبب انتشار شبكة الاتصالات العالمية ووجود أجهزة الحواسيب في مختلف دول العالم، وارتباطها بهذه الشبكة.

3_صعوبة إثباتها: فهي تتميز بالسرعة الفائقة في ارتكابها فتحدث عبر نبضات إلكترونية مما يصعب التخطيط لمواجهتها، وتشكل عقبة أمام اكتشافها ومعرفة مرتكبيها وتعقب أثارها الأمر الذي يحتاج إلى خبرة فنية عالية فيمن يحقق في إثباتها، لأنها تعتمد على ذكاء مرتكبها ومعرفته الكبيرة بالتقنيات المعلوماتية الحديثة وقدرته على الخداع والتضليل.

4_الجريمة الإلكترونية يطلق عليها الجريمة الناعمة فهي لا تعتمد على العنف فمثلا سرقة الأرصدة النقدية من البنوك عن طريق الحاسوب لا تواجه العوائق المادية التقليدية ككسر الأبواب، واستخدام السلاح، بل يكفي المعرفة الكبيرة بالحاسب الآلي، والدخول غير المشروع على شبكة معلومات البنك وتحويل أرصدة مالية من حساب العملاء إلى حسابهم الشخصي أو أي حساب أخر. 

ثالثا: كيف يمكن إثبات الجريمة الإلكترونية وما هي الأدلة المستخدمة فيها:

مما لا شك فيه أن إثبات الجريمة الإلكترونية، تحتاج إلى تحقيق فعال وقدرة فائقة على جمع الأدلة وفرق عمل متخصصة للتعامل مع كافة الأدلة الرقمية لجمعها وفحصها وفرزها وصولا إلى الإثبات الإلكتروني للجريمة ولذا فإن التحقيق الإلكتروني يمر بمرحلتين(74):

المرحلة الأولى: وتتعلق بالإجراءات التي يتم تنفيذها في مسرح الجريمة مثل إغلاق مسرح الجريمة لمنع فقد أو تلف، أو تلويث الأدلة والحفاظ عليه وتأمينه من العبث فيه.

المرحلة الثانية: حيث يتم فيها توثيق حالة مسرح الجريمة وحالة الكمبيوتر، وتحديد هوية جهاز الكمبيوتر الذي عثر عليه في مسرح الجريمة وتصوير مسرح الجريمة وتحديد هوية وتوثيق أجهزة التخزين وحفظ الأدلة والموارد الرقمية والوثائق المطبوعة وكافة الأجهزة الموجودة في مسرح الجريمة، واسترجاع الوثائق العالقة والملغاة أو التي تم مسحها، ونقل الأدلة التي تم ضبطها والتي يمكن تقسيمها إلى ما يلي(75):

- أدلة مادية: وهي أدلة تنبعث من عناصر مادية ناطقة بنفسها وتؤثر في اقتناع القاضي بحكم العقل والمنطق ويمثل مصدرها في المعاينة والتفتيش وضبط الأشياء.

_ أدلة قولية: وهي التي تنبعث من عناصر شخصية تتمثل فيما يصدر من الغير من أقوال وتؤثر في اقتناع القاضي بطريق غير مباشر من خلال تأكده من صدق هذه الأقوال.

_ أدلة فنية: وهي الأدلة التي تكون نتاج الفحص الذي يجريه أهل الخبرة وفرق العمل المتخصصة.

رابعا: مدى حجيتها في الإثبات:

قبل أن نتناول الحديث عن حكم إثبات الدعاوى والأيمان في باب الجنايات والأقضية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لا بد من مراجعة وبيان أقوال الفقهاء في بيان وسائل الإثبات في الشريعة الإسلامية بصورة مجملة حيث اختلفوا في ذلك على قولين:

القول الأول: أن وسائل الإثبات محصورة فيما فيه نص شرعي صراحة أو استنباطا كالشهادة واليمين والإقرار والكتابة وبه قال جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة (76) واستدلوا على ذلك بما يلي:

 1_ قوله تعالى: "وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ ۖ فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَىٰ ۚ .... ۗ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ" [البقرة: 282].

2_وقوله صلى الله عليه وسلم: "اليمين على المدعى عليه"(77).

 القول الثاني: أن وسائل الإثبات غير محصورة في عدد معين من وسائل الإثبات؛ بل تشمل كل ما يبين الحق ويظهره، وبه قال شيخ الإسلام ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم رحمهما الله. وقد استدلوا على ذلك بحديث النبي صلى الله عليه وسلم:" البينة على المدعي"(78) وجه الدلالة أن البينة هي اسم لكل ما يبين به الحق ويظهره.

ولعل المتأمل في القولين السابقين ومن خلال التطبيقات الفقهية لكل منهما يلحظ أن الخلاف بينهما خلاف لفظي ذلك أن الجمهور لا يمنعون الأخذ بأي وسيلة ثبت بها الحق كونها تندرج تحت الوسائل العامة المحصورة في وسائل الإثبات لا أنها وسيلة مستقلة بذاتها بينما أصحاب الرأي الثاني يعتبرونها وسيلة مستقلة بذاتها ، وعلى أي حال فإنه يمكن القول بأن وسائل الإثبات ليست تعبدية ولكنها قابلة للتعليل وأن العلة فيها إظهار الحق وإثباته بأي وسيلة تظهر الحق وتكشف الواقع  فيصح الاعتماد عليها في الحكم والقضاء(79)، في الحقوق المالية لما يترتب على إهمالها وعدم الأخذ بها ضياع لتلك الحقوق(80) خاصة في هذا الزمان الذي تطور فيه العلم  ونتج عنه تطور في وسائل الإثبات بالقرائن والأمارات كالبصمة الوراثية والتسجيل الصوتي والمحررات والدليل الرقمي(وهو الدليل المأخوذ من أجهزة الحاسب الآلي في شكل مجالات ونبضات مغناطيسيها كهربائية ممكن تجميعها وتحليلها باستخدام برامج وتطبيقات وتكنولوجية خاصة(81)، وغيرها من وسائل الإثبات المعاصرة (كالفحوصات المخبرية والشعاعية وتقرير الطبيب الشرعي، وفحص الدم، والإثبات بالشعر والصور الفوتوغرافية وغيرها(82)  والتي تناولها مجمع الفقه الإسلامي الدولي والذي جاء فيه:

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آلة وصحبه أجمعين.

قرار رقم: 194 (20/9) بشأن الإثبات بالقرائن والأمارات (المستجدات)

إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره العشرين بوهران (الجمهورية الجزائريــة الديمقراطية الشعبية) خلال الفترة من 26 شوال إلى 2 من ذي القعدة 1433هـ، الموافق 13-18 سبتمبر (أيلول) 2012م.

بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى أمانة المجمع في موضوع الإثبات بالقرائن والأمارات (المستجدات)، وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله.

قرر ما يأتي: أولًا: تعريف القرينة: أمر ظاهر يُستفاد منه في معرفة أمر مجهول.

ثانيًا: أنواع القرائن: إن للقرينة مفهومًا واسعًا يستوعب أنواعًا متعددة باعتبارات مختلفة، وقد استجدت قرائن كثيرة تبعًا لتطور الحياة العلمية كالبصمة بأنواعها المختلفة، والتصوير، والتسجيل الصوتي، والتوقيع الإلكتروني، والرسائل الإلكترونية ونحوها.

ثالثًا: العمل بالقرائن: الأصل ألا يُقضى إلا بحجة شرعية تبين الحق من إقرار، أو شهادة، أو يمين، فإن لم يوجد شيء من ذلك جاز العمل بالقرائن القطعية؛ نصية كانت أو قضائية، وعلى ذلك:

(1) يجوز الاعتماد على القرائن القطعية المستجدة في إثبات الحقوق المالية والجرائم المختلفة ما عدا الحدود والقصاص.

(2) يجوز الاعتماد على القرائن في إثبات العقود ما لم يرد عليها ما يبطلها.

(3) يستأنس بالقرائن غير القطعية لإثبات الحقوق ونحوها إذا وجدت دلائل أخرى يطمئن إليها القضاء.

