فتاوى بحثية

الموضوع : حكم (اللهم صل على سيدنا محمد قد ضاقت حيلتي، أدركني يا رسول الله)
رقم الفتوى: 4483
التاريخ : 18-06-2026
التصنيف: الأذكار والدعاء
نوع الفتوى: بحثية
المفتي : لجنة الإفتاء



السؤال:

ما حكم الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الصيغة: (اللهم صلّ على سيدنا محمد قد ضاقت حيلتي، أدركني يا رسول الله)، فقد سمعت بعض العلماء يقول: هذا من الشرك الذي يُخلَّد صاحبه في النار؟


الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله 

الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أجلِّ الأذكار التي يرددها المسلم، وقد أمرنا الله تعالى بالصلاة على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فقال عز وجل: (إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) [الأحزاب: 56].

وقد تضافرت النصوص في بيان فضل الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وكيفيتها، فعن أُبيِّ بنِ كعب عن رضي الله عنه قال: قلت: يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي؟ فقال: (مَا شِئْتَ)، قَالَ: قُلْتُ الرُبُعَ؟ قَالَ: (مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)، قُلْتُ: النِّصْفَ؟ قَالَ: (مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)، قَالَ: قُلْتُ فَالثُّلُثَيْنِ؟ قَالَ: (مَا شِئْتَ فَإِنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)، قُلْتُ: أَجْعَلُ لَكَ صَلَاتِي كُلَّهَا؟ قَالَ: (إِذًا تُكْفَى هَمَّكَ وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ). رواه الترمذي، وقال: حديث حسن. فالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم سبب في تفريج الكربات.

ولا توجد صيغة يتحتم الالتزام بها في الصلاة عليه، فكلُّ الصيغ التي لا تشتمل على محذورٍ شرعي جائزة، والأفضل الجمع بين الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، وأما الصيغة الواردة في السؤال فليس فيها ما يصادم الشرع، فضلاً في أن تكون سبباً للكفر والشرك؛ لأن المقصود بعبارة "أدركني يا رسول الله": هو جعل النبي صلى الله عليه وسلم سبباً في التفريج بأمر الله عز وجل، وقد ورد في الحديث أن الناس يستغيثون برسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، ففي حديث الشفاعة الطويل: (... فَيَأْتُونَ مُحَمَّدًا فَيَقُولُونَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَخَاتِمُ الأَنْبِيَاءِ، وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ، اشْفَعْ لَنَا إِلَى رَبِّكَ، أَلاَ تَرَى إِلَى مَا نَحْنُ فِيهِ؟ فَأَنْطَلِقُ فَآتِي تَحْتَ العَرْشِ، فَأَقَعُ سَاجِدًا لِرَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يَفْتَحُ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ مَحَامِدِهِ وَحُسْنِ الثَّنَاءِ عَلَيْهِ شَيْئًا، لَمْ يَفْتَحْهُ عَلَى أَحَدٍ قَبْلِي، ثُمَّ يُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ سَلْ تُعْطَهْ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ ...) رواه البخاري، وفي الحديث عن عتبة بن غزوان رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذَا أَضَلَّ أَحَدُكُمْ شَيْئًا، أَوْ أَرَادَ أَحَدُكُمْ عَوْنًا، وَهُوَ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ، فَلْيَقُلْ: يَا عِبَادَ اللَّهِ أَغِيثُونِي، يَا عِبَادَ اللَّهِ أَغِيثُونِي، فَإِنَّ لِلَّهِ عِبَادًا لا نَرَاهُمْ) رواه الطبراني. 

وعن عثمان بنِ حنيف رضي الله عنه، أن رجلاً ضرير البصر أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ادع الله أن يعافيني قال: (إنْ شِئْتَ دَعَوْتُ، وَإِنْ شِئْتَ صَبَرْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ)، قال: فادعه، قال: فأمره أن يتوضأ فيحسن وضوءه ويدعو بهذا الدعاء: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ وَأَتَوَجَّهُ إِلَيْكَ بِنَبِيِّكَ مُحَمَّدٍ نَبِيِّ الرَّحْمَةِ، إِنِّي تَوَجَّهْتُ بِكَ إِلَى رَبِّي فِي حَاجَتِي هَذِهِ لِتُقْضَى لِيَ، اللَّهُمَّ فَشَفِّعْهُ فِيَّ) رواه الترمذي.

