أضيف بتاريخ : 28-09-2026


فقه الفتوى والحوار الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر(*)

المفتي الدكتور عبدالله محمد الربابعة/ دائرة الإفتاء العام الأردنية

المقدمة

يهدف هذا البحث إلى دراسة العلاقة بين فقه الفتوى والحوار الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر، وبيان الدور الذي تؤديه الفتوى الشرعية في تعزيز قيم التفاهم والتعايش والتعاون بين الشعوب والحضارات المختلفة، وينطلق البحث من أن الفتوى ليست مجرد بيان للحكم الشرعي في القضايا الفردية؛ بل هي أداة مؤثرة في توجيه المجتمعات وصياغة العلاقات الإنسانية والحضارية، الأمر الذي يجعلها من أهم مجالات العلوم الإسلامية القادرة على الإسهام في بناء جسور التواصل بين الأمم والثقافات، وتتمثل مشكلة البحث في مدى قدرة الخطاب الديني المعاصر على الاستجابة للتحديات الحضارية المتسارعة التي يشهدها العالم في ظل العولمة والثورة الرقمية وتزايد التفاعل بين الثقافات والأديان، وفي كيفية توظيف الفتوى لتحقيق مقاصد الشريعة في نشر قيم العدل والرحمة والتسامح والكرامة الإنسانية، بعيداً عن مظاهر الانغلاق والتشدد والصدام الحضاري.

وقد اعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي والاستقرائي، من خلال دراسة المفاهيم الأساسية المتعلقة بفقه الفتوى والحوار الحضاري، وتحليل النصوص الشرعية والقواعد الأصولية والمقاصدية، التي تؤسس لمنهج علمي منفتح على الواقع ومتفاعل مع المتغيرات المعاصرة.

كما تناول البحث نماذج من الاجتهادات والفتاوى المعاصرة التي أسهمت في ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش والتفاهم الإنساني، وتوصل البحث إلى أن الفتوى في الإسلام تستند إلى منظومة متكاملة من المبادئ الشرعية التي تؤكد احترام الإنسان وصيانة كرامته، وتحقيق المصالح العامة ودفع المفاسد، وأن هذه المبادئ تشكل أساساً متيناً للحوار الحضاري، كما أظهر أن نجاح الفتوى في أداء دورها الحضاري يتطلب فهماً عميقاً للنصوص الشرعية والواقع الإنساني معاً، ومراعاة مقاصد الشريعة وفقه المآلات والتوازن بين الثوابت والمتغيرات.

وبيّن البحث أن الفكر الإسلامي المعاصر يمتلك رصيداً علمياً ومقاصدياً قادراً على تطوير خطاب ديني يسهم في تعزيز التفاهم بين الحضارات، ويواجه الصور النمطية السلبية، ويحد من خطاب الكراهية والتعصب، ويعزز قيم المواطنة والتعايش السلمي والتعاون الإنساني، كما أكد أن المؤسسات الدينية مطالبة اليوم بتطوير آليات عملها وخطابها بما يتناسب مع التحولات الاجتماعية والتقنية والثقافية المتسارعة، وخلص البحث إلى أن فقه الفتوى يمثل أحد أهم مجالات العلوم الإسلامية القادرة على الإسهام في ترسيخ الحوار الحضاري، متى استند إلى المقاصد الشرعية والقيم الإنسانية المشتركة، وراعى خصوصيات المجتمعات المعاصرة وتحدياتها، كما أوصى بتعزيز الدراسات المقاصدية في مجال الإفتاء، وتطوير برامج إعداد المفتين، وتفعيل التعاون بين المؤسسات العلمية والثقافية؛ من أجل بناء خطاب ديني حضاري يسهم في نشر ثقافة الحوار والتسامح والتعايش بين مختلف الشعوب والحضارات.

