مقالات

(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 128] - دراسة تفسيرية

الكاتب : المفتي الدكتور عبد الله مقدادي

أضيف بتاريخ : 08-07-2026


(لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) [التوبة: 128] - دراسة تفسيرية

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين، وبعد:

جاءت هذه الآية الكريمة تبرز لنا منّة الله تعالى على هذه الأمة حيث بعث فيها رسولاً من بني جلدتهم يعرفون نسبه فيهم، ومكانته عندهم، وشرفه وفضله عليهم، فهو أشرف العرب نسباً وأفضل الخلق مكانة وقدراً، وخير العالمين منزلة وكرماً، خصّه الله تعالى بصفات عظيمة وأيده بمعجزات كريمة، تدل على مكانته وعلو شأنه، فقد سيقت هذه الآية ؛ لبيان منته تعالى وفضله على العرب، حيث أرسل إليهم خاتم أنبيائه، وأفضل أصفيائه، وأحرصهم على هداية خلقه، فكان من الواجب عليهم أن يؤمنوا به، والأحرى بهم أن يتبعوا سبيله، فهو صلى الله عليه وسلم يسعى لإيصال الخير والنفع لهم، وإزالة كل مكروه وشدة عنهم، فجمع الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم هذه الخصال الحميدة، والسجايا الفريدة التي امتاز بها عن غيره من النبيين، وتفرد بها عن العالمين، فكان بسيرته وسريرته كما أخبر الله عنه (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ).

المناسبة: "لما بدأ السورة ببراءة الله ورسوله من المشركين، وقص فيها أحوال المنافقين شيئا فشيئا، خاطب العرب على سبيل تعداد النعم عليهم والمنّ عليهم بكونه جاءهم رسول من جنسهم، أو من نسبهم عربياً قرشياً، يبلغهم عن الله، متصف بالأوصاف الجميلة من كونه يعز عليه مشقتهم في سوء العاقبة من الوقوع في العذاب، ويحرص على هداهم، ويرأف بهم، ويرحمهم"([1]). فكانت هذه الآية محفزاً للإيمان به والتصديق برسالته، لا الكفر والنفاق والتكذيب به.

التفسير الإجمالي:

وصف الحق تبارك وتعالى الحبيب المصطفى والنبي المجتبى صلى الله عليه وسلم في هذه الآية بستة خصال، وجاء ترتيبها مبنياً على ترابط وتناسب حسب ما يقتضيه السياق القرآني، حيث ذكر الأولى فالأولى.

أول هذه الصفات وأعظمها: أنه رسول، ولما كانت هذه الصفة أشرف الصفات وأفضل الميزات بدأ بذكرها، يقول أبو حيان: "والرسالة وهي صفة كمال الإنسان لما احتوت عليه من كمال ذات الرسول وطهارة نفسه الزكية، وكونه من الخيار، بحيث أُهِّلَ أن يكون واسطة بين الله وبين خلقه"([2]).

الصفة الثانية: أنه من أنفسهم؛ فعرّف بنسبه وفضله ومكانته بينهم، فلا نسب فوق نسبه في العرب قاطبة، وهذا يقتضي مدحاً لنسب النبي صلى الله عليه وسلم وأنه من سادة العرب وأشرافهم، "وهي صفة مؤثرة في التبليغ والفهم عنه والتآنس به، فإن كان خطاباً للعرب ففي هذه الصفة التنبيه على شرفهم والتحريض على اتّباعه، وإن كان الخطاب لبني آدم ففيه التنويه بهم واللطف في إيصال الخبر إليهم، وأنه معروف بينهم بالصدق والأمانة والعفاف والصيانة"([3]). فصفة النسب أمر لازم في الأنبياء.

