مقالات

سلطة إصدار النقود- البتكوين أنموذجاً

الكاتب : المفتي الدكتور سعيد فرحان

أضيف بتاريخ : 21-10-2026


سلطة إصدار النقود- البتكوين أنموذجاً

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى من اتبع هداه واستن بسنته إلى يوم الدين، وبعد:

فتعد النقود في العصر الحديث عصب الحياة، وأداة من أهم الأدوات التي ابتكرها الإنسان للتعامل بها مع الغير بيسر، حيث أصبحت وسيلة التبادل السهلة المتاحة للناس كافة.

وقد مرت النقود بمراحل عديدة منذ نشأتها بعد الانتهاء من عصر المقايضة في تبادل الخدمات والسلع، وفي عصر التنزيل واستقرار أحكام الشرع، كان المال المتعامل به حينئذ الذهب والفضة، كما ظهر التعامل بالنحاس للسلع ذات القيمة المنخفضة، وفي العصور المتأخرة راج التعامل بالأوراق النقدية، حيث استقر في نهاية المطاف التعامل الاقتصادي بين الناس بها، وأصبحت المعادن الأخرى مثل الذهب والفضة خليطا بين المال والسلع.

أهمية النقود:

تُعرّف النقود بأنها أي شيء مقبول قبولاً عاماً كأداة دفع في تسوية المدفوعات مقابل السلع والخدمات وتسوية الديون[1].

وللنقود أهمية كبيرة في مجال الاقتصاد المعاصر وفي التعامل المرضي بين الناس، ويمكن إبراز أهم مزايا النقود بالآتي:

1. مقياس لقيم السلع والخدمات، مقبول قبولاً عاماً عند الجميع.

2. وسيلة للدفع ووسيط للتبادل.

3. مستودع للقيم.

إصدار النقود:

النقود عصب الحياة الاقتصادية المعاصرة، وأداة إدارتها، وعملية إدارة النقود عملية دقيقة ومعقدة، لا يسمح بالخوض فيها لأي أحد، لأنها تعد من أهم واجبات الدولة.

ونظراً لأهمية إصدار النقود وخطورة ذلك؛ لم يكن الأمر فيها يتم إلا بمعرفة وإدارة ولي الأمر، أو من يُنيبه، وهذا مما اتفقت فيه المذاهب الأربعة، وحسب التفصيل الآتي:

أولاً: في المذهب الحنفي:

جاء في [الفتاوى الهندية العالمكيرية]: "ويكره أن يلقي في النحاس دواء فيبيضه ويبيعه بحساب الفضة، وكذا ضرب الدراهم في غير دار الضرب، وإن كانت جياداً"[2].

والكراهة هنا هي كراهة تحريم؛ لأن نصوص السادة الحنفية تدل على أن سك النقود هو من اختصاص ولي الأمر، هو من يصدرها ويلغيها، قال الإمام الحصكفي الحنفي: "ومما يكثر وقوعه ما لو اشترى بقطع رائجة فكسدت بضرب جديدة، يجب قيمتها يوم البيع من الذهب لا غير؛ إذ لا يمكنُ الحكامَ الحكم بمثلها لمنع السلطان منها"[3].

ثانياً: المذهب المالكي:

حصر المالكية حق إصدار النقود والتغيير في سكتها ونحو ذلك بالسلطان، فهو من بيده سلطة إصدار النقود وتعيين سكتها وتبديلها، قال الإمام عليش: "ومن اقترض دنانير أو دراهم أو فلوساً أو باع بها، وهي سكة معروفة، ثم غير السلطان السكة وأبدلها بغيرها، فإنما عليه مثل السكة التي قبضها ولزمته يوم العقد"[4].

وجرّم المالكية العبث في سكة النقود؛ لما فيه من الإفساد على الناس، والافتئات على السلطان، قال ابن العربي المالكي رحمه الله: "قال مالك: ‌يعاقبه ‌السلطان ‌على ‌ذلك هكذا مطلقا من غير تحديد للعقوبة، وهذا في حق من كسر الدنانير والدراهم، ويشترك فيمن ضربها في غير دار الضرب بأنه من الإفساد في الأرض"[5].

أما ما ورد عن الإمام مالك في قوله: "ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى تكون لها سكة وعين، لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة"[6].