وقد قسمت هذا البحث إلى مقدمة، ومبحثين، وخاتمة، وقائمة المراجع والمصادر، أما المبحث الأول فقد عنونته: الإطار المفاهيمي لفقه الفتوى والحوار الحضاري، وفيه أربعة مطالب، المطلب الأول: مفهوم فقه الفتوى وأهميته، المطلب الثاني :مفهوم الحوار الحضاري وأهدافه في الإسلام، والمطلب الثالث: العلاقة بين فقه الفتوى والحوار الحضاري، والمطلب الرابع: دور المؤسسات الدينية في تنظيم الفتوى وتعزيز الحوار الحضاري.

أما المبحث الثاني فقد عنونته: الأسس الشرعية لفقه الفتوى في الفكر الإسلامي المعاصر، وفيه أربعة مطالب، المطلب الأول: ضوابط الفتوى وشروط المفتي، والمطلب الثاني: مقاصد الشريعة وأثرها في الفتوى المعاصرة، والمطلب الثالث: مراعاة تغير الزمان والمكان والعرف في إصدار الفتوى، والمطلب الرابع: الفتاوى الشاذة وأثرها في تشويه صورة الإسلام، ثم الخاتمة، وذكرت فيها أهم النتائج والتوصيات، وقائمة المراجع والمصادر.

الكلمات المفتاحية: فقه الفتوى، الحوار الحضاري، العلوم الإسلامية، الفكر الإسلامي المعاصر، مقاصد الشريعة، التعايش السلمي، التسامح، الاجتهاد المعاصر، الخطاب الديني، حوار الحضارات.

هيكل البحث:

اشتملت خطة البحث على مقدمة، ومبحثين، أما مقدمة البحث فذكرت فيها: أهمية البحث، ومشكلة البحث وأسئلته، وأهداف الدراسة، وفرضية الدراسة، ومنهج البحث، أداة الدراسة، والدراسات السابقة.

أهمية البحث:

تكمن أهمية البحث في عدة جوانب علمية وفكرية وعملية، منها:

1. بيان دور الفتوى في معالجة القضايا المعاصرة، من خلال إبراز أهمية الاجتهاد المنضبط الذي يراعي مقاصد الشريعة ومتغيرات العصر، ويقدم حلولًا شرعية للقضايا المستجدة.

2. تعزيز ثقافة الحوار الحضاري، حيث يبرز البحث الأسس الإسلامية للحوار القائم على الاحترام المتبادل، والتفاهم، والتعاون مع مختلف الثقافات والأديان، بما ينسجم مع القيم الإسلامية.

3. تصحيح المفاهيم الخاطئة حول الإسلام والفتوى، والرد على مظاهر الغلو والتطرف أو التساهل، من خلال بيان المنهج الوسطي الذي يقوم على الاعتدال.

4. إبراز العلاقة بين الفتوى والحوار، فالفتوى الرشيدة، تسهم في نشر قيم التسامح والتعايش السلمي، وتدعم الحوار الحضاري بوصفه وسيلة لتحقيق الأمن الفكري والاستقرار المجتمعي.

5. إظهار إسهامات الفكر الإسلامي المعاصر في مواجهة التحديات العالمية، مثل العولمة، والتعددية الثقافية، وقضايا حقوق الإنسان، والتعايش بين الشعوب.

6. تعزيز وحدة المجتمع من خلال نشر ثقافة الاختلاف المقبول، واحترام التنوع، والاحتكام إلى العلم والحكمة في معالجة الخلافات.

7. إثراء الدراسات الأكاديمية في مجالي الفقه والفكر الإسلامي، وفتح آفاق جديدة للباحثين لدراسة أثر الفتوى في بناء جسور التواصل الحضاري.

وبذلك تبرز أهمية هذا البحث في كونه يجمع بين الجانب الفقهي، المتمثل في ضبط الفتوى وفق الضوابط الشرعية، والجانب الحضاري المتمثل في ترسيخ قيم الحوار والتعايش، بما يسهم في تقديم صورة متوازنة عن الفكر الإسلامي المعاصر وقدرته على التفاعل الإيجابي مع تحديات العصر.

