نماذج من التخيير في الهدي النبوي: مقاصد تربوية إيمانية
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فلم تزل سيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم، المرجع المضيء والسراج المنير الذي يستمد منه سائر المسلمين صغيرهم وكبيرهم، عالمهم وجاهلهم، مبادئ الأخلاق والقيم البناءة، التي تبني الفرد والمجتمع، على أحسن صورة وأبهى حلة، بحيث تظهر جمالية هذا الدين على صورة أفعال وتطبيقات عملية تلامس الواقع؛ فيراها الناس أجمعين مسلمهم وكافرهم، فيزداد المسلم إيماناً وثباتاً ورسوخاً في دينه، ويتغيّر غير المسلم ويحيد عن بعض أفكاره المغلوطة تجاه هذا الدين، هذا إن لم تتغير كلها ويصبح واحداً من المسلمين، له ما لهم وعليه ما عليهم.
وقد أشار الله عز وجل في كلامه الذي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيد) [فصلت: 42] إلى أهمية الأخلاق والقيم والمبادئ ودورها في التأثير والإقناع، وأثرها ومدى فاعليتها العظيمة في نفس المتلقي، فقال سبحانه: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ) [آل عمران: 159]، وفي الحديث الذي رواه الترمذي وحسنه، عن جابر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إن من أحبِّكم إليَّ، وأقربِكم مني مجلسًا يوم القيامة، أحاسنَكم أخلاقًا).
وفي هذا المقال أشير على وجه الاختصار، إلى مقاصد جليلة، منها التربوي الأخلاقي، ومنها الإيماني الروحي، وهي موجودة بوفرة في سيرة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم العطرة، وأبدع الباحثون والكتاب في استخراجها وشرحها، لكن يتميز هذا المقال عن غيره، بأنه يظهر هذه المقاصد من خلال مجموعة من المواقف والأحداث والتي هي عبارة عن اختيارات اختارها النبي صلى الله عليه وسلم، ومال إليها وأعرض عن غيرها، يمكن حين جمعها ودراستها أن تستخرج صورة عامة عن خلقه وشخصيته صلى الله عليه وسلم، وقد انتبهت إلى بعض هذه الاختيارات التي اختارها ومال إليها النبي صلى الله عليه وسلم أمنا عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما، واستنتجت قاعدة عامة في خلقه صلوات ربي وسلامه عليه، حيث قالت: "ما خُيِّرَ النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بينَ أمرَينِ إلَّا اختارَ أيسَرَهما ما لم يَأثَمْ، فإذا كان الإثمُ كان أبعَدَهما منه"[1]، ويا لله ما أعظمها من قاعدة نبوية أخلاقية وتربوية جليلة، فيها الجمع بين اليسر واللين من جهة، والوقوف عند حدود الله عز وجل من جهة أخرى، فيها مراعاة ضعف الإنسان المضبوط بضابط التقوى والخشية من الله عز وجل، وفي هذا المعنى قال ابن عبد البر في التمهيد: "في هذا الحديث دليل على أن المرء ينبغي له ترك ما عسر عليه من أمور الدنيا والآخرة، وترك الإلحاح فيه إذا لم يضطر إليه، والميل إلى اليسر أبداً، فإن اليسر في الأمور كلها أحب إلى الله وإلى رسوله، قال تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) [البقرة: 185]"[2]، وقد نقل بعد هذا الكلام الرصين بعضاً من عبارات السلف التي تدل على حسن فهمهم لهذا المبدأ الأخلاقي النبوي الجليل، فروى عن محمد بن سلام أنه قال: "ينبغي للعالم أن يحمل الناس على الرخصة والسعة، ما لم يخف المأثم"[3]، وكذا روى عن معمر بن راشد أنه قال: "إنما العلم أن تسمع بالرخصة من ثقة، فأما التشديد فيحسنه كل أحد"[4].
ويجدر إنباه القارئ الكريم إلى أمرين اثنين: الأول أن النماذج المذكورة من سيرته العطرة عليه الصلاة والسلام ليست جميعها خاصة بجانب واحد فقط كاليسر والتخفيف مثلاً، كما في حديث عائشة رضي الله عنها المذكور آنفاً، بل هناك نماذج يُلتمس فيها معانٍ أخرى جديرة بالاهتمام، يستفاد منها فوائد تربوية وإيمانية، كتفضيله الفطرة على ما يخالفها، وتفضيله الآخرة على الدنيا وزينتها، وتفضيله لجبر الخواطر ومراعاة الصحبة على القرابة والعشيرة، كما سيتم بيانه بالتفصيل في وقته إن شاء الله.