الصفة الثالثة: أنه صلى الله عليه وسلم يعز عليه تعنت قومه له ولدعوته، لما بين أنه منهم من بني جلدتهم جاء النص القرآني ليبين ما يترتب على ذلك من رغبته في إيصال الهداية لهم والخوف عليهم والرأفة بهم، بقوله: (عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ)، أي: يعز عليه ما يشق عليكم من تعنت ورفض لدعوته، يقول الرازي: "العزة هي الغلبة والشدة، معناه: شديدة معزته عن وصول شيء من آفات الدنيا والآخرة إليكم"([4]). وهذا الوصف من نتائج الرسالة؛ لأن الأنسان بطبعه يحب الخير لأهله ويكره لهم السوء والضر كما يقول أبو حيان: "لأن من كان منك وأدلك الخير وصعب عليه إيصال ما يؤذي إليك"([5]). فكانت هذه الصفة تحمل مزيد تحفيز وترغيب لاتّباعه صلى الله عليه وسلم؛ وذلك لما يُكنه من رغبة في هدايتهم، وشغف في إيصال الخير لهم، والبعد عما يؤدي لرفضهم وتعنتهم لدعوته ورسالته.

الصفة الرابعة: حريص على هدايتهم، "الحريص هو الشحيح، والمعنى: أنه شحيح عليكم أن تدخلوا النار. وقيل: حريص على دخولكم الجنة. والمراد حريص على إيصال الخيرات إليكم في الدنيا والآخرة،"([6]). فهو صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على هدايتهم، والرغبة في إيمانهم وصلاح شأنهم، قال تعالى واصفاً حال النبي صلى الله عليه وسلم: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) [الكهف: 6] وقال جل وعز في موضع أخر: (فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [8: فاطر] وذلك لشدة حرصه على هدايتهم.

وأما حرصه عليهم في الآخرة بدخول الجنة والنجاة من النار، ففي الحديث الصحيح كما عند البخاري من رواية أنس بن مالك في حديث الشفاعة: "يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ شَعِيرَةٍ مِنْ إِيمَانٍ، فَأَنْطَلِقُ فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ، فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيُقَالُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ، أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مِنْهَا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ - أَوْ خَرْدَلَةٍ - مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجْهُ، فَأَنْطَلِقُ، فَأَفْعَلُ، ثُمَّ أَعُودُ فَأَحْمَدُهُ بِتِلْكَ المَحَامِدِ، ثُمَّ أَخِرُّ لَهُ سَاجِدًا، فَيَقُولُ: يَا مُحَمَّدُ ارْفَعْ رَأْسَكَ، وَقُلْ يُسْمَعْ لَكَ، وَسَلْ تُعْطَ، وَاشْفَعْ تُشَفَّعْ، فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي، فَيَقُولُ: انْطَلِقْ فَأَخْرِجْ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى أَدْنَى أَدْنَى مِثْقَالِ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ"([7])، فهذا جزء يسير من حرصه صلى الله عليه وسلم عليهم يوم القيامة.  

الصفة الخامسة: الرأفة؛ قال الغزالي: "الرؤوف: ذو الرأفة والرأفة شدة الرحمة فهو بمعنى الرحيم مع المبالغة فيه"([8])، لما بين رغبته في دعوتهم وحرصه على هدايتهم، بيّن "كونه رؤوفاً رحيماً بالمؤمنين"([9]). فمن مستلزمات الرسالة أن يكون صاحبها ذا قلب رؤوف، يرأف بالضعفاء ويعطف على البسطاء مع أنهم جحدوا الرسالة دون أن يعرفوا دلالتها، وحاربوا الدعوة دون أن يسمعوا لها، ومع كل ذلك فهو يرأف لحالهم ولجهلهم ولتعنتهم لدعوته.

الصفة السادسة: والرحمة بالمؤمنين؛ لما ذكر حرصه عليهم ورأفته بهم ذكر رحمته عليهم وهي صفة جامعة لخصال الخير كله، فهي شعار وهذ الرسالة ودثارها قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) [الأنبياء:107].