مشكلة البحث وأسئلته:

تتمثل مشكلة البحث في أن الفتوى في العصر الحديث تواجه تحديات فكرية واجتماعية وثقافية متسارعة، في ظل الانفتاح الحضاري والتقدم التقني وتعدد المرجعيات الفكرية، مما أدى في بعض الأحيان إلى صدور فتاوى لا تراعي مقاصد الشريعة أو متطلبات الواقع، وانعكس ذلك على مسيرة الحوار الحضاري والتعايش بين المجتمعات، ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسة العلاقة بين فقه الفتوى والحوار الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر، وبيان الأسس الشرعية والفكرية التي تجعل الفتوى أداة لتعزيز الحوار والتفاهم، لا سببًا للتعصب أو الصراع، والسؤال الرئيس: ما أثر فقه الفتوى في تعزيز الحوار الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر؟ وتتفرع الأسئلة الآتية:

1. ما مفهوم فقه الفتوى، وما أهم ضوابطه وأصوله في الفكر الإسلامي المعاصر؟

2. ما مفهوم الحوار الحضاري، وما أسسه ومقاصده في الإسلام؟

3. ما العلاقة بين فقه الفتوى، والحوار الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر؟

4. كيف أسهمت الفتوى المنضبطة في ترسيخ قيم التسامح والتعايش والحوار مع الآخر؟

5. ما أبرز التحديات التي تواجه الفتوى في ظل المتغيرات الحضارية والفكرية المعاصرة؟

6. ما السبل الكفيلة بتطوير الخطاب الديني بما يعزز الحوار الحضاري ويحافظ على ثوابت الشريعة؟

أهداف الدراسة:

تتمثل أهداف الدراسة في الآتي:

1-بيان دور فقه الفتوى في تعزيز الحوار الحضاري في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، وإبراز أثره في ترسيخ قيم التعايش والتفاهم بين الأفراد والمجتمعات.

2-التعرف إلى مفهوم فقه الفتوى وأهميته وضوابطه في الفكر العربي الإسلامي المعاصر.

3-بيان مفهوم الحوار الحضاري وأصوله ومقاصده في الإسلام.

4-تحليل العلاقة بين فقه الفتوى والحوار الحضاري، وأثرها في بناء خطاب إسلامي معتدل.

5-إبراز دور الفتوى الرشيدة في تعزيز قيم التسامح والوسطية وقبول الآخر.

6-التعرف إلى أبرز التحديات التي تواجه الفتوى في ظل المتغيرات الفكرية والحضارية المعاصرة.

7-استعراض نماذج من اجتهادات العلماء والمؤسسات الإفتائية المعاصرة في دعم الحوار الحضاري.

8-تقديم توصيات تسهم في تطوير الخطاب الإفتائي، بما يحقق مقاصد الشريعة، ويعزز الحوار الحضاري والتعايش السلمي.

فرضية الدراسة:

تحاول هذه الدراسة التحقق من فرضية بحثية إشكالية([1])، تكمن في بيان دور فقه الفتوى والحوار الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر، مما ينعكس إيجابًا على تعزيز التماسك المجتمعي وتحقيق الأمن الفكري، حيث توجد علاقة إيجابية ذات دلالة علمية بين الالتزام بضوابط فقه الفتوى، وتعزيز الحوار الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر.

منهج البحث:

تعتمد هذه الدراسة على المنهج الوصفي والاستقرائي والتحليلي الذي يتخذ من الوصف، ثم الاستقراء، ثم تحليل أدوات منهجية للوصول إلى التقييم، ويمكن توضيح ذلك فيما يلي:

1. الوصف والاستقراء: حيث سيقوم الباحث باستقراء كافة المواضيع المتعلقة بأثر فقه الفتوى والحوار الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر، وتصنيفها وفق منهجية محددة تتوافق مع مفردات الدراسة وأهدافها، ويعتمد هذا البحث على المنهج الوصفي التحليلي بوصفه المنهج الرئيس؛ وذلك من خلال وصف مفهوم فقه الفتوى والحوار الحضاري، وبيان أسسهما وضوابطهما في الفكر الإسلامي المعاصر، ثم تحليل النصوص الشرعية وآراء الفقهاء والباحثين المعاصرين، للكشف عن العلاقة بين الفتوى والحوار الحضاري، وبيان أثر الفتوى في تعزيز قيم التعايش والتسامح والاعتدال.