وأما الأمر الثاني أن هذه الأمثلة ليست حصراً، فقد اخترت الشيء اليسير مما اختاره عليه الصلاة والسلام، الذي يعطي القارئ تصوراً عاماً عن هذا الموضوع، وما هو إلا جهد المقل، وبالله التوفيق، وعليه التوكل والاعتماد.
فأول هذه النماذج من سيرته العطرة عليه الصلاة والسلام، التي تعطيك -أخي القارئ- مدى عظيم رحمة النبي صلى الله عليه وسلم بأمته، اختياره الشفاعة وتفضيلها على دخول نصف أمته الجنة، لكون الشفاعة أعم وأشمل، مراعاة لمبدأ تربوي وهو مبدأ الرحمة بسائر الخلق وحبه لهدايتهم ورغبته لإنقاذهم من عذاب الله في الآخرة، ودعوة منه عليه الصلاة والسلام لكثرة التوبة والإنابة والرجوع إلى الله عز وجل، فقد روى ابن ماجه في سننه، عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (خيرت بين الشفاعة، وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة، فاخترت الشفاعة، لأنها أعم وأكفى، أترونها للمتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين، الخطائين المتلوثين)[5]، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أترونها للمتقين؟ لا)، ليس المقصود نفي استحقاق المتقين للشفاعة، بل نفي كونها خاصة بهم فحسب، فتشملهم وتشمل من هم دونهم من أهل المعاصي والكبائر والذنوب، قال الصنعاني: "فإنه -أي الحديث- عام لكل أمة الإجابة، ولفظه شامل لمن مات مصراً على الكبائر مستوجباً للنار، ولمن تساوت حسناته وسيئاته فلم يستوجب أحد الدارين، وشامل لمن لم يستحق في الجنة رفع درجاته، ولمن أدخل النار بذنوبه، وشفع في التحقيق عنه فإنه يصدق على الكل إنه مات غير مشرك بالله، وأدلة ثبوت الشفاعة لهذه الأنواع ثابتة واسعة"[6]، ويؤيد هذا الكلام ما قاله الطيبي: "والشفاعة خمسة أقسام، أولها: مختصة بنبينا صلى الله عليه وسلم وهي الإراحة من هول الموقف وتعجيل الحساب، الثانية: في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وهذه أيضًا وردت في نبينا صلى الله عليه وسلم، الثالثة: الشفاعة لقوم استوجبوا النار فيشفع فيهم نبينا صلى الله عليه وسلم ممن يشاء الله تعالى، الرابعة: الشفاعة فيمن يدخل النار من المذنبين... الخامسة: الشفاعة في زيادة الدرجات في الجنة لأهلها، وهذه لا ننكرها أيضًا"[7].
ولك أن تتخيل عظيم هذه الرحمة التي تجلت في النموذج الثاني مما اخترته، مع أهل الطائف الذين آذوه وطردوه، ويخرج من عندهم قد امتلاً قلبه حزناً وكمداً على عدم قبولهم لدعوته، خوفاً عليهم ورحمة بهم من عذاب الله جل وعز، وهنا يخير من قبل ملك الجبال بين العفو عنهم أو تعجيل العقوبة لهم فيختار العفو صلوات ربي وسلامه عليه، فقد أخرج البخاري ومسلم عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ قال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث الله إليك ملك الجبال، لتأمره بما شئت فيهم، فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمد، فقال: ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئاً)[8] نعم لم تقتصر رحمته عليه الصلاة والسلام بالقوم فحسب بل تعدت إلى نطفهم وأصلابهم، في إشارة بالغة الأهمية أنه نبي الرحمة المهداة ونبي المرحمة لا نبي الملحمة.
وتتجلى هذه المقاصد التربوية والإيمانية بوضوح في قصة أسرى بدر ومشاورة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في اتخاذ القرار المناسب بحقهم، واختياره للفداء بدلاً من قتلهم في صورة تتجلى فيها الرحمة والرأفة، روى مسلم في صحيحه[9]: (فلما أسروا الأسارى، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر: (ما ترون في هؤلاء الأسارى؟) فقال أبو بكر: يا نبي الله! هم بنو العم والعشيرة، أرى أن تأخذ منهم فدية، فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما ترى يا ابن الخطاب؟) قلت: لا والله! ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم... فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها.
فهَوِيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر، ولم يَهوَ ما قلت، فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان، قلت: يا رسول الله! أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت، وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة، وأنزل الله عز وجل: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ* لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ* فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [الأنفال: 67-69]، فأحل الله الغنيمة لهم)، وهنا يلمح القارئ بوضوح مقصداً إيمانياً جليلاً؛ فالعتاب والوعيد في الآية الكريمة لم يكن لنبينا المعصوم صلى الله عليه وسلم الذي اختار الفداء طمعاً في إسلامهم ورحمة بهم، وإنما توجه العتاب لبعض من أراد عرض الدنيا الزائل من الجيش؛ ولذلك لم ينزل الوحي بترجيح رأيٍ على آخر ابتداءً، بل أقر خيار الفداء والمرحمة آخراً بقوله: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا)، قال أبو العباس القرطبي رحمه الله: "ذلك (أي العتاب والوعيد) إنما توجه على من أراد بفعله عرض الدنيا، ولم يرد الدِّين، ولا الدَّار الآخرة، بدليل قوله تعالى: (تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ) [الأنفال: 67]، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ، ولا أبو بكر، ولا من نحا نحوهما ممن يريد عرض الدنيا، فالوعيد والتوبيخ متوجهان إلى غيرهم ممن أراد ذلك وهذا أحسن الأقوال"[10].
وعوداً إلى اختياراته عليه الصلاة والسلام، ففي جانب الفطرة وما يناسب الإنسان في أصل خلقته التي جبله الله عليها، تتجلى هذه بوضوح في حديث الإسراء والمعراج، تحديداً اختياره اللبن وتفضيله على الخمر، فقد روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فأتيت بإناءين في أحدهما لبن وفي الآخر خمر. فقيل لي: خذ أيهما شئت. فأخذت اللبن فشربته. فقال جبريل: هديت الفطرة. أو أصبت الفطرة. أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك)[11]، فقد اختار اللبن عليه الصلاة والسلام؛ لأنه يناسب أصل خلقة الإنسان التي فطره الله عز وجل عليها، بخلاف الخمر التي حصل فيها التدخل البشري فتغيرت عن أصل خلقتها وصارت مسكرة مذهبة للعقل، وفيه إشارة إلى ضرورة محافظة الإنسان على عقله الذي هو مناط التكليف وكرمه الله به، وبه تسمو أخلاقه ومبادؤه وقيمه، قال الإمام النووي رحمه الله: "وقوله: اخترت الفطرة، فسروا الفطرة هنا بالإسلام والاستقامة، ومعناه والله أعلم اخترت علامة الإسلام والاستقامة، وجعل اللبن علامة لكونه سهلاً طيباً طاهراً سائغاً للشاربين سليم العاقبة، وأما الخمر فإنها أم الخبائث وجالبة لأنواع من الشر في الحال والمآل"[12]، وفيه إشارة أخرى إلى رفعة مقام النبي صلى الله عليه وسلم باختياره الحلال ورفضه للحرام، قال تاج الدين السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب: "التخيير بين واجب وحرام إنما يمتنع إذا كان المخاطب ممن لا يبعد إتيانه لكل منهما، أما إذا امتنع عليه الإتيان بالحرام، وعصم عنه فلا، فإن قلت: وأي فائدة فيه حينئذ؟ قلت: رفع درجته بكونه قد تعاطى اختيار الحلال"[13]، وهذا من حسن فهمه ودقة علمه رحمه الله.
وأما في جانب مقصد الزهد والتواضع لله عز وجل، نرى بوضوح اختياره عليه الصلاة والسلام أن يكون عبداً رسولاً، لا ملكاً رسولاً؛ إذ العبودية لله تبارك وتعالى هي أشرف المنازل وأعلاها، لذلك يعلمنا النبي صلوات ربي وسلامه عليه أن نكون عبيداً لله في كل سكنة ولحظة وحركة وكلمة في حياتنا لا عبيداً لغيره، روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: جلس جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فنظر إلى السماء، فإذا ملك ينزل، فقال جبريل: إن هذا الملك ما نزل منذ يوم خلق، قبل الساعة. فلما نزل قال: يا محمد، أرسلني إليك ربك، أفملكاً نبياً يجعلك، أو عبداً رسولاً؟ قال جبريل: تواضع لربك يا محمد، قال: (بل عبداً رسولاً)[14].