رابعًا: البصمة الوراثية: البصمة الوراثية من الناحية العلمية وسيلة لا تكاد تخطئ في التحقق من الوالدية البيولوجية، والتحقق من الشخصية ولا سيما في مجال الطب الشرعي، وهي ترقى إلى مستوى القرائن القوية التي يأخذ بها أكثر الفقهاء في غير قضايا الحدود الشرعية، وتمثل تطورًا عصريًا ضخمًا في مجال القيافة الذي تعتد به جمهرة المذاهب الفقهية في إثبات النسب المتنازع فيه، على أن تؤخذ هذه القرينة من عدة مختبرات.

ويمكن الاستئناس بالبصمة الوراثية في مجال إثبات النسب، فيما يؤخذ فيه بالقافة من باب أولى، في الحالات التالية:

(1) حالات التنازع على مجهول النسب بمختلف صور التنازع التي ذكرها الفقهاء.

(2) حالات الاشتباه في المواليد في المستشفيات ومراكز رعاية المواليد والأطفال ونحوها، وكذا الاشتباه في أطفال الأنابيب.

(3) حالات ضياع الأطفال واختلاطهم بسبب الحوادث والكوارث وتعذر معرفة أهليهم، وكذا عند وجود جثث لم يتمكن من معرفة هويتها بسبب الحروب أو غيرها.

خامسًا: لا يجوز الاعتماد على البصمة الوراثية في نفي النسب، ولا تقدم على اللعان.

من خلال ما سبق يتضح للباحث أن وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة يمكن أن يؤخذ بها كقرينة قوية إذا انتفت شبهات التزوير والتظليل وفق ما يقرره أهل الاختصاص في إثبات الجرائم؛ لأن أي وسيلة تثبت الحق وتظهره فهي وسيلة معتبرة شرعا في إثبات الحقوق فيما عدا الحدود والقصاص؛ لأن الشرع جعل الأصل فيها أنها تدرأ بالشبهات؛ وهذه الوسائل الحديثة لا تخلو من شبهة.

خامسا: موقف التشريعات الوضعية منها:

نظرا لخطورة الجرائم الإلكترونية وانتشارها وتجاوزها للحدود وعبورها للقارات وتهدديها لأمن الدول والأفراد على حد سواء؛ فقد حرصت الدول والأنظمة على وضع التشريعات والقوانين التي تضبط استعمال وسائل التواصل الاجتماعي وتحد من ظاهرة انتشار الجريمة الإلكترونية في المجتمع، وترتب عقوبات رادعة لكل من تسول له نفسه استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للإضرار في حقوق الأخرين ومن هنا فقد صدرت عدة تشريعات وقوانين في معظم الدول للحد من ظاهرة انتشار الجرائم الإلكترونية ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر  فقد صدر في المملكة الأردنية الهاشمية قانونا يسمى قانون الجرائم الإلكترونية لسنة 2015  كما صدر نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية السعودي ، الصادر بالمرسوم الملكي (م/17) بتاريخ 8/3/1428ه الموافق 27/3/2007م، وأيضا قانون مكافحة الجرائم الإلكتروني القطري رقم 14لسنة 2014 بتاريخ 15/9/2014 ونشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 2/10/  2014 وغيرها.

المبحث الرابع: وقوع البيعة في باب الأمام والولاية العامة عبر وسائل الاجتماعي:

البيعة الشرعية لولي الأمر المسلم لها أهميتها العظمى في ديننا ، وهي العهد على السمع والطاعة في غير معصية ، وهي من الأمور الواجبة على المسلم ، و متعينة في عنقه ، فبها تنتظم مصالح العباد والبلاد، ويحصل الأمن والاستقرار والاجتماع بين أفراد المجتمع، فعَنْ عُبَادَةَ بنِ الصَّامِتِ -رَضِيَ اللهُ عنهُ- قَالَ: «دعانا رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم-، فبايعناه، فكان فيما أخذ علينا: أنْ بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله» قَالَ: (إلا أن تَرَوا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان"(83).

ولهذا كان تنصيب الإمام فريضة في الإسلام لما يترتب عليه من المصالح العظيمة، فإن الناس لا يصلحون بدون إمام يقودهم وينظر في مصالحهم ويدفع المضار عنهم، كما قال الشاعر:

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم           ولا سراة إذا جهالهم سادوا

ولهذا لما توفي الرسول صلى الله عليه وسلم بادر الصحابة بتنصيب إمام لهم قبل أن ينشغلوا بدفن الرسول -صلى الله عليه وسلم -لعلمهم بضرورة هذا الأمر وأنه لا يصلح وقت ولو يسيراً إلا وقد تنصب الإمام للمسلمين(84).

ومما يؤكد أهمية البيعة الشرعية تحريم خلعها ونقضها، لقول النبي صَلَّى اللهُ عليهِ وَسَلَّم: (من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)(85).

وبالرجوع إلى صور البيعة التي تمت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم نجد أن البيعة كانت تتم بالمصافحة بالأيدي والتلفظ بها كما حصل في بيعة الرضوان عندما بايع الصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم وكان الصحابي أبو سنان الأسدي أوّل من بايع النبيّ -صلّى الله عليه وسلّم-، قائلاً: "ابسط يدك أبايعك"، فبايعه على نفسه في سبيل الله تعالى(86)، وسار الناس بعده يُبايعون النبيّ على بيعته ، وقد تكون البيعة بالكلام فقط كما هي الحال في مبايعة النساء للنبي صلى الله عليه وسلم قالت عائشة رضى الله عنها كما في صحيح البخاري: وما مست يد رسول الله صلى الله عليه وسلم يد امرأة إلا امرأة يملكها(87).

وقد تكون بالكتابة كمبايعة النجاشي للنبي صلى الله عليه وسلم حيث كتب إليه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله من النجاشي سلام عليك يا نبي الله من الله ورحمة الله وبركاته، فقد بلغني كتابك يا رسول الله، فيما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين(88).

وقبل أن نبين الحكم الشرعي لانعقاد البيعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لا بد من الاجابة على السؤال التالي: هل البيعة يطالب بها جميع الرعية أم يكفي مبايعة الإمام من قبل أهل الحل والعقد؟

قال النووي رحمه الله في شرح صحيح مسلم: "أَمَّا الْبَيْعَة: فَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لا يُشْتَرَط لِصِحَّتِهَا مُبَايَعَة كُلّ النَّاس، وَلا كُلّ أَهْل الْحَلّ وَالْعِقْد، وَإِنَّمَا يُشْتَرَط مُبَايَعَة مَنْ تَيَسَّرَ إِجْمَاعهمْ مِنْ الْعُلَمَاء وَالرُّؤَسَاء وَوُجُوه النَّاس،.. وَلا يَجِب عَلَى كُلّ وَاحِد أَنْ يَأْتِيَ إِلَى الأَمَام فَيَضَع يَده فِي يَده وَيُبَايِعهُ، وَإِنَّمَا يَلْزَمهُ الانْقِيَادُ لَهُ، وَأَلا يُظْهِر خِلافًا، وَلا يَشُقّ الْعَصَا"(89).

وجاء في فتح الباري: يَكْفِي فِي بَيْعَةِ الإِمَامِ أَنْ يَقَع مِنْ أَهْل الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَلا يَجِب الاسْتِيعَاب، وَلا يَلْزَم كُلّ أَحَدٍ أَنْ يَحْضُرَ عِنْدَهُ وَيَضَع يَدَهُ فِي يَدِهِ، بَلْ يَكْفِي اِلْتِزَامُ طَاعَتِهِ وَالانْقِيَادُ لَهُ بِأَنْ لا يُخَالِفَهُ وَلا يَشُقَّ الْعَصَا عَلَيْهِ(90).

 يتضح مما سبق أنه لا يلزم الجميع الحضور لمبايعة الإمام بل يكفي من وجد من أهل الحل والعقد وأن الواجب على جميع الرعية الإقرار ببيعة ولي الأمر واعتقادها، والسمع والطاعة له بِالْمَعْرُوفِ: قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ) [النساء: 59]. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره إلا أن يؤمر بمعصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)(91).

وبناء على ما سبق فإن البيعة تنعقد للإمام وصاحب الولاية العامة عبر وسائل التواصل الاجتماعي لأنه لا يشترط الحضور شخصيا من قبل جميع الرعية كما قرر العلماء ذلك، بل يكفي من حضر من أهل الحل والعقد، ولذا فإنها تصح بالتعبير عنها قولا أو كتابة، أو إقرارا بالسمع والطاعة بالمعروف لولي الأمر، أو سكوتا بالرضا والانقياد له وعدم الخروج عن طاعته.