2. التحليل: حيث سيقوم الباحث بتحليل عناصر الموضوعات الخاصة بدور المؤسسات الدينية في فقه الفتوى والحوار الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر بموضوع الدراسة([2])، ويهدف هذا المنهج إلى الوصول إلى نتائج علمية تسهم في بيان دور فقه الفتوى في ترسيخ الحوار الحضاري، وتقديم رؤية إسلامية معاصرة تجمع بين الثبات في الأصول والمرونة في التعامل مع المستجدات.

أداة الدراسة:

تعتمد الدراسة على أداة تحليل المحتوى للمصادر والمراجع ذات الصلة بموضوع البحث، وذلك من خلال جمع وتحليل النصوص الشرعية من القرآن الكريم والسنة النبوية، وكتب الفقه وأصول الفقه، وكتب الفكر الإسلامي المعاصر، إضافة إلى قرارات المجامع الفقهية، وفتاوى المؤسسات الإفتائية المعاصرة، والدراسات والبحوث العلمية المتعلقة بفقه الفتوى والحوار الحضاري، ويهدف هذا التحليل إلى استنباط الضوابط الشرعية للفتوى، وبيان أثرها في تعزيز الحوار الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر.

الدراسات السابقة:

هناك عدة دراسات تتعلق بموضوع فقه الفتوى والحوار الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر، وهذه الدراسات أسهمت في موضوع فقه الفتوى والحوار الحضاري بكل جوانبها، ومنها ما يأتي:

1- الفتوى بين الانضباط والتسيب، للمؤلف: يوسف القرضاوي، يتناول هذا البحث ضوابط الفتوى، وشروط المفتي، وأسباب اختلاف الفتاوى، وأثر الفتوى في معالجة القضايا المعاصرة.

2- صناعة الفتوى وفقه الأقليات، للمؤلف: عبد الله بن بيّه، يبحث في فقه الفتوى المعاصرة، وفقه الواقع، ومقاصد الشريعة في الإفتاء.

3- آداب الحوار في الإسلام، للمؤلف: محمد سيد طنطاوي، يوضح هذا الكتاب مفهوم الحوار، وضوابطه، وأصوله الشرعية، وأثره في بناء العلاقات الإنسانية، وقد عُدَّ من المراجع التي تعتمد عليها البحوث الحديثة في موضوع الحوار.

4- إسلامية المعرفة ومنهجية التثاقف الحضاري مع الغرب، للمؤلف: عرفان عبد الحميد فتاح، منشور في مجلة الفكر الإسلامي المعاصر، يناقش مفهوم التثاقف الحضاري والحوار مع الحضارات الأخرى من منظور الفكر الإسلامي.

5- الفكر الديني المعاصر وتحديات الحداثة، للمؤلف عرفان عبد الحميد فتاح، مجلة الفكر الإسلامي المعاصر، يعالج تحديات الفكر الإسلامي المعاصر وكيفية التعامل مع قضايا الحداثة والحوار الفكري.

6-منهج الجدل وآداب الحوار في الفكر الإسلامي، للمؤلف يوسف موسى علي عبدالله أبوعليقة،  منشور في مجلة العلوم الشاملة، 2026م، يتناول أسس الحوار وآدابه في الفكر الإسلامي وأثرها في إدارة الاختلاف.

7-رسالة: فقه النوازل وأثره في الفتوى المعاصرة، التخصص: الفقه الإسلامي، يتكلم الباحث عن أهمية دور الاجتهاد الفقهي في معالجة المستجدات وأثره في تجديد الفتوى.

