أثر فوات المنفعة في تقدير دية الأعضاء
الحمد لله يعز من يشاء ويذل من يشاء، والصلاة والسلام على من بالهدى قد جاء، وعلى آله وصحبه الأتقياء، وعلى من دعا بدعوته واستن سنته إلى يوم اللقاء، وبعد:
فقد أنزل الله عز وجل دين الإسلام للناس كافة؛ ليعرفوه ويعبدوه سبحانه وتعالى، كما أنزله لتنظيم حياة الناس وحمايتهم من كل مكروه، وكان مما شرعه الله عز وجل ردعاً للجريمة وحماية لدماء الناس وأعراضهم العقوبات، وهذه العقوبات منها البدني ومنها المالي، وهذا من حِكم التشريع العلية حيث تختلف الناس في أطباعهم؛ فمنهم من تردعه العقوبة، ومنهم من تردعه الغرامة المالية.
وتعد الدية من أظهر صور الغرامة المالية التي شرعها الله تعالى ردعاً للجاني، وتعويضاً وجبراً للمجني عليه، وأحكامها مبسوطة في كتب الفقه.
ومن المثبت شرعاً أن من أسباب وجوب الدية الاعتداء على عضو من أعضاء الإنسان كاليد والرجل واللسان... إلخ، فإذا اعتدى شخص على آخر فقطع يده تجب الدية في حال الخطأ، وفي حالة العمد قد تجب في حالة الصلح، لكن كيف هو الحال عند الاعتداء على يد فقدت منفعتها؟ بمعنى أن الجناية بالقطع كانت على يد شلاء، أو شخص قطع لسانَ إنسانٍ أخرس، فهل يُعامل العضو فاقد المنفعة معاملة العضو الكامل، أم إن ذلك يؤثر على وجوب الدية فلا تجب كاملة؟
الجناية على عضو فاقد للمنفعة
إذا كانت الجناية على عضو فاقد لمنفعته تماماً وكان المعتدي سليماً، كأن قطع شخصٌ سليمٌ يداً شلاء، أو قطع السليم لسان أخرس، أو قلع عين أعمى، فقد اختلف الفقهاء في مقدار ما يجب من دية ذلك العضو لو فُرض سليماً على أقوال:
ذهب الجمهور إلى عدم وجوب كامل الدية لذلك العضو في هذه الحالة، وإنما أوجبوا فيها حكومة يقدرها أهل الخبرة، قال الإمام الموصلي الحنفي: "واليد الشلاء، والعين العوراء، والرجل العرجاء، والسن السوداء، والأصبع الزائدة حكومة عدل... لعدم فوات المنفعة، ولا جمال في السن السوداء، ولا منفعة في الأصبع الزائدة، وإنما وجبت حكومة عدل تشريفا للآدمي؛ لأنه جزء منه"[1].
وذهب الحنابلة إلى وجوب ثلث دية اليد الشلاء إذا قطعت، وكذلك في الجناية على كل عضو فاقد لمنفعته فيه ثلث دية ذلك العضو، قال الإمام المرداوي: "ووجوب ثلث الدية في اليد الشلاء، والذكر الأشل، والعين القائمة، والسن السود، وذكر الخصي، والعنين، ولسان الأخرس: من مفردات المذهب"[2].
وذهب بعض التابعين مثل الحسن البصري إلى وجوب كامل دية اليد الشلاء، وعللوا ذلك بأن صورة العضو قائمة وإن ذهبت منفعته، كما أن إبانة العضو تشويه يوجب كمال الدية[3].
وهذا كلام له حظ من النظر؛ لأن الجناية والاعتداء حاصل في أصله وصورته، ثم إن العضو له جمال ومنفعة، فإن عدم الاعتداء على المنفعة فليكن للجمال اعتبار.
وهذه الأحكام إذا كان العضو فاقداً لمنفعته تماماً، أما إن كان على خلاف ذلك بأن بقي بعض النفع في العضو ولو يسيراً؛ كأن كانت اليد شلاء بنسبة معينة بحيث يستطيع الإمساك بها، أو كان الأخرس يتذوق بلسانه وشبه ذلك، ففي هذه الحالة اختلف الفقهاء على قولين:
القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى وجوب كامل دية العضو الذي بقي فيه منفعة معتبرة ولو يسيرة، مثل القدرة على الإمساك باليد الشلاء أو البطش بها ولو بصورة ضعيفة، أو إن كان لسان الأخرس فيه التذوق[4].
القول الثاني: قال به المالكية بأن الاعتداء على اليد الشلاء إن كان بها بعض الحركة، أو لسان الأخرس الذي فيه منفعة يسيرة لا تجب فيها الدية، وإنما يُزاد في الحكومة بمقدار المنفعة المتحصلة[5]، أما إن قويت المنفعة كأن كانت اليد الشلاء بها نفع بيّن، أو كان في لسان الأخرس الذوق فتجب الدية، قال الإمام الدردير "واليد الشلاء: التي لا نفع بها أصلاً، في قطعها حكومة، فإن كان بها نفع فكالسليمة في القصاص والدية"[6].