الفصل الثالث

الأحكام الشرعية المتعلقة بوسائل التواصل الاجتماعي من حيث نقل المعلومات الكاذبة والمنكرات وأهم ضوابط استخدامها

وفيها المباحث التالية:

المبحث الأول: حكم نقل المعلومات الكاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

المبحث الثاني: حكم نقل المنكرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

المبحث الثالث: أهم الضوابط الشرعية في استخدام مواقع التواص الاجتماعي.

وفيما يلي بيان ذلك:

المبحث الأول: حكم نقل المعلومات الكاذبة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

لقد حرصت الشريعة الإسلامية على بناء المجتمع الإسلامي بناء صحيحا متماسكا؛ فأوجبت على أفراده الصدق في القول، وحذرت من إلقاء الكلام على عواهنه دون علم وتثبت، فقال تعالى: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) [النور:15]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع)(92).

كما أوجب ديننا علينا التثبت من الأخبار قبل نقلها أو الترويج لها حتى نستبين الحق، ونقف على حقيقة الأمر وهذا ما أمرَنا به ربنا فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: 6].

قال ابن كثير رحمه الله في تفسير هذه الآية: "يَأمر تعالى بالتَّثبُّت من خبر الفاسق؛ ليَحتاط له؛ لئلاَّ يحكم بقوله فيكون في نفس الأمر كاذبًا أو مخطئًا، وقد نهى الله عن اتباع سبيل المفسدين"(93).

كما أمرنا ربنا عز وجل بعدم إشاعة الأخبار أو نقلها قبل التثبت منها وردها إلى أهلها أو أصحاب الاختصاص ممن يعرف صدقها من كذبها، ومن ذلك قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء: 83].

يقول الشيخ عبد الرحمن السعدي في تفسيره "تيسير الكريم الرحمن" (94): "هذا تأديبٌ من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق، وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمرٌ من الأمور المهمة والمصالح العامة ممَّا يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو الخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبَّتوا، ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردُّونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإلى أُولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم، والنُّصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور، ويعرفون المصالح وضدها".

ولذا حرم ربنا عز وجل ترويج الشائعات ونشرها والأقاويل الكاذبة لما لها من دور خطير في زعزعة أمن الناس واستقرارهم؛ فهي تثير القلاقل والفتن، التي تفرِّق بين المسلمين، وتوقد نار الشحناء والبغضاء بينهم، وتعمل على نشر الأكاذيب والترويج للباطل؛ فتقلب الأمور، وتبدِّل الأحوال، والسبب أن الناس يَنقُلون الكلام دون تثبُّت من صحته، ويظنُّون أن هذا الأمر هين، ولكنه عند الله عظيم "وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ".

فالواجب على المسلم إذن أن يحفظ لسانه من الكلام الذي لا فائدة فيه، فمن كان يؤمن بالله واليوم الأخر فليقل خيرا أو ليصمت وليحذر من نقل الإشاعات بكافة أنواعها وأشكالها المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي سواء كانت تتعلق بالأفراد أو تتعلق بالأمَّة، ويحرُمُ على من وصَلتْه مثلُ هذه الرسائل والإشاعات إعادةُ إرسالها، بل الواجب عليه ردها إلى مصادرها الأصلية والجهات المختصة التي تعرف صدقها من كذبها.

وهذا ما أكدته دائرة الإفتاء الأردنية في الفتوى رقم (3078) تاريخ 24/5/2015 إجابة على سؤال ما حكم نشر الإشاعات عبر وسائل الاتصال الحديثة (الوتساب، الفيسبوك، وغيرها)؟

الجواب الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله:

مواقع التواصل الاجتماعي المتنوعة نوافذ مفتوحة بين البشر، أذابت كثيراً من الفروقات بينهم، وهدمت كثيرا من الحواجز، وهذا في جانب من جوانبه منسجم مع الفطرة الإنسانية، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات/ 13].

ومن جانب آخر؛ فقد يُساء استخدام هذه المواقع الاجتماعية، بحيث تصير سبباً في الفساد، والإشاعات المغرضة، واغتيال الشخصيات، والطعن في الأعراض، والوقوع في الآثام.

وكذلك إشاعة الفحش والكذب على هذه المواقع، فهو أمر محرم شرعاً، ترفضه العقول السليمة والفطر المستقيمة، قال الله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [النور/19]، وهذا الوعيد لمن أحب أن تشيع الفاحشة بين المسلمين فكيف بمن يعمل على نشر الشائعات؟!

ونشر الشائعات التي يبثها من لا يهتم بأمر المجتمع وأمنه لا يجوز، بل إن القرآن وضح لنا أن إذاعة الشائعات هو دأب المنافقين، وبين لنا واجبنا عند تلقيها، وعلّمنا كيفية التعامل معها، وحذرنا من اتباع خطوات الشيطان، قال الله تعالى: (وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا) [النساء/ 83].

وكذلك فإن نشر الإشاعات الكاذبة من جملة الكذب، وهو محرم شرعاً، بل كبيرة من الكبائر، وقد قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) [التوبة/119]، والرد على من يسب ويكذب يجب أن يكون بالحكمة والموعظة الحسنة.

فعلى المسلم -أياً كان موقعه -أن يتثبت ويتبين، فالمسلم كيّس فطن، وقد روى الإمام أبو داود في سننه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (كَفَى بِالْمَرْءِ إِثْمًا أَنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ). والله تعالى أعلم".

وهذا ما أكدته أيضا دار الإفتاء المصرية في إجابتها على سؤال: انتشر في السنوات الأخيرة ترويج الشائعات فما حكمها وما الإجراءات التي وضعتها الشريعة الإسلامية للتصدَّي لمثل هذه الشائعات؟

وجاء في إجابه الدار، لقد قام الإسلامُ في سبيل التَّصَدِّي لنشر الشائعات بتجفيف منابعها؛ حيث ألزم الشرعُ أتباعه بالتَّثَبُّت من الأخبار قبل بناء الأحكام عليها؛ فقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [الحجرات: 6]، وهذا هو الأساس العام للتصدي للشائعات.

وقد بيَّن الشرعُ الشريفُ سِمَات المعالجة الحكيمة عند وصول خبرٍ غير موثوقٍ منه، وذلك في سياق الحديث عن حادثة الإفك؛ فيقول تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۞ لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ ۞ لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ ۞ وَلَوْلَا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ۞ إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللهِ عَظِيمٌ ۞ وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ۞ يَعِظُكُمُ اللهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ۞ وَيُبَيِّنُ اللهُ لَكُمُ الْآيَاتِ وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) [النور: 11-18].

فأُولى خطوات السلوك القويم إذا راجت شائعةٌ ما خطيرةٌ: حسنُ الظن بالغير الذي تتعلق به هذه الشائعة.
وثانيها: التحقق ومطالبة مروجي الشائعة بأدلتهم عليها والسؤال عمّن شهدها.

وثالثها: عدم تلقي الشائعة بالألسن وتناقلها.

ورابعها: عدم الخوض فيما لا عِلم للإنسان به ولم يقم عليه دليلٌ صحيح.

وخامسها: عدم التهاون والتساهل في أمر الشائعة، بل اعتبارها أمرًا عظيمًا؛ لما فيها من الوقوع في أعراض الناس وإثارة الفتن والإرجاف في الأرض.

وسادسها: تنزيهُ السمع عن مجرد الاستماع إلى ما يُسِيء إلى الغير، واستنكارُ التلفظ به؛ كما أرشدنا المولى تبارك وتعالى بقوله: (وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ) [النور: 16].

يقول شيخ الأزهر الراحل فضيلة الأستاذ الدكتور محمد سيد طنطاوي في "التفسير الوسيط"(95) عند تفسير هذه الآية الكريمة: وهكذا يؤدب اللهُ تعالى عبادَه المؤمنين بالأدب السامي؛ حيث يأمرهم في مثل هذه الأحوال أن ينزّهوا أسماعهم عن مجرد الاستماع إلى ما يسيء إلى المؤمنين، وأن يتحرجوا من مجرد النطق بمثل حديث الإفك، وأن يستنكروا ذلك على من يتلفظ به.

المبحث الثاني: حكم نقل المنكرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي وفيه المطالب التالية:

المطلب الأول: نقل المنكرات بهدف إشاعتها ونشرها.