المبحث الأول

الإطار المفاهيمي لفقه الفتوى والحوار الحضاري

يشكّل كلٌّ من فقه الفتوى والحوار الحضاري ركيزتين أساسيتين في بناء الوعي الإسلامي المعاصر، إذ يتصل الأول بتنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع المستجدة وفق منهج علمي منضبط، بينما يرتبط الثاني بإدارة العلاقة مع الآخر في سياق التعدد الثقافي والحضاري بما يحقق التفاهم والتعايش دون التفريط بالثوابت أو الانغلاق عنها، ومن هنا تبرز أهمية تحديد الإطار المفاهيمي لهذين المجالين، بوصفه مدخلاً ضرورياً لفهم أبعادهما النظرية والتطبيقية وضبط مفاهيمهما بما يمنع الالتباس أو التداخل غير المنهجي، ويهدف هذا المبحث إلى بيان المفاهيم الأساسية المرتبطة بفقه الفتوى والحوار الحضاري؛ وبذلك يمهّد هذا الإطار لفهم أعمق لموضوع الدراسة، ويضع الأساس العلمي الذي تُبنى عليه بقية مباحث البحث.

المطلب الأول: مفهوم فقه الفتوى وأهميته

يُعدّ فقه الفتوى من العلوم الشرعية الدقيقة التي ترتبط ارتباطاً مباشراً بتنزيل الأحكام الشرعية على وقائع الناس وأحوالهم المتجددة، فهو يمثل حلقة الوصل بين النص الشرعي والواقع العملي، ويُعنى ببيان الحكم الشرعي في المسائل المستجدة وفق منهج علمي قائم على فهم النصوص ومقاصد الشريعة وأحوال المكلفين، ومن ثمّ فإن دراسة مفهوم فقه الفتوى تُعد مدخلاً أساسياً لفهم طبيعة هذا العلم وضوابطه، وتمييزه عن غيره من مجالات الاجتهاد الشرعي، وتتجلى أهمية فقه الفتوى في كونه أداة لضبط الاجتهاد في النوازل، وتحقيق التوازن بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع، بما يضمن تقديم حلول شرعية تراعي مصالح الناس، وتدفع عنهم الحرج والاضطراب، كما تظهر أهميته في دوره في توجيه السلوك الفردي والجماعي، وترسيخ الوعي الديني الصحيح، وحماية المجتمع من الفتاوى غير المنضبطة التي قد تؤدي إلى الفوضى الفكرية أو التشدد أو التفريط؛  وعليه فإن هذا المطلب يسعى إلى بيان مفهوم فقه الفتوى من حيث تعريفه ومجاله، مع إبراز أهميته العلمية والعملية في الواقع المعاصر، بوصفه أحد أهم أدوات تحقيق مقاصد الشريعة في حياة الناس.

الفتوى في اللُّغةِ: اسمُ مَصدَرٍ مَن أفتى يُفتي، يُقالُ: أفتَيتُه في مَسألةٍ: إذا أجَبتَه عنها، وأفتاه الفقيهُ في الأمرِ الذي يُشكِلُ: أبانَه له، وفُتْيا وفتوى، اسمانِ مِن أفتى تَوضُعانِ مَوضِعَ الإفتاءِ، وأصلُ الإفتاءِ والفُتْيا تَبيينُ المُشكِلِ مِنَ الأحكامِ، يُقالُ: استَفتَيتُ: إذا سَألتَ عنِ الحُكمِ، قال تعالى: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ) [النساء: 176]، والفتوى في الاصطِلاحِ هيَ: تَبيينُ الحُكمِ الشَّرعيِّ للسَّائِلِ عنه، والإخبارُ عنه بلا إلزامٍ، وقيلَ: هيَ إخبارٌ عن حُكمِ اللهِ تعالى في إلزامٍ أو إباحةٍ، والحُكمِ الشَّرعيِّ لا يُسَمَّى إفتاءً إلَّا إذا كان جَوابًا عن سُؤالِ سائِلٍ، فلَو بَيَّنَ العالمُ الحُكمَ ابتِداءً دونَ سُؤالِ سائِلٍ؛ فإنَّ بَيانَه حينَئِذٍ لا يُسَمَّى إفتاءً، "والإخبارُ عنه": هذا القَيدُ لإخراجِ القَضاءِ؛ لأنَّه إنشاءٌ للحُكمِ، "بلا إلزامٍ": قَيدٌ لإخراجِ الحُكمِ على وَجهِ الإلزامِ في القَضاءِ([3]).