فلا يعني ذلك أن الناس لهم سلطة التعارف على نقد جديد، غاية ما في الأمر أن الإمام مالك رضي الله عنه كان يُنفّر من الربا، ويغلظ في حرمته؛ لأن أقوال السادة المالكية كلها –ومن ذلك نقول عن الإمام مالك نفسه- تحصر سلطة النقد في الإمام.

ثالثاً: في المذهب الشافعي:

تشير الكثير من النصوص عند الشافعية بأن ضرب النقود لغير السلطان مكروه، لكن هذه الكراهية ليست على إطلاقها، ففي كثير من الأحيان يكون حكم ذلك التحريم، كأن يمنع الحاكم من ضرب النقود، كما هو الحال في الزمن الحالي.

قال الامام النووي في [الروضة]: "ويكره للرعية ضرب الدراهم وإن كانت خالصة؛ لأنه ‌من ‌شأن ‌الإمام"[7].

وفي [المجموع] قال رحمه الله: "قال أصحابنا: ويكره لغير الإمام ضرب المغشوش؛ لما ذكرنا في الإمام، ولأن فيه افتئاتاً على الإمام، ولأنه يخفى فيغتر به الناس بخلاف ضرب الإمام"[8]، وفي [حاشية الشرواني على التحفة] قال رحمه الله: "ويكره ‌لغير ‌الإمام الضرب لدراهم أو دنانير، وينبغي أن يلحق بهما الفلوس للعلة الآتية بغير إذنه، ولو ضرب ذلك خالصاً؛ لأنه من شأن الإمام، ولأن فيه افتياتاً عليه وللإمام تعزيره، قال القاضي: وتعزيره للمغشوش، أشد وفي التوسط الوجه التحريم مطلقاً، ولا شك إذا زجر الإمام عنه"[9].

ومن هذه النصوص يتجه القول بالحرمة للآتي:

1. ضرب الدراهم والدنانير وسك العملة من مهام ولي الأمر؛ لما في ذلك من عظم الأمر الذي يمس قوت جميع الناس.

2. ضرب النقود من غير السلطان فيه افتئات عليه، وهذا ممنوع.

3. تصريح الشافعية أنفسهم بأن ضرب النقود يحرم إن زجر عنه ولي الأمر، ومن بديهيات الاقتصاد المعاصر حصر سك العملة بولي الأمر.

رابعاً: في المذهب الحنبلي:

نقل أبو يعلى الفراء في رواية عن الإمام أحمد رحمه الله: "لا يصلح ضرب الدراهم إلا في دار الضرب بإذن السلطان؛ لأن الناس إن رخص لهم ركبوا ‌العظائم"[10]، ثم قال: "فقد منع من الضرب بغير إذن السلطان؛ لما فيه من الافتيات عليه"[11].

مما سبق نجد أن الفقهاء الأوائل منعوا ضرب العملة إلا من قبل ولي الأمر، وهذا حين كانت النقود دنانير ذهبية ودراهم فضية، فكيف إن كانت أوراقا كسائر الورق، ولكنها تستمد قوتها من الدولة.

وفي العصر الحالي كان الموقف الفقهي والقانوني والسياسي يحصر إصدار النقود بولي الأمر (الدولة)، كما أصبحت القوانين المعاصرة تجرم إصدار النقود من قبل الأفراد، وتَعدّه تزويراً عليه عقوبات مغلظة؛ وهذه الإجراءات لحماية أموال الناس، ولحفظ الاقتصاد العام للدولة، ولا نريد أن نتحدث في ذلك كثيراً؛ فالأمر أجلى من أن نبينه.

مما سبق يظهر جلياً لنا من الناحيتين الشرعية والقانونية، أن إصدار النقود منوط بالدولة، لا بالأفراد أو حتى المؤسسات الأهلية، وهذا ينطبق على النقود بكافة أشكالها، حتى الرقمية منها التي تصدرها الدولة، وهي شكل رقمي للعملة الرسمية لأي دولة، يصدره وينظمه البنك المركزي فيها، وتكون قيمته مساوية للعملة الورقية التقليدية، ومضمونة من الحكومة[12].