المطلب الثاني: نقل المنكرات بهدف إنكارها.

وفيما يلي بيان ذلك:

المطلب الأول: نقل المنكرات بهدف إشاعتها ونشرها.

لقد تقرر في المبحث السابق حرمة نقل المعلومات والإشاعات الكاذبة لما لها من خطر عظيم على الفرد والمجتمع، ومما لا شك فيه أن نقل المنكرات بهدف إشاعتها ونشرها أشد حرمة وأعظم خطرا خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي الحديثة وذلك لسرعة انتشارها وإطلاع معظم الناس عليها وهذ ما حذرنا منه ربنا بقولة: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النور:19]. 

وجه الدلالة من الآية الكريمة: لما حذر الله المؤمنين من العود إلى مثل ما خاضوا به من الإفك على جميع أزمنة المستقبل أعقب تحذيرهم بالوعيد على ما عسى أن يصدر منهم في المستقبل بالوعيد على محبة شيوع الفاحشة في المؤمنين وجعل الوعيد على المحبة لشيوع الفاحشة في المؤمنين تنبيها على أن محبة ذلك تستحق العقوبة، لأن محبة ذلك دالة على خبث النية نحو المؤمنين، ومن شأن تلك الطوية ألا يلبث صاحبها إلا يسيراً حتى يصدر عنه ما هو محب له، أو يسر بصدور ذلك من غيره، فالمحبة هنا كناية عن التهيؤ لإبراز ما يحب وقوعه.

ومن أدب هذه الآية أن شأن المؤمن أن لا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب لنفسه، فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خبر سوء، كذلك عليه أن لا يحب إشاعة السوء عن إخوانه المؤمنين، فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر وخف وقع خبرها على الأسماع، فدب بذلك إلى النفوس التهاون بوقوعها وخفة وقعها على الأسماع فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تقدم على اقترافها، وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر الحديث عنها تصير متداولة هذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من لحاق الأذى والضرر بالناس ضرراً متفاوت المقدار على تفاوت الأخبار في الصدق والكذب ولهذا ذيل هذا الأدب الجليل بقوله: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ). أي يعلم ما في ذلك من المفاسد فيعظكم لتجتنبوا، وأنتم لا تعلمون فتحسبون التحدث بذلك لا يترتب عليه ضر. وهذا كقوله: (وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ)(96).

وهذا ما حذر منه النبي صلى الله عليه وسلم:" إذا عملت الخطيئة في الأرض كان من شهدها فكرهها وأنكرها كمن غاب عنها، ومن غاب عنها فرضيها كان كمن شهدها"(97) وجه الدلالة من هذا الحديث الشريف: أنه إذا وقعت الفاحشة أو المعصية في مكان معين كان من رآها فأنكرها أو كرهها وقال: اللهم إن هذا منكر لا أرضاه، وغض بصره عنها ولم ينشرها، من فعل هذا كان حقيقة كمن غاب عنها، ولكن في المقابل من غاب عن الفاحشة ولكنها وصلت إلى سمعه وبصره فرضي بها وأعجبه أمرها ونقلها ونشرها فرحا وسرورا بها، كان حقيقة كمن شهدها ابتداء.

والمسلم مطالب بالستر وعدم نقل الفاحشة والمنكر وقد قال عليه الصلاة والسلام: (من ستر مسلما ستره الله يوم القيامة)(98)، فالأصل في المسلم الستر وعدم الجهر المعصية ومن باب أولى عدم نشرها، وأنه إذا رأى منكرا ستره وأخفاه وأماته، ولا ينشره ولا ينقله إلى غيره.

ثم إن نقل الفاحشة ونشرها بين الناس يعد ضربا من ضروب الإفساد في الأرض: (وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) [القصص:77]. ونشر المنكرات والفواحش عبر وسائل التواصل الاجتماعي من الفساد في الأرض الذي نهينا عنه في هذه الآية لأن الله لا يحب الفساد في الأرض.

ثم إن الله عز وجل توعد من حضر المنكر ولم ينكره بالعذاب في نار جهنم فقال تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّىٰ يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ ۚ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا) [النساء: 140].

وهذا ما أكدته دائرة الإفتاء المصرية في جوابها حول نشر خصوصيات الناس على السوشيال ميديا، وهل هذا حلال أم حرام، فأجابت :أن احترامُ خصوصياتِ الآخرين واجبٌ شرعيٌ وأخلاقيٌ، ومِن مظاهر احترامِ خصوصية الآخرين: عدم نَشْر المقاطع المُصوَّرة أو المسموعة عن تفاصيل حياتهم وما يصنعونه -سواء كان هذا الصَّنيع مُبَاحًا أو لا-، فالشرع الشريف نَهَى عن نَشْر وإشاعة ما يُعيَّب به المرء؛ لأنَّ فيه تتبُّعًا للعورات، قال النبي صلى الله عليه وآلة وسلم: (يا معشر مَن آمن بلسانه ولم يَدخُل الإيمان قلبه، لا تغتابوا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتِهم، فإنَّه مَن اتبع عوراتهم يتبع الله عورته، ومَن يتبع الله عورته يَفْضَحه في بيته)(99)، وأن منهجُ الإسلام في ذلك هو الستر والاستتار، كما جاء بذلك الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وآلة وسلم: (من سَتَر مسلمًا سترَهُ اللَّهُ في الدُّنيا والآخرةِ)(100)، وأشارت إلى أن الشرع الشريف إِذْ حَثَّ على احترام خصوصيات الآخرين وعدم التَّدخُّل في شؤونهم؛ فإنَّه في نَفْس الوقت نَهَى عن إشاعة الفاحشة في المجتمع، وجَعَلها جريمة تستوجب العقاب فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) [النور: 19].

المطلب الثاني: نقل المنكرات بهدف إنكارها.

لقد تقرر في المبحث السابق أنه يحرم نقل المنكرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف نشرها وأشاعتها ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هل يجوز نقل المنكرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي بهدف إنكارها والتحذير منها؟

مما لا شك فيه  أن نشر المنكرات عبر وسائل التواصل الاجتماعي محرم شرعا لما سبق من أدلة شرعية ولو كان الهدف من نشرها الإنكار على أهلها؛ لأن الله  عز وجل لم يجعل المعصية طريقا للطاعة وليس هذا من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، كما أنه ليس من باب التعاون على البر والتقوى كما يظن من ينشر هذه المنكرات، وإنما هي والعياذ بالله من تلبيس إبليس عليه؛ لأنها في الحقيقة إشاعة للفاحشة في المجتمع وترويج للمنكر ولذا توعد الله عز وجل من يسعى لنشر المعاصي وإفشاء أخبارها في المجتمع بالعذاب الأليم في الدنيا والأخرة  حتى يبقى المجتمع نظيفا مصانا عن الفواحش والمنكرات: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) [النور:19[، جاء في تفسير هذه الآية الكريمة: "أن من حدث ما أبصرته عيناه وسمعته أذناه ، فهو من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا(101)، ومن سمع الفاحشة فأفشاها فهو فيها كالذي أبدها(102).

فمن ظن أن من طرق إنكار المنكر نشر المقاطع التي تُصوَّر فيها بعض المنكرات أو بعض الحوادث التي تخل بالأمن بشكل عارض، ويظن أنه بهذا العمل قد أحسن، وهو في الحقيقة قد أساء وظلم وذلك للأسباب التالية:

1_ أن من مقاصد الشريعة الإسلامية الستر فمن وقع في شيء من المنكرات فالواجب عليه أن يستر على نفسه، ولا يخبر بها أحدًا؛ (103)؛ لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (... أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ آنَ لَكُمْ أَنْ تَنْتَهُوا عَنْ حُدُودِ اللَّهِ، مَنْ أَصَابَ مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ، فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِي لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ عَلَيْهِ كِتَابَ اللَّهِ)(104).