يقول النووي:" اعْلَم أَن الْإِفْتَاء عَظِيم الْخطر، كَبِير الْموقع، كثير الْفضل؛ لِأَن الْمُفْتِي وَارِث الْأَنْبِيَاء صلوَات الله وَسَلَامه عَلَيْهِم؛ وقائم بِفَرْض الْكِفَايَة؛ لكنه معرض للخطأ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: الْمُفْتِي موقع عَن الله تَعَالَى، وروينا عَن ابْن المُنكدر قَالَ: الْعَالم بَين الله تَعَالَى وخلقه، فَلْينْظر كَيفَ يدْخل بَينهم، وروينا عَن السّلف وفضلاء الْخلف من التَّوَقُّف عَن الْفتيا أَشْيَاء كَثِيرَة مَعْرُوفَة نذْكر مِنْهَا أحرفاً تبركاً، وروينا عَن عبد الرَّحْمَن ابْن أبي ليلى قَال:َ أدركتُ عشْرين ومئة من الْأَنْصَار من أَصْحَاب رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم يُسأل أحدهم عَن الْمَسْأَلَة فيردها هَذَا إِلَى هَذَا، وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى ترجع إِلَى الأول، وَفِي رِوَايَة مَا مِنْهُم من يحدث بِحَدِيث إِلَّا ود أَن أَخَاهُ كَفاهُ إِيَّاه، وَلَا يستفتى عَن شَيْء إِلَّا ود أَن أَخَاهُ كَفاهُ الْفتيا، وَعَن ابْن مَسْعُود وَابْن عَبَّاس رَضِي الله عَنْهُم: مَنْ أفتى فِي كلِّ مَا يسْأَل فَهُوَ مَجْنُون، وَعَن الشّعبِيّ وَالْحسن وَأبي حَصِين بِفَتْح الْحَاء التابعيين قَالُوا: إِن أحدَكَم ليفتي فِي الْمَسْأَلَة وَلَو وَرَدَتْ على عُمَر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ لجمع لَهَا أهل بدر، وَعَن عَطاء بن السَّائِب التَّابِعِيّ أدركتُ أَقْوَامًا يسْأَل أحدهم عَن الشَّيْء فيتكلم وَهُوَ يرعد، وَعَن ابْن عَبَّاس وَمُحَمّد بن عجلَان إِذا أغفل الْعَالم لَا أَدْرِي أُصِيبت مقاتله، وَعَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَسَحْنُون أجسر النَّاس على الْفتيا أقلهم علما، وَعَن الشَّافِعِي وَقد سُئِلَ عَن مسألةٍ فَلم يجب فَقيل لَهُ فَقَالَ: حَتَّى أَدْرِي أَن الْفضل فِي السُّكُوت أَو فِي الْجَواب، وَعَن الْأَثْرَم سمعتُ أَحْمد بن حَنْبَل يكثر أَن يَقُول لَا أَدْرِي؛ وَذَلِكَ فِيمَا عرف الْأَقَاوِيل فِيهِ"([4]).

