مقالات

الأحكام الشرعيّة العامّة في إدارة شؤون الدولة

الكاتب : المفتي الدكتور جاد الله بسام

أضيف بتاريخ : 15-02-2022

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه، ولا يعبر بالضرورة عن رأي دائرة الإفتاء العام


الأحكام الشرعيّة العامّة في إدارة شؤون الدولة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد النبي العربي الهاشمي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

من المعلوم أنّ الشريعة الإسلامية تشتمل على أنواع من الأحكام التي تفيد النّاس عموماً، سواء كانوا مؤمنين بها أو غير مؤمنين، وهذا النوع من الأحكام ينتفع به متّبعوه انتفاعاً دنيوياً، إذ إنهم يحصلون بسببه من الثمرات والمنافع قدراً صالحاً، وينأون بأنفسهم عن الأضرار والمشاقّ التي تنغّص عليهم معيشتهم، وقد عدّ علماؤنا هذه الميزة من كرم الشارع ومحاسن الشريعة.

وهذا النوع من الأحكام الشرعيّة العامّة مودَع في القرآن الكريم، ونجد كثيراً من خطابات القرآن الكريم موجّهة للناس كافة، مثل قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ} [البقرة: 168]، وأما الفائدة الأخروية لا تكون إلا لمن اتّبع التشريعات الإلهية بعد الإيمان بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والإذعان للأوامر والنواهي عبادة وخضوعاً وانقياداً، يقول الله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65].

ومن الأحكام الشرعية العامّة ما يتعلق بإدارة شؤون الدولة وتراتيبها الإدارية التي تنظم الحياة العامّة والشؤون السياسية والاقتصادية والاجتماعية داخلياً وخارجياً، وتقوم على رعايتها والحفاظ عليها وتيسير إجراءاتها أجهزةُ الدولة ومؤسساتها المتنوعة، سواء كانت أجهزة استشارية أو قانونية أو أمنية أو اقتصادية، باعتبار هذه الأجهزة كفيلة بتدبير هذه الشؤون بحسب التخصص والصلاحيات.

ومن المقرّر عند علماء الشرع وفلاسفة الحضارة وأهل القانون أنّ صور المسائل المتعلقة بإدارة الدولة متغيرة متجددة متطورة، وهي بطبيعتها لا تقف عند حدّ أو عدّ، بل قد تكون في تطورها متسارعة متنامية إلى حدّ كبير، فكان من البديهيّ أنها لا تندرج تحت نصوص خاصّة جزئية، بل تحكمها قواعد عامّة، وأصول كلية، وقوانين عليا، وتصطبغ هذه القواعد والأصول والقوانين بصفة الشمول والعموم والكلّية حتى تكون صالحة على مرور الأزمنة، واختلاف الأمكنة، وتجدّد الأحوال، وتعاقب الأجيال.

ولدى مطالعة ما أنتجته قرائح علماء الفقه والأصول من علماء الشريعة الإسلامية، خصوصاً في كتب الإمامة العظمى وأبواب السياسة العامّة؛ نجد أنهم نصّوا على قواعدَ عامّة تتعلق بالشأن الذي نكتب فيه ههنا، وهي كيفيات إدارة الدولة بمفهومها العامّ، بقطع النّظر عن الشكل القانونيّ أو الدستوريّ الدّقيق الذي تتخذه الدّولة، أخذاً بفكرة الأحكام الشّرعية العامّة التي افتتحنا بها مقالنا الذي نكتبه في ظلال ما أنتجته القريحة الفقهية لإمامِ الحرمين الجوينيّ في كتابه "غياث الأمم في التياث الظلم".

ومن المعلوم أنّ اختلال شيء ما في الجانب الفكري والاعتقادي والمبادئ الكلية لا يمنع العمل بهذا النوع من الأحكام الشرعية العامة التي بها تستجلب المنافع، وتستدفع المفاسد، وتتحقق الأغراض التي يتوقف عليها تلبية الحاجات الإنسانية في المعاش وما يتصل به، فلنذكر بعون الله تعالى وتوفيقه بعض تلك الأحكام على صورة قواعد وكليات، فنقول:

قاعدة: الاكتفاء في كلّ حال بما يليق به من الخصال

والمراد بهذه القاعدة أنّ الشروط اللازمة لتولي المناصب والمهام الوظيفية يكتفى فيها بما تتطلبه تلك الوظيفة، ولا يشترط فيه ما هو زائد على الحاجة، لأنّ المقصود في الأصل هو إنفاذ تلك المهمة وتحقيق مقاصد الوظيفة.

