مقالات

أثر الفتوى على النفس

الكاتب : الباحث عبدالرحمن أبو يابس

أضيف بتاريخ : 02-11-2026


أثر الفتوى على النفس

ليست الفتوى مجرّد كلام عابر يجريه المفتي على لسانه دون أن يكون لهذا الكلام أي أثر على قلب ونفس وحال المستفتي، فالفتوى باعتبارها بيانٌ للحكم الشرعي للناس، تلقي بظلالها على نفس المستفتي وقلبه بل وروحه، لذلك اعتنى العلماء منذ القديم ببيان خطر الفتوى، وشددوا على ضرورة أن يكون المفتي عالماً بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وباللغة العربية، ومما شدّدوا على ضرورة تواجده لدى المفتي أيضاً، أن يكون على دراية بأحوال الناس وعاداتهم وطرائق تفكيرهم ونفوسهم لكي تكون الفتوى مناسبة للواقع الذي يعيشونه.

قال الإمام النووي رحمه الله: "الإفتاء عظيم الخطر، كبير الموقع، كثير الفضل؛ لأن المفتي وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وقائم بفرض الكفاية، لكنه معرض للخطأ، ولهذا قالوا: المفتي موقع عن الله تعالى"([1]).

فالفتوى باعتبارها عملية تفاعلية بين المفتي والمستفتي، تتيح للمفتي من خلالها الدخول إلى أعماق نفس المستفتي، ومعرفة ما تعانيه هذه النفس من أمراض، وما تحتاجه من تصويب أو تهذيب، وما يناسبها من فتوى.

ولا يغيب عن الأذهان ما للفتوى من دور مهم في بث الطُمأنينة والسكينة في نفوس المستفتيين، إذ إن الفتوى إذا صدرت من أهلها المعتبرين حلّت إشكالات نفسية كثيرة يعاني منها كثير من الناس، مثل: الاكتئاب، وعقدة الذنب، والوسواس القهري، ووساوس الطهارة وغيرها الكثير.

وقد ورد في السنة النبوية كثيرٌ من الأحاديث التي جاءت على ذكر الأثر النفسي الذي تحدثه الفتوى في النفس: فمن ذلك على سبيل المثال: ما رواه وابصة بن معبد الأسدي قال: أتيتُ رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فقال: (جئتَ تسألُ عن البرِّ والإثمِ؟ قال: نعم، فقال: استفتِ قلبكَ: البرُّ ما اطمأنت إليهِ النفسُ، واطمأنَ إليهِ القلبُ، والإثمُ ما حاكَ في النفسِ وترددَ في الصدرِ، وإن أفتاكَ الناسُ وأفتوكَ)([2]).

فهذه الأحوال التي تصيب القلب عند تلقي المسلم للفتوى، تعطي ذلك المسلم مؤشرات ودلالات لما سيقدم عليه من عمل.

وقوله: "والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس" يعني: هو الشيء الذي يورث نفرة في القلب، وهذا أصل يتمسك به لمعرفة الإثم من البر: إن الإثم ما يحوك في الصدر ويكره صاحبه أن يطلع عليه الناس"([3]).

فالمسلم وهو يتلقى الفتوى يجعل من نفسه ميزاناً يقيس به ما تحدثه الفتوى في نفسه من سكون واطمئنان فيقدم على العمل، أو من حيرة واضطراب فيحجم عنه.

قال القاضي عياض رحمه الله: "المعنى أن الشيء إذا أشكل على السالك والتبس ولم يتبين أنه من أي القبيلين هو، فليتأمل إن كان من أهل الاجتهاد، وليسأل المجتهدين إن كان من المقلدين، فإن وجد ما يسكن إليه نفسه، ويطمئن به قلبه، وينشرح به صدره، فليأخذ به وليختره لنفسه، وإلا فليدعه وليأخذ بما لا شبهة فيه ولا ريبة"([4]).

فلنتأمل كيف أرشد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك السائل الذي قد يشكل عليه بعض الأمور في دينه، إلى أن ينظر ما تحدثه الفتوى في القلب من انشراح وفي النفس من طمأنينة، وللنظر إلى ذلك الربط الوثيق بين الفتوى والنفس البشرية.

إن أحكام الإسلام بما تنطوي عليه من تيسير وتبشير ورفع للحرج عن الناس تجعل النفس تستقبل هذه الفتاوى والأحكام بانشراح وطمأنينة، فكيف إذا أضفنا لذلك بيان الحكم والمقاصد المرجوة من هذه الأحكام، فلا شك حينها أن النفس تزداد اطمئناناً وقناعة بأن هذه الأحكام ما جاءت إلا من لدن حكيم خبير، وما جاءت إلا لمصلحة هذا الإنسان وللحفاظ على ضروراته الخمس: الدين، والنفس، والنسل، والمال، والعقل.