فجاءت هذه الخصال ترغب العرب بوجوب اتباعه، وضرورة نصرته، فإنّ شرفه صلى الله عليه وسلم شرفهم وملكه ملكهم وعزه عزهم، فدعوته ورسالته فخرهم، يقول الطنطاوي: "فالمقصود من هذه الجملة الكريمة ترغيب العرب في الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم وفي طاعته وتأييده، فإن شرفهم قد تم بشرفه، وعزهم بعزه، وفخرهم بفخره، وهم في الوقت نفسه قد شهدوا له في صباه بالصدق والأمانة والعفاف وطهارة النسب، والأخلاق الحميدة"([10]). فالأولى بهم الانصياع لأمره والتمسك بهديه، فهو منهم ومن بني جلدتهم.

الجوانب البلاغية: افتتحت هذه الآية الكريمة بحرفي التأكيد وهما اللام و(قد) مع أن الآية لا تحمل في طياتها صورة الإنكار، ولا يحتوي مضمونها دلالاته، ولكن جاء هذا التوكيد لقصد الاهتمام بهذه الجملة ولأهمية الغرض الذي سيقت لأجله، فأنزل غير المنكر منزلة المنكر، يقول ابن عاشور: "لأن في هذا التأكيد ما يجعل المخاطبين به منزلين منزلة المنكرين لمجيئه من حيث إنهم لم ينفعوا أنفسهم بهذا المجيء"([11])، فهم لا ينكرون هذه السجايا ولا يجحدونها، ولكن عدم انقيادهم للدعوة وعدم انتفاعهم بها أنزلهم مرتبة من أنكر هذه السمات وجحد هذه الشمائل.

كما يحمل هذا الخطاب الإيماء إلى اقتراب الرحيل؛ كما يقول ابن عاشور: "لأنه لما أعيد الإخبار بمجيئه وهو حاصل منذ أعوام طويلة كان ذلك كناية عن اقتراب انتهائه، وهو تسجيل منه على المؤمنين، وإيعاد للمنافقين ومن بقي من المشركين"([12])، فحمل هذا التوكيد الترغيب للعرب ممن لم يؤمن به للإسراع للإيمان ليكونوا ممن امتن الله عليه بإتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، وترهيباً للمنافقين الذين يظهرون خلاف ما يبطنون بقرب الرحيل ودنو الاجل وفوات الفرصة.

المجيء؛ لفظ يحمل على الحقيقة والمجاز، فحمله على الحقيقة نحو قولنا: جاء المسافر؛ فهو قد قدم من مكان بعيد إذ لم يكن بين ظهرانيهم، وأمّا على المجاز كما يقول ابن عاشور: "فالمجيء مستعمل مجازا في الخطاب بالدعوة إلى الدين. شبه توجهه إليهم بالخطاب الذي لم يكونوا يترقبونه؛ بمجيء الوافد إلى الناس من مكان آخر" ([13])، فشبه دعوته إليهم وخطابه لهم بشخص أو وفد قدم إليهم من بعيد لم يكونوا يترقبون قدومه، وهذه لمسة بلاغية تبين مقدار ما كانوا فيه من ظلالة وجهل وبُعد عن المنهج السليم والدين القويم قبل مبعثه صلى الله عليه وسلم إليهم.

(مِنْ أَنْفُسِكُمْ) جاء حرف الجر (من) للبيان إي منكم لا من غيركم، وهذه الدلالة تحمل على أربعة أوجه أحدها: أي "من جنس البشر لا المَلَك؛ لأن الجنس إلى الجنس أميل وبه آلف وآنس"([14]). فيكون الخطاب للبشرية جميعاً

الثاني: من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف، فيكون ذكر هذه الصفة التنبيه على طهارته "كأنه قيل: هو من عشيرتكم تعرفونه بالصدق والأمانة والعفاف، وتعرفون كونه حريصا على دفع الآفات عنكم وإيصال الخيرات إليكم"([15]). فهو معدود من ذوي النسب والشرف والفضل، وعليه فيكون الخطاب موجه لقريش.

ومما يستدل به لهذا القول إضافة ضمير الخطاب في قوله: (أنفسكم) يقول ابن عاشور: "ويضاف النفس إلى الضمير فيدل على قبيلة معاد الضمير، أي هو معدود من ذوي نسبهم"([16])، فدلالة الخطاب أنه منهم يعرفونه ويعرفهم ويعلمون نسبه فيهم ومكانته بينهم.