2_ لقد دعانا الشارع الحكيم إلى التجاوز عن العورات والستر على أصحاب المعاصي والسيئات، وجعل ذلك من الأخلاقيات الطيبة التي ينبغي أن يتحلى بها المسلم، فالله تعالى لا يحب أن يجاهر الإنسان بكلام السوء ولا بإشاعة السوء، قال تعالى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا) [النساء: 148، 149]، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلاَ تَحَسَّسُوا، وَلاَ تَجَسَّسُوا، وَلاَ تَحَاسَدُوا، وَلاَ تَدَابَرُوا، وَلاَ تَبَاغَضُوا، وَكُونُوا عِبَادَ اللهِ إِخْوَانًا)(105)، فستر الذنوب والمعاصي ليس خاصا بمن وقع فيها، بل بمن شاهدها، فهو مأمور بسترها وعدم إشاعتها في المجتمع؛ لما في ذلك من إفساد عظيم. ولذا لا تذكر الشر فيندثر واذكر الخير فينتشر.

3_أن تعرض المرء للمنكرات المخفية عنه بلاء وشر عظيم، فإنه لا يسلم قلبه من شر فتنة شبهة تعرض له في دينه، أو شهوة تفسد عليه قلبه وهما رأس ماله في الدنيا قال شيح الإسلام رحمه الله: "وقد تحصل للعبد فتنة بنظر منهي عنه، وهو يظن أنه نظر عبر"(106).

4_ ثم  إن التكتم على المنكرات، وعدم إظهارها، فيه صيانة للمجتمع أن يعتاد رؤيتها، أو يتأثر بها؛ لأن إشاعة الجريمة في المجتمع دافع إلى استمرائها، واستسهال الوقوع فيها، ومحرض إلى النظر بنظرة سوء، ولربما وقع المنكر في مكان ما، فساهمت هذه المواقع في انتشاره، وتناقله الصغار والكبار، فيجعل النفرة منه أقل واستسهاله أقرب، فإن كثرة المساس تفقد الإحساس، والعين أعظم الجوارح أفة على القلب، وهي تفعل في القلب مثلما يفعل السهم بالصيد، فإن لم تقتله جرحته(107)، ولذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم عليا  رضي الله عنه بقولة: (يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى وليست لك الآخرة)(108).

5_أن نشر المنكرات عبر مواقع التواصل الاجتماعي بقصد التحذير منها مخالف لمقاصد الشريعة التي من أعظمها: تحقيق مصالح العباد، ودرء كل مفسدة تضرُّ بهم، ومن المصالح التي شهد لها الشرع: اعتبار مآلات التصرفات والحكم على الفعل بالنظر إلى نتائجه التي تنتهي إليه.
وقد شرع الله الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر للحفاظ على الضروريات الخمس: الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال. ومن ذلك نشر الفضيلة في المجتمع، وتكثيرها، ووأد الرذيلة وعدم إظهارها ليسلم المجتمع من شرها.

إذا تقرر ما سبق فهذا لا يعني بحال أن نترك باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فهذا علم له قواعده وأساليبه المقررة شرعا، وإنما يجب إنكار هذه المنكرات المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي بالتحذير منها وبيان حرمتها وتحصين الشباب من مخاطرها، دون أن نعيد نشرها لأن هذا مِن الإفساد باسم الإصلاح والواجب الإنكار بالكلام، بأن نقول حصل كذا وكذا، أو ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا مع بيان الحكم الشرعي فيما صدر من قول أو فعل دون إعادة نشره مرة أخرى  أما أن تُنقل الفواحش وتُروج الصور والمنكرات  فهذا ترويجٌ لمشاهد الإثم والفجور وهذا منكرا  لا يقره عقل ولا دين.

المبحث الثالث: أهم الضوابط الشرعية في استخدام مواقع التواص الاجتماعي.

لقد تقرر سابقا أن وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة يمكن استخدامها بالخير كما يمكن استخدامها في الشر، وعليه فإن التعامل مع شبكات التواصل الاجتماعي يجب أن ينضبط بضوابط الشرع الحنيف التي تضبط تعامل المسلم مع هذا الفضاء الرحب الذي دخل كل بيت من البيوت في مختلف أنحاء العالم وعكف عليها الناس لساعات طويلة حتى أصبحت شغلهم الشاغل، فما هي الآداب والضوابط التي يجب على من يرتاد هذه المواقع التحلي بها ليتمّ استثمارها في مجالات الخير والصلاح وتماسك الأسرة والأمة والحفاظ على أمنها واستقرارها والتي أذكر منها(109):

1_النيَّة الحسنة التي تنشر الخير، وتحقق المصلحة، لا التشويش عليه، وضياع الأوقات قال تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا) [النساء: 114].

2_الشعور بأمانة الكلمة واستحضار مراقبة الله تعالى في السر والعلن عند النشر، والتغريد، لأن الكتابة مسؤولية وأمانة، يقولُ الرسول صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَرْفَعُهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَاتٍ، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ لا يُلْقِي لَهَا بَالا يَهْوِي بِهَا فِي جَهَنَّم)(110):    وما من كاتب إلا سيفنى ويبقى الدهر ما كتبت يداه  

                   فلا تكتب بخطك غير شيء يسرك يوم القيامة أن تراه

3_ ألَّا تشغله هذه المواقع عمَّا هو أهمُّ؛ كالعبادات، ورعاية الأبناء، وطاعة الأبوَينِ، وطلب العلم النافع، وصِلة الأرحام، وغيرها

ترى رؤوسَ القَوْمِ دَوْمًا مُطْرِقهْ *** على الجهاز والعُيُون مُحْدِقهْ

4_التثبُّت من نَقْل الأخبار بقراءتها أولًا، والتأكُّد من صحَّتها، وصحة نسبتها لقائلها؛ حتى لا نُروِّج للأكاذيب، ولا ننشُر الأراجيفَ والشائعات قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)[الحجرات: 6].

وإن إرسال الرسائل من غير تثبُّت مظنَّةٌ للكذب والزُّور، ولو مِن غير قصدٍ، وبخاصة حينما تَصْدُر الرسالةُ ممَّن يثق الناسُ به، فيعتقدون صِحَّتَها من غير سؤالٍ عن حقيقة محتواها؛ قال النبي صلى الله عليه وسلم: (كَفَى بالمرءِ كَذِبًا أن يُحدِّثَ بكُلِّ ما سَمِعَ)(111).

فأخْلِص النِّيَّةَ في اقْتِنائها 

واغْنَمْ رِضا الرَّحْمنِ من جَرَّائِها 

بِنَشْرِكَ المقاطِعَ المفيدة 

في الفِقْهِ والآدابِ والعقيدة 

 

5_ عدم نَشْر الصور الشخصية، وصور أفراد الأسرة؛ وخاصة النساء والبنات ممَّا قد يفضَح الأسرار، ويَهتِك الأستار، حين تتسرَّب الصُّورُ من الصِّغار، تظهر الزوجات مُتبرِّجات بزينة، كما قد يقوم البعض بنشر صور الحفلات والأعراس، وفيها مِن العفيفات وكم أدَّى هذا التصرُّف البئيس إلى حالات من الخصومة، ترتقي أحيانًا إلى حالات من المشاجرة والمعاركة بين الأصدقاء أو الجيران، وإلى صور من الطلاق بين الأزواج.

6_ترشيد الوقت وعدم الإدمان، والحذر من الانغماس وراء تتبُّع الصفحات فينتقل من صفحة إلى أخرى، فيقضي الساعات الطوال خلف شاشة الهاتف، وقد ينام وهاتفُه بين يديه، ويستيقظ وهو بين يديه. فإن لربك عليك حقا ولزوجك عليك حقا فأعط كل ذي حق حقه.

7_عدم الإساءة أو السخرية بالآخرين والتنابز بالألقاب: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الحجرات: 11] 

7_مراعاة الأثار الصحية للاستخدام المفرط لمواقع التواصل الاجتماعي حيث خلَصت الدراسات في هذا الشأن إلى أن الاستخدام المفرِط لمواقع التواصُل الاجتماعي، قد يضع الشخص تحت ضغط وتوتُّر زائدين، ليُصبِح بذلك أكثرَ عُرْضةً للإصابة بنوبات الاكتئاب والقَلَق.

 8_عدم الخضوع في القول وخاصة عند التواصل مع الجنس الأخر إذا اقتضتْه مصلحةٌ شرعيةٌ كطلب علم أو فتوى شرعية أو استشارة معينه وفق الضوابط الشرعية: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا) [الأحزاب: 32].