ومن تطبيقات القاعدة: من أنيط به إدارة مصلحة من المصالح العامة كتدبير الأموال والاستثمارات مثلاً، فلا بدّ أن يكون عارفاً خبيراً بشؤون تلك المصلحة قادراً على القيام بها على أتمّ الوجوه، بحيث لا يقلّد أحداً من الناس في هذه الشؤون، ولا يكون تابعاً في قراراته لشيء سوى سلطان الحقّ والواقع، فلا تنطلي عليه أكاذيب المخادعين الذين قد يزيفون الوقائع، ولا يقع في أحابيل الأغنياء أو استعطاف الفقراء، بل تكون قراراته صادرةً عن حقّ، واردةً على حقّ.

وتنعطف على هذه القاعدة قاعدة أخرى، وهي: عدم كفاية الاشتهار في تولية المناصب، ومعنى هذه القاعدة أنّ من يتولى المناصب لا بدّ أن يكون خبيراً في الحقيقة بكل ما يتطلّبه ذلك المنصب، وأنه ليس يتحقّق ذلك بتزكية خالية عن العدالة والاستحقاق، أو انتساب أبويّ أو عائلي غير مقترن بالكفاءة المطلوبة لذلك المنصب، أو مجرّد حيازة الشهادات التي قد تكون صورية في بعض الأحوال.

قاعدة: الأساس في الإدارة حفظ الدولة والاهتمام بشؤونها

وهذه القاعدة لها تطبيقات لا تكاد تنحصر، لأنها بمثابة قاعدة ترجيحية في كلّ ما يحصل فيه تعارض الظّنون ممّا لم تقطع فيه قواطع العقول والنقول، وذلك لأنّ الغرض الأساسي للدولة ليس إيصالَ الخير لآحاد الناس، بل إيصال الخير لكلّ الناس أولاً، وأما آحادُ الناس فيصلهم الخير بالتبع، ثم يجتهدون بعد ذلك في حركة المجتمع لتحصل التنمية والازدهار، وذلك كلّه يتوقّف على حياطة الدّولة بأوثق عرى الاحتياط والحفظ من جميع الوجوه، وتقديم مصلحتها العامة على مصلحة فرد فيها أو مجموعة محصورة.

قاعدة: تقديم أهون الضررين إن لم يمكن دفعهما

وهذه قاعدة من القواعد العظيمة، ذات السريان في كثير من مسائل الفقه عموماً ومفاصل إدارة الدّولة خصوصاً، فإنّ مضائق الأمور قد تضطر ذا المنصب إلى ارتكاب أحد شرور، فالواجب عندئذ أن يرتكب أخفها وقعاً، وأقربها دفعاً، وأمكنها حسماً، لئلاً تضطرب الأمور، ويعسر الانفكاك عن دوام الشرور.

ويلتحق بهذه القاعدة ممّا يؤدي معناها، قاعدة: تقديم الأهم، فإنّ ذا المنصب قد يعرض له أمور مهمة يعسر عليه جمعها والاستحواذ عليها بالكليّة، فالواجبُ حينئذٍ أن يقدم ما كان أكثر فائدة وأعمّ عائدة، وأدوم نفعاً وأجلب لمصالح الأمة، ويلتحقُ بها أيضاً من القواعد: تقدير الشرور الواقعة إلى الشرور المتوقعة، ومن تطبيقاتها أنْ لا يرتكب دفع شرّ واقع مع أنه يحصل من وراء ذلك شرّ أكثر ضرراً وأعمّ خطراً.

وقد تحكى هذه القاعدة بألفاظ أخرى مقاربة، كقولهم: احتمال أخفّ الضّررين، وقد تندرج قواعد كثيرة مناسبة بهذه القاعدة الكلية، تتناول في عمومها معالجة الضّرر وكيفية رفعه وإزالته، كقاعدة لا ضرر ولا ضرار التي تعدّ من أعمّ القواعد وأهمّها، وقاعدة المشقة تجلب التيسير.

قاعدة: تقديم ذوي المناصب على بعضهم بحسب علوّ المنصب

وهذه القاعدة عميقة الأثر، وتحتاج إلى صفات من الكمال في ذوي المناصب الذي يتقلدون شؤون الناس، ولا يمكن العمل بها عملاً صحيحاً بمجرد أن تكون المناصب أسماء ليس تحتها مسميات، بل لا بد أن يكون كل منصب على قدر مقدّر، ورسم مسطّر، وأن تكون العلاقة بين مفاصل الدولة ومؤسساتها قائمة على أسس واضحة ومستقرة مستمرة، بحيث إذا حصل في التقديرات تعارض أو اختلال، أمكن تقديم رأي ذي المنصب الأعظم لعموم خطره ونفاذ أثره في الأمة، ومما تقتضيه هذه القاعدة أن يكون كل ذي منصب متمكناً من منصبه، قد توافرت فيه الخصال المرعية في ذلك المنصب من العلم والتقوى والرأي والقوة والشجاعة.

