الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله
شدد الإسلام في بيع الأموال الربوية؛ حفاظاً على استقرار النقود والمعاملات ودفعاً للمفاسد الكبيرة التي تترتب على الربا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الذَّهَبُ بِالذَّهَبِ، وَالْفِضَّةُ بِالْفِضَّةِ، وَالْبُرُّ بِالْبُرِّ، وَالشَّعِيرُ بِالشَّعِيرِ، وَالتَّمْرُ بِالتَّمْرِ، وَالْمِلْحُ بِالْمِلْحِ، مِثْلًا بِمِثْلٍ، سَوَاءً بِسَوَاءٍ، يَدًا بِيَدٍ، فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الْأَصْنَافُ، فَبِيعُوا كَيْفَ شِئْتُمْ، إِذَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ) رواه مسلم.
فالذهب يجوز بيعه بالذهب بشرط التماثل في الوزن بين البدلين والقبض في مجلس العقد، وأما بيع الذهب بالعملة النقدية فيشترط فيه القبض في مجلس العقد فقط، ويتحقق قبض الذهب بأحد الوسائل الآتية:
أولاً: قبض المشتري لسبيكة الذهب بنفسه في مجلس العقد.
ثانياً: قبض المشتري للسبيكة عن طريق وكيله.
ثالثاً: تعيين السبيكة بأرقام وعلامات مميزة لها عن غيرها، وتمكين المشتري من التصرف بها.
رابعاً: قبض شهادة تمثل ملك سبيكة معينة مميزة عن غيرها، بشرط أن تكون الشهادة صادرة يوم التعاقد من جهات معتبرة قانوناً تخول المشتري قبض السبيكة قبضاً حقيقياً متى شاء.
فالوسيلة الأولى والثانية متفق عليها عند الفقهاء المتقدمين، وهي تسمى بالقبض الحقيقي، وأما الوسيلة الثالثة والرابعة فتسمى بالقبض الحكمي، وقد أجازها المجلس الشرعي لهيئة المراجعة والمحاسبة الإسلامية؛ لأنّ قبض شهادة الذهب بالصفات المبينة في قوة القبض الفعلي للذهب من حيث الآثار القانونية وانتقال المخاطر والتمكن من التصرف، لا سيما أن سبائك الذهب في هذا العصر تحفظ في مخازن خاصة مرخصة ولها أنظمة تضبط التعامل، وتكون الجهة القائمة على المخازن بمثابة وكيل عن حامل الشهادة في حيازة سبائك الذهب وحفظها "انظر: المعايير الشرعية للمؤسسات المالية الإسلامية" (المعيار الشرعي رقم: 57).
والكثير من علميات بيع الذهب عن طريق المضاربة لا تلتزم بأي من هذه الضوابط، وعدم التزامها يؤدي إلى أزمات مالية.
وعليه؛ فإذا تم قبض الذهب بأحد الوسائل الأربعة المذكورة جاز تداولها شرعاً، وأما إذا لم تتوافر هذه الضوابط حرم تداولها.
وأما إعادة بيع السبيكة لنفس التاجر، فالأصل أن تباع لغيره حذراً من الوقوع في بيع العينة المنهي عنه، لكن لو تم البيع هكذا من غير اتفاق مسبق ولا نية على ذلك، فلا حرج في إعادة بيع سبيكة الذهب لنفس التاجر مرة أخرى دون وجود شرط مسبق على ذلك، مع مراعاة الشروط السابقة للبيع. والله تعالى أعلم.