والذي نميل إليه هو قول الجمهور؛ لأن المنفعة الموجودة فعلياً في العضو غير منضبطة، ويصعب قياسها بشكل دقيق، والأسلم أن نوجب كامل الدية عند وجود المنفعة.
عين الأعور
إذا اعتدى شخص على عين أعور، لا يرى إلا بعين واحدة، وأوجبنا ديتها، فهل تجب نصف الدية باعتبارها عضو له نظير مكمل، أم تجب الدية كاملة باعتبارها العين الوحيدة؟
اختلف الفقهاء في ذلك؛ فالجمهور على أن فيها نصف الدية، وقال الإمام مالك أن فيها الدية كاملة، قال الإمام ابن رشد الحفيد: "وأما عين الأعور فللعلماء فيه قولان:
أحدهما: أن فيه الدية كاملة، وإليه ذهب مالك وجماعة من أهل المدينة. وبه قال الليث، وقضى به عمر بن عبد العزيز وهو قول ابن عمر.
وقال الشافعي، وأبو حنيفة، والثوري: فيها نصف الدية كما في عين الصحيح، وهو مروي عن جماعة من التابعين"[7].
وتعليل الإمام مالك أن الاعتداء على عين الأعور هو اعتداء على البصر بأكمله، حيث إنه لا يرى إلا بالعين المعتدى عليها، فكأن الاعتداء كان على حاسة البصر، وحجة الجمهور حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (في العين نصف الدية)؛ لأنها عضو من زوجين فقسمت الدية عليهما، ولا يغيّر في ذلك ذهاب عين منهما، واستدلوا أيضاً بإجماع الفقهاء على أن من قطع يد من ليس له غيرها أن عليه نصف الدية.
ومما يؤيد رأي الجمهور: أن الاعتداء حقيقة كان على عين واحدة، سواءً أكان خطأً أم عمداً، فكيف نعاقبه بما يُعاقب به من اعتدى على عينين اثنتين؟
وهذه الأحكام الفقهية على اختلافها تبين أن الفقهاء رضوان الله عليهم لم يغفلوا عن أي جانب سواء فقهي أو اجتماعي أو اقتصادي، ومما يستأنس به على أن الفقهاء لم يسووا بين العضو السليم وغير السليم، أقوالهم في اعتداء صاحب العضو ناقص المنفعة على صاحب عضو سليم، وحسب التفصيل القادم.
جناية صاحب العضو الفاقد للمنفعة على الشخص السليم
إذا جنى صاحب اليد الشلاء على يد شخص سليمة، هل يُقاد منه؟
اختلف الفقهاء في حكم هذه المسألة؛ فذهب السادة الحنفية والحنابلة إلى أن له القود أو يعفو فيأخذ الدية كاملة.
وذهب الشافعية إلى أنه بالخيار إن شاء أخذ الدية كاملة، وإن شاء اقتص وأخذ أرش الناقص.
أما المالكية فقالوا إن اليد الشلاء لا تقطع بالسليمة، قال الإمام الخرشي: "الذي يده شلاء عادمة النفع إذا قطع يد شخص صحيح اليد، فإن الشلاء لا تقطع بالصحيحة؛ لعدم المماثلة، ولو رضي صاحب الصحيحة بذلك، وكذلك لا تقطع اليد الصحيحة باليد الشلاء لعدم المماثلة"[8].
وفي الختام يظهر لنا من النظر في مجمل هذه الأحكام، الحِكمة والواقعية في اجتهادات الفقهاء من خلال هذه التفاصيل الدقيقة التي تفرق بين اليد الشلاء التي لا نفع فيها وبين يد شلاء لنَقُل النفع فيها نصف العشر فقط، والتفريق بين لسان ينطق بعشرين حرفاً وآخر ينطق بواحد وعشرين، وهذا يدل على دقة نظر الفقهاء وسعة اجتهاداتهم، وسبقهم في ذلك.
وأخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
[1] - الاختيار لتعليل المختار، 5/ 40. وانظر بداية المجتهد ونهاية المقتصد، 4/ 205.
[2] - الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، 10/ 89.
[3] - انظر الاستذكار لابن عبد البر، 8/ 85.
[4] - انظر درر الحكام شرح غرر الأحكام، 2/ 96، وروضة الطالبين وعمدة المفتين، 9/ 275، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي، 10/ 89.
[5] - انظر شرح مختصر خليل للخرشي، 8/ 41، حيث قال: "هب أن لسان الأخرس لا كلام فيه، لكنه يذوق به، وقد قلتم: إن في الذوق الدية، قلت: لا بد في وجوب الدية من تحقق إزالة المعنى الذي لأجله الدية وهي غير متحققة في لسان الأخرس، ولهذا جعل فيه في المدونة الحكومة اهـ. وعليه فإن تحقق أنه كان به ذوق فإن فيه الدية". وانظر شرح مختصر خليل للخرشي، 8/ 40.
[6] - حاشية الصاوي على الشرح الصغير = بلغة السالك لأقرب المسالك، 4/ 389.
[7] - بداية المجتهد ونهاية المقتصد، 4/ 205.
[8]- شرح مختصر خليل للخرشي، 8/ 16.