هذا ومع ثبوت الخيرية في كلا الخيارين، ولكن الأفضلية ثبتت فيما اختاره عليه الصلاة والسلام، والفرق بين الخيارين شرف منزلة العبودية لله خير من الملك، قال ابن كثير رحمه الله في تفسيره: "لما خُيِّر بين أن يكون عبداً رسولاً وهو الذي يفعل ما يؤمر به وإنما هو قاسم يقسم بين الناس ما أمره الله به وبين أن يكون ملكاً نبياً يعطي من يشاء ويمنع من يشاء بلا حساب ولا جناح، اختار المنزلة الأولى بعد ما استشار جبريل فقال له: تواضع فاختار المنزلة الأولى؛ لأنها أرفع قدراً عند الله وأعلى منزلة في المعاد وإن كانت المنزلة الثانية وهي النبوة مع الملك عظيمة أيضاً في الدنيا والآخرة، ولهذا لما ذكر تعالى ما أعطى سليمان في الدنيا نبه على أنه ذو حظ عظيم عند الله يوم القيامة أيضاً"[15].
وفي جانب جبر الخواطر وحفظ المعروف لأهله، يتجلى ذلك الموقف العظيم كالشمس في كبد السماء، بعد غزوة حنين وحان تقسيم الغنائم، ولم يكن للأنصار حظ من الغنائم، فوجدوا في صدورهم شيئاً على النبي صلوات ربي وسلامه عليه وقام خطيباً فيهم، واختارهم وفضلهم وفضل المدينة على غيرهم، ولنترك بقية القصة كما رويت في كتب السنة؛ فللحديث النبوي عند سماعه كما هو لذة تفوق كل لذة، روى الإمام أحمد في مسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: لما أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعطى من تلك العطايا في قريش وقبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء، وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت فيهم القالة، حتى قال قائلهم: لقي رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه، فدخل عليه سعد بن عبادة فقال: يا رسول الله، إن هذا الحي قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك، وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحي من الأنصار شيء.
قال عليه الصلاة والسلام: (فأين أنت من ذلك يا سعد؟)
قال: يا رسول الله ما أنا إلا امرؤ من قومي، وما أنا؟
قال عليه الصلاة والسلام: (فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة)
فخرج سعد، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، فجاء رجال من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار.
قال: فأتاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فحمد الله، وأثنى عليه بالذي هو له أهل، ثم قال: (يا معشر الأنصار، ما قالة بلغتني عنكم وَجِدَةٌ وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلالا فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟)
قالوا: بل الله ورسوله أمن وأفضل.
قال: (ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟)
قالوا: وبماذا نجيبك يا رسول الله، ولله ولرسوله المن والفضل.
قال: (أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم وصدقتم، أتيتنا مكذباً فصدقناك، ومخذولا فنصرناك، وطريداً فآويناك، وعائلاً فآسيناك، أوجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار في لعاعة من الدنيا، تألفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله في رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس شعباً، وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار).
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله قسماً وحظاً. ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرقوا[16].
يظهر لك أخي القارئ من الحديث السابق الذي يقطر عاطفة جياشة وأدباً جماً وذوقاً نبوياً رفيعاً، كيف عالج النبي صلوات ربي وسلامه عليه الحدث، بحفظ الجميل للأنصار وجبر قلوبهم المكسورة التي ظنت أن النبي صلوات ربي وسلامه عليه قد زهد فيهم وتركهم، رغبة في العودة إلى مكة المكرمة بين أهله وعشيرته!
وشبيه بهذا الحدث ما حصل من جبر لخواطرهم في فتح مكة عندما تسرب الخوف إلى قلوب الأنصار من بقائه صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة، فطمأنهم بقبوله خيار العودة معهم قائلاً: (المحيا محياكم، والممات مماتكم)، ليتعلم المسلم لزوم حفظ الجميل والعرفان لمن وقف معه في الشدائد وتطييب خاطرهم، فهذا شأن أهل المقامات الرفيعة والمنازل العالية.