يقول النميري: "وعليه ولما كَانَ الْمُفْتى هُوَ الْمخبر بِحكم الله تَعَالَى لمعرفته بدليله، هُوَ الْمخبر عَن الله بِحكمِهِ، وَقيل هُوَ المتمكن من معرفَة أَحْكَام الوقائع شرعا بِالدَّلِيلِ مَعَ حفظه لأكْثر الْفِقْه، عظم أَمر الْفَتْوَى وخطرها وَقل أَهلهَا، وَمن يخَاف إثمها وخطرها، وأقدم عَلَيْهَا الحمقى والجهال وَرَضوا فِيهَا بالقيل والقال واغتروا بالامهال والأهمال، واكتفوا بزعمهم أَنهم من الْعدَد بِلَا عدد، وَلَيْسَ مَعَهم بأهليتهم خطّ أحد، وَاحْتَجُّوا باستمرار حَالهم فِي المدد بِلَا مدد، وغرهم فِي الدُّنْيَا كَثْرَة الْأَمْن والسلامة، وَقلة الْإِنْكَار والملامة"([5])؛ وأوضح كذلك ببيان خطورة الفتوى بدون علم والتساهل كذلك، حيث أشار إلى أنه يحرم التساهل فِي الْفَتْوَى واستفتاء من عرف بذلك، إِمَّا لتسارعه قبل تَمام النّظر والفكر أَو لظَنّه أَن الْإِسْرَاع براعة وَتَركه عجز وَنقص، فَإِن سبقت مَعْرفَته لما سُئِلَ عَنهُ قبل السُّؤَال فَأجَاب سَرِيعا جَازَ، وَإِن تتبع الْحِيَل الْمُحرمَة كالسريجية أَو الْمَكْرُوهَة أَو الرُّخص لمن أَرَادَ نَفعه أَو التَّغْلِيظ على من أَرَادَ مضرته فسق، وَإِن حسن قَصده فِي حِيلَة لَا شُبْهَة فِيهَا وَلَا تَقْتَضِي مفْسدَة ليتخلص بهَا المستفتي من يَمِين صعبة أَو نَحْوهَا جَاز،َ لقَوْله تَعَالَى لأيوب: (وَخذ بِيَدِك ضغثا فَاضْرب بِهِ وَلَا تَحنث)، لما حلف ليضربن امْرَأَته مئة جلدَة، وَقد قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: إِنَّمَا الْعلم عندنَا الرُّخْصَة من ثِقَة، فَأَما التَّشْدِيد فيحسنه كل أحد([6]).

والخلاصة كما يراه الباحث، أن فقه الفتوى هو العلم الذي يعنى ببيان الحكم الشرعي وتنزيله على الوقائع والمسائل المستجدة، وفق منهج علمي منضبط يجمع بين فهم النصوص الشرعية ومراعاة مقاصد الشريعة، واعتبار واقع المكلفين، وهو بذلك يمثل حلقة وصل أساسية بين الأحكام الشرعية النظرية والتطبيق العملي في حياة الناس، كما تظهر أهمية فقه الفتوى في كونه أداة لضبط الاجتهاد في النوازل المعاصرة، وتحقيق التوازن بين ثوابت الشريعة ومتغيرات الواقع، إضافة إلى دوره في توجيه السلوك الفردي والجماعي، وترسيخ الفهم الصحيح للدين، وحماية المجتمع من الفتاوى غير المنضبطة، وما قد ينجم عنها من اضطراب فكري أو سلوكي؛ وبذلك يتضح أن فقه الفتوى يعد من أهم الوسائل التي تسهم في تحقيق مقاصد الشريعة في الواقع المعاصر.