وهناك عملات رقمية حديثة تصدرها جهات أهلية، وبعضها قد أُختلف في نشأتها، ومن أشهر هذه العملات: البتكوين والإيثيريوم وغيرها الكثير، ولكن أشهرها البتكوين، وهي: "وحدة اعتبارية ليس لها وجود فيزيائي، ولا تصدر عن بنك مركزي أو هيئة نقد معينة، ويمكن تحويلها وتخزينها إلكترونياً، وإصدارها يتم بواسطة حواسيب متطورة، ويتم تداولها إلكترونياً دون رقابة أو إشراف"[13].

ولا تزال مثل هذه العملات الرقمية في تطور مستمر وزيادة مضطردة، ولكن رغم كل ما يثار ويشاع عنها، ورغم قبول أغلب الناس لها، لا يمكن شرعاً عدها نقوداً وإعطاؤها ميزات الذهب والفضة، لأسباب عديدة أبرزها:

1. افتقارها لمقومات النقد المعتبر؛ حيث إنها تستمد قوتها من تعارف الناس عليها وقبولها.

2. لا تصدرها الدولة، وليست محمية بأية مرجعية معتبرة من الناحية الاقتصادية.

3. الخطورة العالية جداً من تدهور قيمتها السوقية؛ فقد تصبح قيمتها صفرية فجأة، وهذا غرر كبير.

4. لا تخضع قيمتها لمعايير اقتصادية محددة كسائر العملات الرسمية، وإنما تستمد قيمتها من العرض والطلب كسائر السلع والخدمات.

5. ومع أنها لا غطاء لها لا من الذهب، ولا من قوة الدولة، فإنها لا وجود فيزيائي لها؛ لأنها عبارة عن خوارزميات ومعادلات رياضية إلكترونية عرضة للفقد والضياع عند حصول أمر طارئ، وهذا فيه غرر وغبن قد يصلان إلى درجة التحريم.

فالبتكوين وسائر العملات المشابهة لها، فيها من الإشكالات الشرعية ما لأي باحث أن يستند عليه في منعها، سواء أقلنا إنها مال، أم قلنا إنها غير ذلك، وقد اتضح لنا مما ذكرتُ أن إصدار أي نقود والتعامل بها لا يكون إلا من ولي الأمر، وأي عملة سواء أكانت ورقية أم رقمية لا تخرج عن هذا القيد.

وفي الختام نسأل الله تعالى أن يهدينا إلى سواء السبيل.

 


[1] - النقود والمصارف والنظرية النقدية، د. هيل الجنابي، طبعة دار وائل، ص15.

[2] الفتاوى الهندية، لجماعة من العلماء، دار الفكر، (3/ 215).

[3] الدر المختار وحاشية ابن عابدين (رد المحتار)، دار الفكر- بيروت، (4 / 533).

[4] منح الجليل شرح مختصر خليل، دار الفكر- بيروت، (4 / 531).

5 انظر: ابن العربي المالكي، أحكام القرآن، دار الكتب العلمية، (9/ 88).

[6] المدونة للإمام مالك، دار الكتب العلمية، (3 / 5).

[7] النووي، روضة الطالبين، المكتب الإسلامي، (2/ 258).

[8] النووي، المجموع، دار الفكر، (6/ 11).

[9] تحفة المحتاج، ابن حجر الهيتمي، دار إحياء التراث، (3/ 268).

[10] أبو يعلى الفراء، الأحكام السلطانية، دار الكتب العلمية، ص181.

[11] أبو يعلى الفراء، الأحكام السلطانية، ص181.

[12] - انظر الموقع الرسمي لصندوق النقد الدولي https://www.imf.org/ar/publications/fandd/issues/2022/09/digital-money-101-explainer

[13] - العملات الافتراضية المشفرة، أحمد هشام النجار، دار النفائس، ص32.

رقم المقال [ السابق ]

اقرأ للكاتب




التعليقات



تنبيه: هذه النافذة غير مخصصة للأسئلة الشرعية، وإنما للتعليق على الموضوع المنشور لتكون محل استفادة واهتمام إدارة الموقع إن شاء الله، وليست للنشر. وأما الأسئلة الشرعية فيسرنا استقبالها في قسم " أرسل سؤالك "، ولذلك نرجو المعذرة من الإخوة الزوار إذا لم يُجَب على أي سؤال شرعي يدخل من نافذة " التعليقات " وذلك لغرض تنظيم العمل. وشكرا


Captcha