فقد أخرج مسلم وغيره عن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلم: (إن الله تعالى اصطفى من ولد إبراهيم إسماعيل، واصطفى من ولد إسماعيل بني كنانة، واصطفى من بني كنانة قريشا، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)([17]).

الثالث: "يعني من المؤمنين لم يصبه شيء من شرك"([18]). ويحمل أن الخطاب للمؤمنين دون غيرهم.

الرابع: يعني من جميع العرب؛ لأنه لم يبق بطن من بطون العرب إلا قد ولدوه، وهو نسب الجدات، قال ابن عباس: "ليس في العرب قبيلة إلا وقد ولدت النبي عليه السلام بسبب الجدات، مضرها وربيعها ويمانيها، فالمضريون والربيعيون هم العدنانية، واليمانيون هم القحطانية، والمقصود منه ترغيب العرب في نصرته، والقيام بخدمته"([19])، فيكون الخطاب للعرب عامة كما أخبر في موضع ثانٍ (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ) [الجمعة:2] للترغيب باتباع دعوته والتمسك بشريعته.

وجاء بـ (ما) المصدرية في قوله تعالى: (مَا عَنِتُّمْ) مقترن بالفعل الماضي ليدل على أن ما وقع في أول الدعوة وبعد الهجرة في بدر وغيرها من المشاهد من قتل وأسر لم يكن راضٍ عنه ولا يطلبه، ولكن تعنتكم هو الذي أوقعه، يقول ابن عاشور: "فلو أتي بالمصدر لم يكن مشيرا إلى عنت معين ولا إلى عنت وقع؛ لأن المصدر لا زمان له بل كان محتملا أن يعز عليه بأن يجنبهم إياه، ولكن مجيء المصدر منسبكا من الفعل الماضي يجعله مصدرا مقيداً بالحصول في الماضي"([20]). فهذا التعنت والعناد وهذا الجحود والنكران ما كان ليرضاه رسول الرحمة والهداية، وما كان ينبغي أن يقع من أقربائه وأهله وعشيرته صلى الله عليه وسلم.

(حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ): يقول ابن عاشور: "الحرص: شدة الرغبة في الشيء والجشع إليه. ولما تعدى إلى ضمير المخاطبين الدال على الذوات، وليست الذوات هي متعلق الحرص هنا تعين تقدير مضاف فهم من مقام التشريع، فيقدر: على إيمانكم أو هديكم"([21]) فحرصه صلى الله عليه وسلم معنوي، وليس حرصاً مادياً كما هي حال أهل الدنيا.

والحريص أو الشحيح: هو الذي يفني عمره ويهدر وقته في جمع المال دون أن ينتفع به أو يفرط في شيء منه؛ وذلك لشدة حبه له ورغبته بالحفاظ عليه. فشبه حرصه صلى الله عليه وسلم على هذه الأمة بذلك الشخص الذي أفنى عمره وقتل وقته حريصاً على ما في يده، فالنبي قد أفنى وقته وعمره في الدعوة إلى الله تعالى والنصح لهذه الأمة، فكان النبي صلى الله عليه وسلم أحرص من ذلك الشخص على هداية هذه الأمة وإيصال الخير إليهم في الدنيا والآخرة وبدفع كل سوء عنهم، فهدفه وغايته وكفاحه في الدنيا والآخرة هو إيصال الخير لأمته، ودفع كل سوء عنهم، فهو صلى الله عليه وسلم شديد الحرص على هدايتهم، راغب في إيمانهم وصلاح شأنهم.

وجاء بالجار والمجرور (عليكم) ليفيد الاختصاص أي حريص على هدايتكم معشر العرب، وإن كانت رسالته عالمية، فإنّ حرصه على هدايتكم أشد من حرصه على هداية غيركم؛ لأن فيكم أهله وعشيرته وأقاربه وذوي رحمه.