إن الإحاطة بالجانب النفسي لدى طالب الفتوى، تجعل الفتوى أكثر انضباطاً ودقةً وملامسة لحاجات الإنسان مما يشعره برحمة الله وتيسيره على العباد، هذا الشعور يجعل الإنسان يقبل على هذا الدين بحب واقتناع، وإن إغفال الجانب النفسي لدى المستفتي قد يتسبب في إشكالات كثيرة ومآلات خطيرة تضر بحياة الناس وتوقعهم في الحرج الذي جاء الشرع الحنيف ليرفعه عنهم، وهذا بدوره يتسبب في نفور كثير من الناس عن الالتزام بأحكام الإسلام، بل ومنهم والعياذ بالله من قد ينبت عن هذا الدين وينقطع عن التزام أحكامه تحت وطأة الفتاوى المتشددة غير المبنية على منهج علمي قويم.

وقد جاء في الحديث الصحيح الذي أخرجه الإمام البخاري ومسلم([5]) قصة ذلك الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، وعندما سأل هل له من توبة، فأفتاه من أفتاه بأنه لا توبة له، فأصابه على إثر ذلك حالة من اليأس والقنوط فكمّل به المئة، ولكن عندما سأل من هو أفقه، وأخبر بالحالة النفسية لهذا القاتل فأجابه بما أعطاه الأمل بالنجاة، وأرشده إلى تغيير بيئته إلى بيئة صالحة، فانعكس ذلك على سلوك هذا القاتل أملاً واستبشاراً برحمة الله تعالى، وكان من أمره أن ذهب لقرية صالحة ليعبد الله تعالى مع أهلها، فمات في الطريق فقبضته ملائكة الرحمة. 

ومن ناحية أخرى نجد أن الفتوى المؤسسية المنضبطة تحمي نفس المؤمن من التشتت والحيرة والاضطراب الذي تسببه الفتاوى الشاذة التي تصدر من غير المؤهلين عبر الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي.

فالمسلم المعاصر وهو يتقلب بين مواقع التواصل الحديثة، لا بد أن يصطدم بوجود الغث والسمين من الفتاوى المنتشرة هنا وهناك، مما قد يشعره بالحيرة والقلق والاضطراب، أو فقدان الثقة ما دام أنه لا يوجد عنده مرجعية موثوقة يأخذ عنها الفتوى المنضبطة.

وأيضاً تساهم الفتوى المنضبطة في ضبط نفس الإنسان وتهذيبها، فالنفس البشرية تميل بطبعها إلى الراحة والدعة والشهوة، ولا تحب التكاليف والالتزام، وقد تلجأ في سبيل تحقيق هذه الغاية في بعض الأحيان إلى التحايل، أو تجيير بعض الأحكام لصالحها، لكننا نجد أن الفتاوى المؤسسية المؤطرة علمياً تضبط هذه النفس عن مثل هذه الممارسات، فلا تدع مجالاً للتلاعب أو التحايل.

لأجل ذلك كله كان لزاماً على كل من يتصدر للفتوى أن يكون عالماً بخبايا هذه النفس، مطلعاً على عيوبها وأمراضها، لتكون فتواه مناسبة لحال من يستفتيه.

وحريٌ بنا كمجتمع أن نجعل الفتوى معياراً نقوّم به نفوسنا، ونحصن بها هذه النفوس من الأمراض ومن الوقوع في الحيرة والاضطراب، أو التحلل والانفلات.

وأخيراً فإن الفتوى بما تشكله من سياج يحمي النفس مما يضرها تمثل قاعدة مهمة من قواعد الصحة النفسية في العصر الحديث، والتي لا ينبغي إغفالها.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

 


[1] النووي، أبو زكريا محيي الدين يحيى بن شرف، آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، تحقيق: بسام عبد الوهاب الجابي، الناشر: دار الفكر – دمشق، ط1، ص13.

[2] أخرجه أحمد 29/ 533، والدارمي 3/ 1649.

[3] ابن دقيق العيد، تقي الدين أبو الفتح محمد بن علي بن وهب بن مطيع القشيري، شرح الأربعين النووية في الأحاديث الصحيحة النبوية، الناشر: مؤسسة الريان، 2003، ط6، ص94.

[4] القاري، علي بن (سلطان) محمد، أبو الحسن نور الدين الملا الهروي، مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح، الناشر: دار الفكر، بيروت – لبنان، 2002، ط1، ج5، ص1900.

[5] أخرجه البخاري 4/ 174، ومسلم 4/ 2118.

رقم المقال [ السابق ]




التعليقات



تنبيه: هذه النافذة غير مخصصة للأسئلة الشرعية، وإنما للتعليق على الموضوع المنشور لتكون محل استفادة واهتمام إدارة الموقع إن شاء الله، وليست للنشر. وأما الأسئلة الشرعية فيسرنا استقبالها في قسم " أرسل سؤالك "، ولذلك نرجو المعذرة من الإخوة الزوار إذا لم يُجَب على أي سؤال شرعي يدخل من نافذة " التعليقات " وذلك لغرض تنظيم العمل. وشكرا


Captcha