فالصيغة المذكورة صحيحة، ويجوز الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بها، وذلك لما يلي: إن توحيد الله تعالى يقتضي أن يعتقد المسلم أن الله تعالى هو الفاعل المطلق في هذا الكون، بمعنى أنه تعالى الخالق لكل شيء، والمتصرف في كل شيء، ومدبر كل شيء، فهو المعطي والمانع والضار والنافع والذي يحكم ولا معقب لحكمه، وهو على كل شيء قدير، ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم،  فلا تأثير إلا له، ولا نفع ولا ضرّ لغيره معه، (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [يونس: 107]، (مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [فاطر: 2].

وإذا كان ذلك كذلك امتنع صَرْفُ العبادة أو شيئاً من مظاهرها لغير الله سبحانه، فالمسلم لا يعبد إلا الله، ولا يستعين بغيره، كما علَّمنا الله تعالى في سورة الفاتحة التي نتلوها في صلواتنا كل يوم حيث نقول: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ) [الفاتحة: 5]، أي لا نعبد إلا إياك ولا نستعين إلا بك.

ومع ذلك فإن الله تعالى أمرنا أن نأخذَ بالأسباب، مع أنه هو المنفرد بالتأثير، حيث يخلُق الله تعالى الأثرَ عند وجود الأسباب لا بها، فطَلَبَ منا أن نأخذَ بأسباب النصر مع أنه هو الناصر، فقال: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) [الأنفال: 60]، ولم يمنعنا أن نستنصر ببعضنا، فقال: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) [الأنفال: 72]، وأن نأخذ بأسباب الشفاء مع أنه هو الشافي، فقال صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: (الشِّفَاءُ فِي ثَلاَثَةٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الكَيِّ).

هذا؛ وإنَّ أخذَنا بالأسباب لا يتنافى مع توحيدنا لله تعالى؛ لأننا نعتبرها أسباباً أقامها الله تعالى للوصول إلى المسببات مع أنه تعالى هو الخالق للسبب، وهو الخالق للمسبب عند وجود سببه، فمَن استعان بغيره أو استنصره أو طلب منه الغوث أو الرزق معتبراً إياه سبباً لذلك مع اعتقاده أنه تعالى هو المؤثر الحقيقي، وأنه لا ضار ولا نافع إلا الله؛ فهذا موَّحدٌ، وأما مَن فرَّق بين سبب وسبب معتقداً أن بعض الأسباب مؤثرة دون البعض؛ ففي توحيده خلل، ومَن ظنَّ ما ليس بسبب سبباً؛ فهذا جاهل جهلاً مركباً، ولا يقتضي ذلك الحكم عليه بأنه مشركٌ شركاً أكبر ينقض به عرى إسلامه كما يظن بعض الناس.

ولا فرق في طلب المدد والاستغاثة بين أن يكون المستغاث به حيَّاً أو ميتاً؛ وذلك أن معجزات الأنبياء وبعض كرامات الأولياء لا تنقطع بعد وفاتهم، وقد نقل الإمام الذهبي قول إبراهيم الحربي مقراً له: "قبر معروف الترياق المجرَّب" [سير أعلام النبلاء 9/ 343]، وسُئِل الإمام الرملي رحمه الله "عمَّا يقع من العامة من قولهم عند الشدائد يا شيخ فلان، يا رسول الله، ونحو ذلك من الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين، فهل ذلك جائز أم لا، وهل للرسل والأنبياء والأولياء والصالحين والمشايخ إغاثة بعد موتهم، وماذا يرجح ذلك؟ 