ولما كانت رسالته صلى الله عليه وسلم عالمية جاء بهاتين الصفتين "الرؤف والرحيم" على وجه الخصوص متقدمة بالجار والمجرور الذي يفيد الحصر، قال تعالى: (بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) "بمعنى أنه لا رأفة ولا رحمة له إلا بالمؤمنين. فأما الكافرون فليس له عليهم رأفة ورحمة، وهذا كالمتمم لقدر ما ورد في هذه السورة من التغليظ كأنه يقول: إني وإن بالغت في هذه السورة في التغليظ إلا أن ذلك التغليظ على الكافرين والمنافقين. وأما رحمتي ورأفتي فمخصوصة بالمؤمنين فقط، فلهذه الدقيقة عدل على ذلك النسق"([22]).

وقدم صفة الرأفة على صفة الرحمة مع أن دلالتهما متقاربة وإن كان بينهما اختلاف في المعنى، فقدم ما حقه التقديم في البلاغة والبيان، يقول البيضاوي: "فقدم الأبلغ منهما وهو الرؤوف؛ لأن الرأفة شدة الرحمة"([23])، فقدم الصفة الأبلغ في الوصف على التي دونها.  

فيما ذهب الألوسي إلى أن الرأفة الشفقة، والرحمة الإحسان، وبناءً على ما قاله الألوسي يكون تقديم الرأفة باعتبار أن آثارها دفع المضار، وتأخير الرحمة باعتبار أن آثارها جلب المنافع، ودفع المضار أولى من جلب المنافع، ولهذا قدمت في قوله سبحانه: (رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها) [الحديد: 27] كما يقول رحمه الله تعالى([24]). فيكون من وصفه صلّى الله عليه وسلم دفع الضرر عن أمته، وجلب المصلحة لهم، فالرأفة والرحمة تلتقيان في المعنى العام، وتختلفان بالجزئيات، فهناك أمور تدفع مضرّة، وأمور تجلب منفعة، فوصفه صلى الله عليه وسلم بالرؤوف مبنية على دفع ما يضر من ابتلاء، ووصفه برحيم مبني على جلب ما ينفع من النعيم. ومن هنا كان التقديم بين هاتين الصفتين، فالرأفة هي سلب ما يضر من الابتلاء والمشقة، ورحيم هو الذي يجلب ما ينفع من النعيم والارتقاء. 

وذهب أبو حيان إلى معنى آخر؛ وهو أن دلالة اقتران هاتين الصفتين تحمل مفهوم التوزيع؛ فكل صفة تخص فئة من الناس دون سواها؛ فالرحمة تخص فئة، والرأفة تخص فئة أخرى، قال رحمه الله: "رؤوف بالمطيعين، رحيم بالمذنبين. وقيل: رؤوف بمن رآه، رحيم بمن لم يره. وقيل: رؤوف بأقربائه، رحيم بغيرهم"([25])، والمعنى يحمل كل هذه الدلالات فلا تناقض بينها ولا تضاد. 

ختاماً؛ لقد حبا الله تعالى نبيه بسمات وجمّله بصفات وأدبه فأحسن تأديبه، فكان خلقه القرآن، ومنهجه الرسالة التي جاهد من أجلها ونافح عنها، فرسمت لنا هذه الآية الكريمة بهذه الصفات العظيمة منهجه في الدعوة -خاصة أن سورة التوبة من أواخر ما نزل على الحبيب المصطفى والنبي المجتبى صلى الله عليه وسلم بعد غزوة تبوك- فهو رسول أولاً، ومن بني جلدتهم ثانياً، يعز عليه تعنتهم وجحودهم ثالاً، حريص كل الحرص على هدايتهم رابعاً، بالمؤمنين رؤوف رحيم، فكانت هذه الخصال الحميدة والشمائل العظيمة كفيلة أن تجذب الإنسان السوي لاتّباع هذا النبي العربي، الذي تخلق بهذه الأخلاق وامتاز بهذه السمات وفق أصول جاءته من مصدر رباني، فمبدأ هذه الأخلاق كما ذكرت الآية الكريمة، فهذه الصفات مبنية على الرسالة، وقوامها على الهداية، وشعارها الحرص عليهم، وهدفها الرحمة بهم.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين

 


([1])  أبو حيان محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان أثير الدين الأندلسي (المتوفى: 745هـ)، البحر المحيط في التفسير، صدقي محمد جميل، دار الفكر، بيروت، 1420 هـ، ج5، ص532.

