الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله
كرّم الإسلام المرأة وأقرّ حقها في العمل وكسب الرزق، فعمل المرأة يعد جزءاً من الحياة الاقتصادية، وله كبير الأثر في تحقيق النهضة فيها، ويساهم بالتخفيف من الأعباء المالية الواقعة على الأسرة، كما يساهم في سد حاجة النساء فيما يتعلق بالتدريس والتطبيب وغيرهما مما هو ضروري للمجتمع، ومن ثمّ يحقق لها هذا العمل على الصعيد الشخصي الاكتفاء الذاتي، والعيش الكريم، مما يبعدها عن ذلّ المسألة خاصة إذا لم يكن لها من ينفق عليها.
إن عمل المرأة ليس شيئا جديدا، فقد عملت في عهد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وثبت في الأحاديث الصحيحة أنها عملت في الرعي والزراعة والصناعات المنزلية وإدارة الأعمال الحرفية، ومداواة المرضى، وغيرها، ومثال ذلك: قال جابر بن عبد الله رضي الله عنه: طُلقتْ خالتي، فأرادتْ أنْ تَجُدّ نخلها، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال: (بَلَى فَجُدِّي نَخْلَكِ، فَإِنَّكِ عَسَى أَنْ تَصَدَّقِي، أَوْ تَفْعَلِي مَعْرُوفًا) رواه مسلم.
ويشترط في إباحة عمل المرأة ما يشترط في إباحة عمل الرجل، وذلك بأن يتوافق العمل مع الأحكام الشرعية، حيث يجب أن يكون العمل في نفسه مباحاً، فإن كان محرّماً أثم العامل، وكان الكسب الناتج عنه محرّماً كأجرة البغيّ أو حلوان الكاهن، عن أبي مسعود الأنصاري رضي الله عنه: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن" رواه الشيخان. [مهر البغي: هو ما تأخذه الزانية على الزنى، وسماه مهراً؛ لكونه على صورته، وهو حرام بإجماع المسلمين، وحلوان الكاهن: وهو ما أخذه المتكهن على كهانته؛ لأن فعل الكهانة باطل لا يجوز أخذ الأجرة عليه] [شرح النووي على مسلم 10/ 231].
أمّا إن كان العمل في نفسه مباحا ولكن خالف العامل الأحكام الشرعية، كخلوة محرمة أو اختلاط محرم أو كشف للعورات، يبقى العمل مباحاً، ويأثم العامل على ارتكابه المحظور، ويكون كسبه مباحاً.
وقد حمى الإسلام المرأة على الصعيد الاقتصادي، فجعل لها ذمة مالية مستقلة لا فرق بينها وبين الرجل في ذلك، لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كُلُّ أَحَدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ مِنْ وَالِدِهِ وَوَلَدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) رواه البيهقي، حتى وإن كانت متزوجة فذمتها المالية مستقلة عن زوجها، وبذلك أخذ قانون الأحوال الشخصية الأردني كما جاء في نص المادة (320): "لكل واحد من الزوجين ذمة مالية مستقلة عن الآخر"، وفي هذا تقرير لاستقلال ذمة المرأة المالية، والتصرف في مالها كما تريد، فيحق لها فتح الحسابات البنكية، وإدارة حساباتها، والإقراض والاستقراض، وسائر المعاملات التجارية والمصرفية المعاصرة.
كما أقرّ لها الحق في التصرف فيما تمللك ما دامت رشيدة، وتستطيع أن تدير مالها في التجارة وغيرها بدون إذن أحد، قال تعالى: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ} [النساء: 6].
فلها أن تتاجر بمالها كله مع غيرها، عن طريق المعاوضة، كالمشاركة والمضاربة دون إذن أحد، جاء في [نهاية الزين/ ص248] من كتب الشافعية: "ولو كان الرشيد الذي يعطي ماله امرأة فيصح تصرفها حينئذ من غير إذن زوجها"، فإذا عملت مع زوجها كان لها ما كسبت، وإن اشتركت معه في شركة استثمارية كان لها مقدار من الربح بحسب حصتها في الشركة.
وعليه، فإن عمل المرأة وممارستها للأنشطة التجارية جائز شرعاً ضمن الضوابط الشرعية، وفيه من الخير للأسرة وللمجتمع الشيء الكثير، إذ الرجل يعمل في تخصصه وبما يناسبه، والمرأة تعمل في تخصصها وبما يناسبها، فهي نصف المجتمع، فدورها في المجتمع دور عظيم مهم، حيث تعد شريكاً للرجل في البناء والعطاء، والمساهمة في إنشاء الجيل الصالح، وإقامة نهضة الأمة. والله تعالى أعلم.