فأجاب: بأن الاستغاثة بالأنبياء والمرسلين والأولياء والعلماء والصالحين جائزة، وللرسل والأنبياء والأولياء والصالحين إغاثة بعد موتهم؛ لأن معجزة الأنبياء وكراماتِ الأولياء لا تنقطع بموتهم؛ أما الأنبياء فلأنهم أحياء في قبورهم يصلون ويحجون كما وردت به الأخبار، وتكون الإغاثة منهم معجزة لهم، والشهداء أيضا أحياء شوهدوا نهاراً جهاراً يقاتلون الكفار، وأما الأولياء فهي كرامة لهم، فإنَّ أهلَ الحقِّ على أنه يقع من الأولياء -بقصد وبغير قصد- أمور خارقة للعادة يجريها الله تعالى بسببهم، والدليل على جوازها أنها أمور ممكنة لا يلزم من جواز وقوعها محال، وكلُّ ما هذا شأنه فهو جائزُ الوقوع، وعلى الوقوع قصةُ مريم ورزقها الآتي من عند الله على ما نطق به التنزيل، وقصةُ أبي بكر وأضيافه كما في الصحيح، وجريان النيل بكتاب عمر، ورؤيته وهو على المنبر بالمدينة جيشه بنهاوند حتى قال لأمير الجيش: يا سارية الجبل، محذراً له من وراء الجبل لكمين العدو هناك، وسماع سارية كلامه وبينهما مسافة شهرين، وشرب خالد السُّم من غير تضرر به، وقد جرت خوارق على أيدي الصحابة والتابعين ومن بعدهم لا يمكن إنكارها لتواتر مجموعها.

وبالجملة ما جاز أن يكون معجزة لنبي جاز أن يكون كرامة لولي، لا فارق بينهما إلا التحدي" [فتاوى الرملي/ ص733].

هذا؛ ومما هو حريٌّ بالتنبيه عليه أنَّ مسائلَ الاستغاثة والتوسل تعتبر من مسائل الفقه الظنية التي يسوغ فيها الاختلاف، وقد ذهب جماهير علماء المسلمين من أتباع المذاهب السنية الأربعة إلى القول بجوازها، ولذلك نجد أن العلماء السابقين ذكروا هذه المسألة في باب صلاة الاستسقاء، أو باب زيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يعدّوها من مسائل العقائد، ولا شك أن جعل هذه المسألة من مسائل الاعتقاد التي ينبني عليها التكفير والتضليل من الغلو الممنوع، والمسألة من مسائل الفروع التي لا يجوز الإنكار فيها وإحداث الشقاق والنزاع، ومن المعلوم أنه لا يسوغ الإنكار في المسائل الفقهية الظنية، فضلاً عن التكفير والتبديع والتضليل، فلا يجوز رمي الناس واتهامهم بالشرك والكفر بسبب مسألة فقهية ظنية، والجمهور على جوازها.

وقد حذَّر الإسلام من التسرع في التكفير والتهاون فيه؛ لِما يسبب من قتل العباد ودمار البلاد؛ فقد روى الإمام البخاري في صحيحه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مَنْ قَذَفَ مُؤْمِنًا بِكُفْرٍ فَهُوَ كَقَتْلِهِ)، وأكّدَ النبي عليه الصلاة والسلام هذا التحذير من فتنة التكفير والرمي بالفسق بحديث آخر فقال عليه الصلاة والسلام: (لاَ يَرْمِي رَجُلٌ رَجُلًا بِالفُسُوقِ، وَلاَ يَرْمِيهِ بِالكُفْرِ، إِلَّا ارْتَدَّتْ عَلَيْهِ، إِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كَذَلِكَ) متفق عليه، قال حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله: "والذي ينبغي أنْ يميلَ المحصل إليه الاحتراز من التكفير ما وجد إليه سبيلاً؛ فإنَّ استباحةَ الدماء والأموال من المصلين إلى القبلة المصرحين بقول: "لا إله إلا الله محمد رسول الله" خطأ، والخطأ في ترك ألف كافر في الحياة أهون من الخطأ في سفك محجمة من دم مسلم" [الاقتصاد في الاعتقاد 1/ 135].

وعليه؛ فصيغة الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم المذكورة صيغة صحيحة ولا محذور فيها، ويحرم رمي قائلها بالكفر والشرك والتبديع. والله تعالى أعلم.



للاطلاع على منهج الفتوى في دار الإفتاء يرجى زيارة (هذه الصفحة)

حسب التصنيف السابق
رقم الفتوى السابق



التعليقات


Captcha


تنبيه: هذه النافذة غير مخصصة للأسئلة الشرعية، وإنما للتعليق على الموضوع المنشور لتكون محل استفادة واهتمام إدارة الموقع إن شاء الله، وليست للنشر. وأما الأسئلة الشرعية فيسرنا استقبالها في قسم " أرسل سؤالك "، ولذلك نرجو المعذرة من الإخوة الزوار إذا لم يُجَب على أي سؤال شرعي يدخل من نافذة " التعليقات " وذلك لغرض تنظيم العمل. وشكرا