 ([2])أبو حيان، البحر المحيط، ج5، ص532.

  ([3])أبو حيان، البحر المحيط، ج5، ص532.

([4]) أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606هـ)، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الثالثة - 1420 هـ، ج16، ص178.

([5]) أبو حيان، البحر المحيط، ج5، ص532.

([6])أبو حيان، البحر المحيط، ج5، ص532

([7]) البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي الجامع المسند الصحيح المختصر من أمور رسول الله صلى الله عليه وسلم وسننه وأيامه = صحيح البخاري، دار طوق النجاة، الطبعة الأولى، 1422هـ، باب كلام الرب عز وجل يوم القيامة ، رقم الحديث: 7510، ج9، ص146.

  ([8])الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الغزالي الطوسي (المتوفى: 505هـ)، المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى، ت بسام عبد الوهاب الجابي، الجفان والجابي – قبرص، الأولى، 1407 – 1987، ص140.

([9]) أبو حيان، البحر المحيط، ج5، ص532.

([10])  محمد سيد طنطاوي، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، دار نهضة، القاهرة، الأولى، ج6، ص432.

([11]) ابن عاشور محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر التونسي (المتوفى: 1393هـ)، التحرير والتنوير «تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد»، الدار التونسية للنشر، تونس، 1984 هـ، ج11، ص71.

([12]) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج11، ص71.

([13])  بن عاشور، التحرير والتنوير ، ج11، ص71.

([14])  النيسابوري، نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي (المتوفى: 850هـ)، غرائب القرآن ورغائب الفرقان، الشيخ زكريا عميرات، دار الكتب العلمية – بيروت، الأولى، 1416 هـ،ج3، ص550.

([15])  النيسابوري، غرائب القرآن، ج3، ص550.

([16]) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج11، ص71.

([17]) مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري (المتوفى: 261هـ)، المسند الصحيح المختصر بنقل العدل عن العدل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، باب فضل نسب النبي، رقم الحديث2276، ج4، ص1782.

([18]) الماوردي أبو الحسن علي بن محمد بن محمد بن حبيب البصري البغدادي (المتوفى: 450هـ)، النكت والعيون، السيد ابن عبد المقصود بن عبد الرحيم، دار الكتب العلمية – بيروت، ج2، ص417.

([19]) الرازي، مفاتيح الغيب، ج16، ص178.

([20]) ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج11، ص72.

([21])  ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج11، ص72.

([22])  أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي الرازي الملقب بفخر الدين الرازي خطيب الري (المتوفى: 606هـ)، مفاتيح الغيب، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الثالثة، 1420هـ، ج16، ص178-179.

 ([23])   البيضاوي، ناصر الدين أبو سعيد عبد الله بن عمر بن محمد الشيرازي (المتوفى: 685هـ)، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، محمد عبد الرحمن المرعشلي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، الأولى، 1418هـ، ج3، ص103.

([24]) شهاب الدين محمود بن عبد الله الحسيني الألوسي (المتوفى: 1270هـ)، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، ت علي عبد الباري عطية، دار الكتب العلمية – بيروت، الأولى، 1415 هـ، ج6، ص49.

([25]) أبو حيان، البحر المحيط، ج5، ص534.

رقم المقال [ السابق ]

اقرأ للكاتب




التعليقات



تنبيه: هذه النافذة غير مخصصة للأسئلة الشرعية، وإنما للتعليق على الموضوع المنشور لتكون محل استفادة واهتمام إدارة الموقع إن شاء الله، وليست للنشر. وأما الأسئلة الشرعية فيسرنا استقبالها في قسم " أرسل سؤالك "، ولذلك نرجو المعذرة من الإخوة الزوار إذا لم يُجَب على أي سؤال شرعي يدخل من نافذة " التعليقات " وذلك لغرض تنظيم العمل. وشكرا


Captcha