9_ الحذر من الرياء الذي يفسد العبادات والأعمال الصالحة حيث يتم نشر كثير من الأعمال الصالحة التي قد يقوم بها الإنسان عبر وسائل التواصل الاجتماعي فيدخل عليه الشيطان من هذا الباب ليفسد عليه طاعته وعبادته فيجعل هدفه حصد الإجابات وثناء الناس عليه.

10_التعامُل مع المخالف باللِّين، ومجادلته بالتي هي أحسن، وبكامل اللباقة والأدب، مع ترك الألفاظ الجارحة، والأساليب القاسية التي قد تتحوَّل أحيانًا إلى سَبٍّ وشَتْمٍ، وقال صلى الله عليه وسلم: (إن الرِّفْقَ لم يكن في شيء قَطُّ إلَّا زانَه، ولا نُزِعَ من شيءٍ قَطُّ إلا شانَه)(112).

11_ الاجتناب عن المبالغات وتضخيم الأحداث، حيث إن بعض الناس من عادتهم تضخيمُ الشيء وتكبير الحدث البسيط من دون تأكيد من جهة مسؤولة، وذلك حرصا على السبق الإعلامي كما يقولون، وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك في قوله: (كفى بالمرءِ كذبًا أنْ يحدِّثَ بكلِّ ما سمِعَ).

11_ التأكد من صحة الأحكام الشرعية والأحاديثِ قبل نَشْرها بالرجوع إلى أهل العلم أو المواقع الموثوقة والمتخصّصة في ذلك والحذر من الانسياق وراء الأفكار والمعتقدات التي تنشر الإرهاف والعنف والفكر المتطرف. 

12_ استغلال مواقع التواصل الاجتماعي كمنبر للدعوة إلى الله ونشر الخير والتعاون على البر والتقوى وتبليغ الناس الأحاديث الصحيحة ودعوتهم إلى التأسي بالنبي الكريم صلى الله عليه وسلم.

13_ احترام حقوق الملكية الفكرية لصاحب المقال أو التغريدة ونسبة الأقوال إلى أصحابها في حال الاقتباس منها

14_ عدم الكتابة بأسماء مستعارة أو مبهمة، أو انتحال شخصية وهمية مفترضة بعيدة عن الواقع، فمهما تستّر الإنسان عن أعين البشر، فإن هناك ربا يراه

    ومهما تكن عند امرئ من خليقة                          وإن خالها تخفى على الناس تعلم 

15_ عدم الانشغال بهذه الأجهزة أثناء قيادة السيارات، حيث تسبب ذلك في حوادث كثيرة بين الناس، وإتلاف السيارات والممتلكات العامة وتعريض حياتك وحياة الأخرين للخطر والواقع خير شاهد على ذلك.

النتائج والتوصيات

1_ أن وسائل التواصل الاجتماعي اختصرت العالم إلى لوحة رقمية صغيرة.

2_وسائل التواصل الاجتماعي نعمة كبيرة إن تم استخدامها بالخير، وتكون نقمة إن تم استخدامها بالشر، وبناء عليه يكون الحكم الشرعي في استعمالها.

3_ يجوز إجراء المعاملات المالية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفق الضوابط الشرعية المقررة.

4_ لا يجوز إجراء عقد الزواج عبر وسائل التواصل الاجتماعي بجميع صوره.

5_ يقع الطلاق وتصح الرجعة وفق التفصيل السابق إن أمن التزوير والتدليس.

6_تعتبر وسائل التواصل الاجتماعي قرينة قوية في الإثبات، تحد من ظاهرة الجرائم الإلكترونية.

7_ تصح البيعة من الرعية في الإمامة العظمى عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ لأنها غير مطلوبة من الجميع بل يكفي فيها من حضر من أهل الحل والعقد. وتصح بالحد الأدنى وهي السمع والطاعة لولي الأمر وعدم الخروج علية ووجوب الانقياد لأمره.

8_ يحرم على المسلم نشر المعلومات الكاذبة وإشاعة الشائعات بين الناس، بل الواجب علية التثبت والتحري قبل نشرها.

9_ يحرم على المسلم نقل المنكرات بقصد إنكارها -فضلا عن نقلها بقصد نشرها وإشاعتها- لأن هذا الأمر يؤدي إلى نشرها ولذا قيل لا تذكر الشر فيندثر واذكر الخير فينتشر.

10_أن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يجب أن ينضبط بجملة من الضواغيط الشرعية حتى تتحقق المصلحة المرجوة من استخدامها.

التوصيات:

يرى الباحث أنه مع القول بعدم جواز إجراء عقد الزواج عبر وسائل التواصل الاجتماعي بصورة عامة لكنه يوصي بضرورة دراسة استثناء حالة الزواج التي يمكن أن تتم بالصوت والصورة وبكافة الأركان الشرعية المطلوبة إذا دعت لذلك ضرورة شرعية معتبرة كما حصل للعالم في جائحة كورونا، وفق ضوابط شرعية أهمها:

1_ أن هذا استثناء وليس أصلا، وبالتالي يلجأ إليه في أضيق الصور عند الضرورة وتعذر إجراء الوكالة.

2_ أن يتم هذا العقد تحت إشراف الجهات الرسمية المختصة كالمحاكم الشرعية في البلدين، أو السفارات المعتمدة.

3_ اتخاذ جميع الإجراءات من أهل الاختصاص والخبرة في هذا المجال لضمان عدم التزوير أو التدليس التي قد تحدث عند إجراء هذا العقد، وذلك بتوفير قاعات مختصة ومزودة بأحدث الأجهزة تضمن تحقيق هذه الغاية.

 

(*) قدم هذا البحث إلى مجمع الفقه الإسلامي في الدورة الخامسة والعشرين 1444ه-2022م.

 

الهوامش

(1) محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، ط1، 1414ه، بيروت ج11، ص72.

(2) محمد بن أبي بكر الرازي، مختار الصحاح في اللغة، بيروت، صيدا، ط5، 1999م، ج1، ص340.

(3) عبد الرحمن عبد الله السند، خطر نشر المنكرات بقصد التحذير منها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ط1، 2019م، ص13.

(4) محي الدين إسماعيل الديهي، تأثير شبكات التواصل الاجتماعي، كلية الإعلام، جامعة القاهرة، ط1، 2015م، مكتبة الوفاء، الإسكندرية، ص 47.

(5) بتصرف، شاهه ناهي العلاطي، الأحكام الفقهية المتعلقة بالسياسة الشرعية في وسائل التواصل الاجتماعي، رسالة ماجستير، جامعة آل البيت،2017م، ص22.

(6) الفيروز أبادي، القاموس المحيط، مؤسسة الرسالة، بيروت، لبنان، ط8، 2005م، ص68.

(7) زاهر راضي، استخدام مواقع التواصل الاجتماعي في العالم العربي، بحث منشور في مجلة التربية، جامعة عمان الأهلية، ص23.

(8) ماجد السكر، التواصل الاجتماعي أنواعه وضوابطه ومعوقاته رسالة ماجستير، الجامعة الإسلامية، غزة، 2011م، ص8.

(9) خالد المقدادي، ثورة الشبكات الاجتماعية دار النفائس، الأردن، ط1، 2013م، ص24.

(10) د. محمد النجيمي، بيان أحكام وسائل التواصل الاجتماعي، بحث منشور في مجلة كلية الشريعة بتفهنا ال عدد24، 2022م، ج2، ص973.

(11) سعد بن المحارب، الإعلام الجديد في السعودية، دار جداول، 2011م ص175.

(12) عباس صادق، الإعلام الجديد، المفاهيم والوسائل والتطبيقات، دار الشروق، عمان، ط1، 2008م، ص21.

(13) د. محمد النجيمي، بيان أحكام التواصل الاجتماعي، ص975.

(14)  فتوى دائرة الإفتاء العام الأردن، رقم (310) تاريخ 17 /8/ 2009.

(15) ليس في الفتوى السابقة تحريم جميع أنواع المحادثات بين الرجال والنساء، بل إذا اقتضت الحاجة أن تتحدث المرأة مع الرجل، كما في معاملات البيع والشراء ونحوها: فلا مانع شرعاً، بشرط ألا يكون في الكلام رقة وتكلف، وذلك مراعاة لقوله تعالى: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ) [الأحزاب:32]. انظر فتوى الدائرة رقم 703، تاريخ 10 /5 /2010.