ومن تطبيقات هذه القاعدة مثلاً: أن توصيات الأجهزة العسكرية تُـقدَّم على توصيات الأجهزة المتعلقة بشؤون الأموال والنفقات ونحوها، لأنّ المال قليل بالإضافة إلى أرواح الناس وهيبة الدولة ومركزها في العالم.

قاعدة: الأمن أساس معتبر في إدارة الدولة

والمقصود من هذه القاعدة أن قرارات الدولة تسعى نحو تحقيق الأمن والأمان للرعية، وأي شأن من الشؤون ينزع الأمن عن الناس فإنه لا ينبغي إنفاذه إلا بقدر يقدره ذوو الرأي، وليس المراد من هذه القاعدة إسقاط الأنظمة الإدارية المعمول بها، لكن يقصد به في المعنى الدقيق الإشارة إلى وجوب اتخاذ الإجراءات المتعلقة بالإدارة وتدبيرها على الصورة التي لا تنزع صفة الأمن عن المجتمع، لأنّ الأمن إذا زال كان ذلك مؤذناً باختلال الأمور وانتقاض أسس الدولة.

قاعدة: الدفع أهون من الرفع

ويقصد بهذه القاعدة أن اتخاذ التدابير الإدارية والإجراءات التي تجري مجرى الاحتياط أولى أن تقدم ويحكم بها، فإن درهماً من الوقاية خير من قنطار علاج، والمقصود بالدفع أن لا يقع الشرّ أصلاً، فذلك أولى من السماح بوقوعه عن غفلة أو قلة تدبير، ثم الاشتغال بإزالته ورفعه وتكلف الأموال أو الأرواح في سبيل ذلك.

قاعدة: تصرف الولاة والحكام والعمال منوط بمصلحة الرعية

ويقصد بهذه القاعدة أن ما يتولاه أصحاب القرار من مهام الدولة وطرق إدارتها يمكن أن يحدّد بحسب المصلحة، فما كان موافقاً لها صحّ، وما كان مبطلاً لمصالح المسلمين العامة لم يصحّ، وأمكن إلغاؤه وإبطاله ونقضه.

ومن المعلوم أنّ المصلحة التي تنضبط بها أفعال الولاة وتصرفاتهم لها معيار محدد تقوم على تقديره جهات ذات رأي وسداد، بحيث لا تكون المصلحة خاصة بطائفة أو ناس مخصوصين، بل تكون المصلحة عامة كلية.

وأيضاً فإن المصالح تتفاوت وقد تتعارض، فقد تهمل مصلحة لاعتبار مصلحة أعلى، وهكذا تجري التقديرات في كل مسألة من المسائل.

خاتمة:

هذه بعض الأحكام الشرعية العامة والقواعد الكلية التي قد يندرج تحتها عشرات القواعد التي تعمّ أبواباً من الفقه والقانون أو تخصّ أبواباً معينة، لا بدّ في تفهمها وتطبيقها من حسن اجتهاد، وكمال علم، وشدة في التقوى والتورع والأمانة.

وذلك لأنّ هذه القواعد الكلية تحكم ما دونها من القواعد، وتندرج تحتها المسائل بواسطة النظر والتفكير والتقدير، وهذه المسالك النظرية من أخفى المسالك وأدقّها وأغمضها على الإطلاق، ولذلك شرط علماء الشريعة كما اشترط غيرهم من أهل القانون والفكر أنّ من يتولى المناصب في إدارة الدولة ينبغي أنْ تكون بصيرته نافذة وعلمه واسعاً وكاملاً، وتكون نفسه حرة أبية لا تملكها الأهواء والنزغات، ولا تغلبها الانفعالات والعصبيات، بل يكون معتدل الرأي والمزاج، لا يقضي في الشؤون الإدارية إلا بعد كمال المعرفة والنظر والمشورة.

وبناءً عليه؛ فإنّ هذه القواعد الفقهية ليست هي العامل الوحيد في نجاح إدارة شؤون الدولة، بل لا بدّ فيها من تولية شؤون الدولة لأصحاب الكفاية والمعرفة والخبرة والأهلية التامّة.

والله أسأل أن يحفظنا من الزلل والخطأ، وأن يديم علينا نعمه الظاهرة والباطنة، وأن يحفظ بلادنا من كلّ سوء، وأن يتولانا بكرمه وحفظه.

والحمد لله رب العالمين

رقم المقال [ السابق | التالي ]

اقرأ للكاتب




التعليقات



تنبيه: هذه النافذة غير مخصصة للأسئلة الشرعية، وإنما للتعليق على الموضوع المنشور لتكون محل استفادة واهتمام إدارة الموقع إن شاء الله، وليست للنشر. وأما الأسئلة الشرعية فيسرنا استقبالها في قسم " أرسل سؤالك "، ولذلك نرجو المعذرة من الإخوة الزوار إذا لم يُجَب على أي سؤال شرعي يدخل من نافذة " التعليقات " وذلك لغرض تنظيم العمل. وشكرا


Captcha