قال الإمام شيخ الإسلام النووي رحمه الله معلقاً على هذا الحديث: "فلما قال لهم هذا بكوا واعتذروا وقالوا: والله ما قلنا كلامنا السابق إلا حرصاً عليك وعلى مصاحبتك، ودوامك عندنا لنستفيد منك ونتبرك بك وتهدينا الصراط المستقيم، كما قال الله تعالى: (وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) [الشورى: 52]... وكان بكاؤهم فرحاً بما قال لهم وحياءً مما خافوا أن يكون بلغه عنهم مما يستحى منه"[17].
وفي مقام زهده في الدنيا ونبذها وراء ظهره، وتفضيله الرفيق الأعلى على زهرة الدنيا، يظهر جلياً في موقفين اثنين:
الأول: روى البخاري ومسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس على المنبر فقال: (إن عبداً خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده)[18]. فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا. فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ، يخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن عبد خيره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المخير، وكان أبو بكر هو أعلمنا به.
والثاني: روى ابن حبان والبخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها قالت: أغمي على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورأسه في حجري، فجعلت أمسحه، وأدعو له بالشفاء، فلما أفاق، قال صلى الله عليه وسلم: (لا، بل أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل)[19].
والظاهر من الروايتين أنه خيّر مرتين، مرة في خطبة الوداع، والأخرى عند الوفاة وهو في حجر أمنا عائشة الصديقة بنت الصديق رضي الله عنهما، قال ابن رجب الحنبلي: "ولم يقبض صلى الله عليه وسلم حتى خيّر مرة أخرى بين الدنيا والآخرة"[20]، ولنا في اختياره عبرة أن نختار الآخرة ونهجر الدنيا وزينتها وراء ظهورنا، ولا يعني تركها لغيرنا بل تحصيلها باليد مع تخلية القلب بينه وبينها.
جزى الله نبينا خيراً، فقد أدى الأمانة وبلغ الرسالة وجاهد في سبيل الله حق الجهاد حتى أتاه اليقين، وضحى بنفسه وماله لأجل أن يصل هذا الدين إلينا أنا وأنت أيها القارئ الكريم، فخذ بتلابيب سنته، وتمسك بهديه، واقبض على جمر أمره ونهيه، فإنها النجاة، ولا نجاة في غيرها.
هذا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
[1] البخاري: صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل، تحقيق مصطفى البغا، دار ابن كثير، ط 5، حديث رقم (3367).
[2] التمهيد، (5/ 451).
[3] المرجع السابق، (5/ 452).
[4] المرجع السابق، (5/ 452).
[5] ابن ماجه، سنن ابن ماجه، محمد بن يزيد، تحقيق شعيب الأرنؤوط، دار الرسالة العالمية، ط1، حديث رقم (4311).
[6] التنوير شرح الجامع الصغير، (1/ 289).
[7] شرح المشكاة، (11/ 3546).
[8] البخاري: صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل، تحقيق مصطفى البغا، دار ابن كثير، ط 5، حديث رقم (3059).
[9] مسلم، صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج، تحقيق محمد فؤاد عبد الباقي، رقم الحديث (1763).
[10] المفهم لم أشكل من تلخيص كتاب مسلم، (3/ 580).
[11] البخاري: صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل، تحقيق مصطفى البغا، دار ابن كثير، ط 5، حديث رقم (3254).
[12] شرح النووي على مسلم، (2/ 212).
[13] رفع الحاجب عن مختصر ابن الحاجب، (1/ 511).
[14] أحمد، مسند أحمد، أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط، دار الحديث، ط 1، حديث رقم (7160).
[15] تفسير ابن كثير، (7/ 74).
[16] أحمد، مسند أحمد، أحمد بن حنبل، تحقيق شعيب الأرنؤوط، دار الحديث، ط 1، حديث رقم (11730).
[17] شرح النووي على مسلم، (12/ 129).
[18] البخاري: صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل، تحقيق مصطفى البغا، دار ابن كثير، ط 5، حديث رقم (3691).
[19] ابن حبان، صحيح ابن حبان، محمد بن حبان التميمي، تحقيق محيمد علي سونمز، خالص آي دمير، دار ابن حزم، ط 1، حديث رقم (7355).
[20] لطائف المعارف، (ص261).