(16) إبراهيم بن علي الشيرازي، المهذب في الفقه الإسلامي، دار الكتب العلمية بيروت، 1998م، ج2، ص437. أبو زكريا محي الدين النووي، روضة الطالبين وعمدة المتقين، ط3، ص1991، تحقيق زهير الشاويش، المكتب الإسلامي، بيروت، ج7، ص37.

(17) أبو العباس أحمد بن محمد الصاوي، حاشية الصاوي على الشرح الصغير بلغة السالك لأقرب المسالك، ج2، ص350.

(18) أبو محمد موفق الدين عبد الله ابن قدامة الحنبلي، المغني، طبعة دار الفكر، ج8، ص245. علاء الدين المرداوي، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، ط2، دار إحياء التراث العربي، ج8، ص50.

(19) ابن حزم الظاهري، المحلى، المكتب التجاري للطباعة والنشر والتوزيع –بيروت –، طبعة محققة من الشيخ الأستاذ أحمد محمد شاكر، ج6، ص464.

(20) الموسوعة الفقهية الكويتية، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الكويت، ط2 ج28، ص 160.

(21) قرار مجمع الفقه الإسلامي رقم (52) في دورة المؤتمر السادسة بجده.

(22) النووي، روضة الطالبين، ج7، ص45.

(23) محمد النجمي، حكم إجراء عقود الأحوال الشخصية والعقود التجارية عبر الوسائل الإلكترونية، مجلة البحوث الفقهية المعاصرة، السنة الخامسة عشرة، ال عدد60، ص12.

(24) قانون الأحوال الشخصية الأردني، المادة رقم (7).

(25) علاء الدين الكسائي، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ط6، دار الكتب العلمية، ص1986، ج5، ص138.

(26) محمد بن عابدين، رد المحتار على الدر المختار، دار الفكر بيروت، ط2، 1992م، ج3، ص 12.

(27) شاهه العلاطي، الأحكام الفقهية المتعلقة بالسياسة الشرعية في وسائل التواصل الاجتماعي، ص63.

(28) زين الدين بن محمد بن نجيم، البحر الرائق شرح كنز الدقائق، ط2، دار الكتاب الإسلامي، ج3، ص89.

(29) مجمع الفقه الإسلامي قرارات وتوصيات، تنسيق وتعليق، عبد الستار أبو غدة، ص(1-10).

(30) فتاوى اللجنة الدائمة للإفتاء بالمملكة العربية السعودية، جمع وترتيب، محمد عبد العزيز، ج2، ص121.

(31) وهبة الزحيلي، مجلة مجمع الفقه الإسلامي، عدد6، ج1، ص888.

(32) محمد عقله، حكم إجراء العقود بوسائل الاتصالات الحديثة، ص113.

(33) بدران أبو العينين، الفقه المقارن للأحوال الشخصية، دار النهضة بيروت، ص41.

(34) إيهاب مصطفى وأحمد سليمان، الزواج والطلاق عبر وسائل التواصل الحديثة، ص76.

(35) أبو محمد علي بن أحمد الظاهري، المحلى بالآثار دار الفكر بيروت، ج3، ص438.

(36) الكاساني، بدائع الصنائع، ج3، ص100.

(37) الدردير الشرح الصغير، ج2، ص345.

(38) أبو إسحق الشيرازي، المهذب في فقه الإمام الشافعي، دار الكتب العلمية ج3، ص13.

(39) ابن قدامة، المغني، ج8، ص283.

(40) قانون الأحوال الشخصية الأردني، رقم15، لسنة 2019م، مادة رقم 83.

(41) أبـي عبـد الله محمـد بـن یزیـد القزویني، سنن ابو ماجه تحقیـق: محمـد فـؤاد عبـد البـاقي، طبعـة دار إحياء الكتـب العربية -فیـصل عیـسى البـابي الحلبـي، بـاب مـن طلـق، جــــــ١، ص٦٥٨.

(42) قانون الأحوال الشخصية الأردني، مادة رقم 84.

(43) وعرفها الشافعية: "رد المرأة إلى النكاح من طلاق غير بائن في العدة على وجه مخصوص" شمس الدين محمد بن أحمد الشربيني، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع، تحقيق سيد عمران، القاهرة، دار الحديث سنة الطبع 2014م، ص600.

(44) منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس الحنبلي البهوتى، الروض المربع شرح زاد المستقنع، ومعه: حاشية الشيخ العثيمين وتعليقات الشيخ السعدي، خرج أحاديثه: عبد القدوس محمد نذير، دار المؤيد، مؤسسة الرسالة، ص152.    

(45) محمد بن محمود الرومي، أكمل الدين أبو عبد الله ابن الشيخ شمس الدين ابن الشيخ جمال الدين البابرتي، العناية شرح الهداية، دار الفكر، (ج 4، ص 61) محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، دار الفكر، ج 2، ص 415. شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي، مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الكتب العلمية، 1415هـ -1994م (ط1)، (ج 5، ص 5).

- تقي الدين محمد بن أحمد بن النجار الفتوحي الحنبلي ، منتهى الإرادات، تحقيق: عبد الله بن عبد المحسن التركي، بيروت، مؤسسة الرسالة ،1419هـ -1999م، (ط1) ، (ج 4، ص 335).

(46) محمد بن إسماعيل أبو عبد الله البخاري، صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير بن ناصر، دار طوق النجاة، (ط1)،1422ه، (7، ص41). حديث رقم 5252، ومسلم، الصحيح، كتاب الطلاق، باب تحريم طلاق الحائض بغير رضاها، حديث رقم 1471.

(47)  ابن قدامة، المغـــني، (ج 7، ص 524).

(48) الكاساني، بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع، ج3، ص183، ابن قدامة، المغني، (ج 7، ص 524).

(49) الدسوقي حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج2، ص 415، الشربيني، مغني المحتاج، ج5، ص 5.

(50) الكاساني، بدائع الصنائع، ج3، ص183. الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج 2، ص416، أحمد بن محمد بن علي ابن حجر الهيتمي، تحفة المحتاج في شرح المنهاج، راجعها لجنة من العلماء، مصر، المكتبة التجارية الكبرى، 1357 هـ -1983م، (ج 8، ص147).

(51) ابن قدامة، المغني، ج 7، ص 524.

(52) نور الدين أبو لحية، آثار حلّ عصمة الزوجية، القاهرة، دار الكتاب الحديث انظر http://noursalam.free.fr/b12.2.htm#_Toc220373327

(53) النووي، روضة الطالبين، ج 6 ص192.

(54) النووي، المجموع، ج9، ص177، البهوتي، كشاف القناع، ج3، ص148،الخرشي على مختصر خليل،ج5،ص5.

(55) الدسوقي، حاشية الدسوقي على الشرح الكبير، ج 3، ص4.

(56) المرجع السابق نفسه.

(57) النووي، المجموع، ج9، ص181.

(58) د. محمد النجيمي، بيان أحكام وسائل التواصل الاجتماعي، ط2021، ص995.

(59) المرجع السابق، ص994.

(60) مسلم، صحيح مسلم، ج3، ص221.

(61) يحي ين سالم العمراني البيان في مذهب الشافعي، تحقيق قاسم النوري، دار المنهاج، 2000م، ج 5، 433.

(62) هذه المسائل جمعها الباحث الشرعي الدكتور حمزة مشوقه في دائرة الإفتاء العام ونشرها في بحث له نشره عبر موقع الدائرة بعنوان المسائل الفقهية المشهورة والمتعلقة بالمعاملات المالية عبر وسائل التواصل الحديثة.

(63) انظر مزيد من التفاصيل د. وائل محمد عربيات، الضوابط الشرعية للتجارة الإلكترونية في العملات الدولية، بحث منشور على موقع دائرة الإفتاء العام الأردني.

(64) فتاوى منشورة لدائرة الإفتاء الأردني عبر موقعها الإلكتروني لأبرز المعاملات الحديثة التي تتم عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتي يكثر السؤال حولها.

(65) ابن منظور، ﻟﺴﺎن اﻟﻌﺮب، ﺟـ١، ص ٨٦٤، اﻧﻈﺮ ابراهيم مصطفى وآخرون اﻟﻤﻌﺠﻢ اﻟﻮﺳﻴﻂ، ﻣﺠﻤﻊ اﻟﻠﻐﺔ اﻟﻌﺮﺑﻴﺔ، ﺟـ١، ط٣، ﺑﺎب اﻟﺜﺎء ﻣﺎدة ﺛﺒﺖ، ص ٧٩.

(66) ﻣﺤﻤﻮد ﻣﺤﻤﺪ ﻫﺎﺷﻢ اﻟﻘﻀﺎء وﻧﻈﻢ اﻹﺛﺒﺎت ﰲ اﻟﻔﻘﻪ اﻹﺳﻼﻣﻲ واﻷﻧﻈﻤﺔ اﻟﻮﺿﻌﻴﺔ، اﻟﻨﺸﺮ اﻟﻌﻠﻤﻲ واﻟﻤﻄﺎﺑﻊ ﺟﺎﻣﻌﺔ اﻟﻤﻠﻚ ﺳﻌﻮد، ص١٢١ وﻣﺎ ﺑﻌﺪﻫﺎ.

(67) ﻣﺤﻤﺪ أﺑﻮ زﻫﺮة ﻣﻮﺳﻮﻋﺔ اﻟﻔﻘﻪ اﻹﺳﻼﻣﻲ، اﻟﻘﺎﻫﺮة، ﺟﻤﻌﻴﺔ اﻟﺪراﺳﺎت اﻹﺳﻼﻣﻴﺔ، ﻣﻄﺒﻌﺔ ﻣﺨﻴﻤﺮ، اﻟﻘﺎﻫﺮة، ﺟـ٢، ص٦٢١. 

(68) المرجع السابق.

(69) سامي علي حامد عياد، الجريمة المعلوماتية وإجرام الإنترنت، دار الفكر العربي، 2007م، ص42.

(70) بهاء فهمي الكبيجي، مدى توافق أحكام جرائم أنظمة المعلومات في القانون الأردني مع الأحكام العامة للجريمة، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط 2013، ص9.

(71) نظام مكافحة الجرائم المعلوماتية السعودي، الصادر بالمرسوم الملكي (م/17) بتاريخ 8 / 3/1428ه الموافق 27 /3 /2007م.

(72) المادة الأولى من قانون مكافحة الجرائم الإلكتروني القطري رقم 14لسنة 2014 بتاريخ 15/9/2014 ونشر بالجريدة الرسمية بتاريخ 2/10/ 2014بالعدد 15 ص7.

(73) مقال جمال مرعي التحقق في الجريمة الإلكترونية، ص3، منشور على موقع حماة الحق.

(74) عبد الباقي مصطفى، التحقيق في الجريمة الإلكترونية وإثباتها، 2018م، ص 286.

(75) د. أحمد سرور، الوسيط في قانون الإجراءات الجنائية ط7، عام 1993نادي القضاة المصري، ص496.

 (76) أبو عبد الله محمد بن القيم الجوزبة، الطرق الحكمية في السياسة الشرعية، تحقيق نايف بن أحمد دار عالم الفوائد، ط1ـ 1428م ص 299.

(77) محمد بن إسماعيل البخاري، صحيح البخاري، تحقيق محمد زهير، دار طوق النجاة، ط1، 1422ه، رقم 4552.

(78) محمد بن عيسى الترمذي سنن الترمذي، تحقيق بشار معروف دار العرب الإسلامي، 1998م، رقم 1341.

(79) د.ابراهيم رمضان عطايا، الجريمة الإلكترونية وسبل مواجهتها في الشريعة الإسلامية، والأنظمة الدولية طبعة 2015، ص379.

(80) هاني عبد الله جبير، الإثبات بالبينات المعاصرة، مقال منشور عبر الإنترنت بتاريخ 8 /11 / 2007.

(81) المرجع السابق.

(82) انظر، د. هناء محمد أحمد، أحكام القرائن المعاصرة في الشريعة والقانون، جامعة بغداد كلية العلوم الإسلامية، بحث منشور في مجلة الأستاذ، العدد 220، المجلد الثاني لعام 2017، ص458، نوف حسين العجارمة، حجية المستخرجات الصوتية والمرئية في الإثبات الجزائي، دراسة مقارنة، رسالة ماجستير، كلية الحقوق، جامعة الشرق الأوسط، عام2019م، ص23 وما بعدها.

(83) مسلم بن الحجاج النيسابوري، صحيح مسلم، تحقيق محمد فؤاد، دار إحياء التراث العربي، بيروت حديث رقم 1709.

(84) عمر بن عبد الرحمن العمر مسائل مهمة حول البيعة الشرعية مقال منشور بتاريخ 1/يناير/2017.

(85) مسلم، صحيح مسلم، رقم الحديث، 1851.

(86) عبد الرحمن السهلي، الروض الأنف في شرح السيرة النبوية لابن هشام، تحقيق عبد الرحمن الوكيل دار الكتب الحديثة، 1990، ج2، ص229.

(87) مسلم، صحيح مسلم، رقم الحديث،1866.

(88) صفي الرحمن المباركفوري، الرحيق المختوم، وزارة الأوقاف قطر،2003م، 324.

(89) أبو زكريا محي الدين النووي المنهاج شرح صحيح مسلم دار التراث العربي، بيروت، ط2، ج12، ص77.

(90) أحمد بن حجر العسقلاني، فتح الباري شرح صحيح البخاري، تحقيق محمد فؤاد، المطبعة السلفية، القاهرة ج7، ص378.

(91) متفق عليه.

(92) مسلم، صحيح مسلم، رقم الحديث،4482.

(93) إسماعيل بن عمر بن كثير، البداية والنهاية، دار إحياء الكتب العربية، ج4، ص208.

(94) عبد الرحمن بن ناصر السعدي، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام الرحمن، ص190.

(95) محمد سيد طنطاوي، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، القاهرة، ط1، ج10، ص،98.

(96) موقع اسلام ويب رقم الفتوى 64403 تاريخ 5/7/2005، محمد الطاهر عاشور، التحرير والتنوير الدار التونسية،1984، ج18، ص185.

(97) أبو داود سليمان بن الأشعث، سنن أبي داود، تحقيق محمد عبد الحميد، المكتبة المصريةـ رقم الحديث 4345.

 (98) مسلم، صحيح مسلم، رقم ال حديث2580.

(99) الترمذي، سنن الترمذي حديث رقم 2032.

(100) سبق تخريجه.

(101) بن أبي حاتم، تفسير القرآن العظيم، دار بن الجوزي، ط1،1439م، ج15، ص102.

(102) عبد الرحمن محمد السند، خطر نشر المنكرات بقصد التحذير منها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ط1، 2019م، ص53.

(103) مقال خطر نشر المنكرات بقصد التحذير منها عبر مواقع التواصل بقلم: د. عصام عبد ربه، منشور عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

(104) حمد بن عبد الباقي، شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك تحقيق طه سعد مكتبة الثقافة الدينية، ط1، 2003، ج4، ص235.

(105) البخاري، صحيح البخاري رقم ال حديث6064.

(106) تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية، مجموع الفتاوى، تحقيق عبد الرحمن بن حمد، مجمع الملك فهد ،2005م، ج15، ص344.

(107) عبد الرحمن محمد السند، خطر نشر المنكرات بقصد التحذير منها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ص56.

(108) الترمذي، سنن الترمذي حديث رقم2777.

(109) مقال شبكات التواصل الاجتماعي ضوابط وحدود، د محمد ويلالي، مقال نشر بتاريخ 26 /6 /2018م، آداب وضوابط استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، د سعد الله المحمدي مقال نشر بتاريخ 16/مايو/ 2017.

(110) البخاري، صحيح البخاري رقم ال حديث6478.

(111) سبق تخريجه.

(112) مسلم، صحيح مسلم، رقم ال حديث2594.

رقم البحث [ السابق ]


اقرأ للكاتب




التعليقات

 

الاسم *

البريد الإلكتروني *

الدولة

عنوان التعليق *

التعليق *

Captcha
 
 

تنبيه: هذه النافذة غير مخصصة للأسئلة الشرعية، وإنما للتعليق على الموضوع المنشور لتكون محل استفادة واهتمام إدارة الموقع إن شاء الله، وليست للنشر. وأما الأسئلة الشرعية فيسرنا استقبالها في قسم " أرسل سؤالك "، ولذلك نرجو المعذرة من الإخوة الزوار إذا لم يُجَب على أي سؤال شرعي يدخل من نافذة " التعليقات " وذلك لغرض تنظيم العمل. وشكرا