 المطلب الثاني :مفهوم الحوار الحضاري وأهدافه في الإسلام

يُعدّ الحوار الحضاري من أهم الوسائل التي دعا إليها الإسلام لبناء جسور التواصل والتفاهم بين الشعوب والأمم، إذ يقوم على احترام الإنسان وقبول التنوع الثقافي والديني، مع الالتزام بالقيم الأخلاقية والإنسانية، وقد جاء الإسلام بمنهج متكامل يدعو إلى الحوار بالحكمة والموعظة الحسنة، بعيدًا عن التعصب والإكراه، قال تعالى :(ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)]النحل: 125 [ويقصد بالحوار الحضاري في الإسلام، التفاعل الإيجابي بين الحضارات والثقافات المختلفة، بهدف تحقيق التفاهم والتعاون، وإبراز القيم المشتركة التي تسهم في تحقيق السلم والاستقرار وخدمة الإنسانية، مع الحفاظ على الهوية الإسلامية والثوابت الدينية، ويهدف الحوار الحضاري في الإسلام إلى نشر قيم التسامح والعدل والتعايش السلمي بين أفراد المجتمع الإنساني، ومن ثم، فإن الحوار الحضاري في الإسلام ليس مجرد وسيلة للتواصل، بل هو منهج شرعي وحضاري يهدف إلى تحقيق الخير للإنسانية، وإقامة العلاقات بين الأمم على أساس الاحترام والعدل والتعاون، بما يسهم في بناء عالم أكثر أمنًا واستقرارًا.

ومفهوم الحوار يحتاج إلى تعريفه لغويا واصطلاحيا، أما في اللغة فمعناه تراجع الكلام، وفي لسان العرب: وهم يتحاورون أي: يتراجعون الكلام، والمحاورة، مراجعة المنطق والكلام في المخاطبة، أما الجدل، فقال ابن فارس: "الجيم والدال واللام أصل واحد وهو من باب استحكام الشيء في استرسال، يكون فيه وامتداد الخصومة ومراجعة الكلام"، أما الحوار في الاصطلاح، فهو المعنى اللغوي السابق نفسه، فهو إذاً، مراجعة للكلام بين طرفين أو أكثر دون وجود خصومة بينهم بالضرورة، أما الجدل فهو، "إظهار المتنازعين مقتضى نظرتهما على التدافع والتنافي بالعبارة أو ما يقوم مقامهما من الإشارة والدلالة"، ويفرق العلماء بين الحوار والجدل، حيث إن الجدل مظنة التعصب والإصرار على نصرة الرأي بالحق وبالباطل والتعسف في إيراد الشبه والظنون حول الحق إذا برز من الاتجاه الآخر، وتوجد ألفاظ قريبة من الحوار والجدال، منها، المحاجة والمناظرة والمناقشة والمباحثة([7]).

ومن نماذج الحوار في الإسلام، ما جاء في القرآن الكريم والسنة الشريفة وسير الصحابة رضي الله عنهم، ومما ورد في القرآن الكريم من نماذج الحوار، مما أمر به النبي صلى الله عليه وسلم، قول الله تعالى، (قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَهَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) [آل عمران: 64-68] ([8]). 

ومن أهداف الحوار في الإسلام إقامة الحجة؛ لأن الغاية من الحوار إقامة الحجة ودفع الشبهة والفاسد من القول والرأي، والسير بطرق الاستدلال الصحيح للوصول إلى الحق، ومنه أيضاً الدعوة إلى الله تعالى بالحسنى؛ لأن الحوار الهادئ مفتاح للقلوب وطريق إلى النفوس، قال تعالى: (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) [النحل: 125]، ومن أهداف الحوار تقريب وجهات النظر، فمن ثمرات الحوار تضييق هوة الخلاف، وتقريب وجهات النظر، وإيجاد حل وسط يرضي الأطراف في زمن كثر فيه التباغض والتناحر، وكذلك كشف الشبهات والرد على الأباطيل، لإظهار الحق وإزهاق الباطل، كما قال تعالى: (وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ) [الأنعام:55] ([9]).

ومن الأهداف التي تضبط الحوار الرجوع إلى الحق، والحذر من التعصب والهوى، وإظهار الغلبة والمجادلة بالباطل، كما يقول الإمام الغزالي عند ذكره لعلامات طلب الحق: "أن يكون في طلب الحق كناشد ضالة، لا يفرّق بين أن تظهر الضالة على يده، أو على يد من يعاونه، ويرى رفيقه معينًا لا خصمًا، ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق"([10])، ومن أداب الحوار تحديد الهدف والقضية التي يدور حولها الحوار، فإن كثيرًا من الحوارات تتحول إلى جدل عقيم سائب ليس له نقطة محددة ينتهي إليها، ومن الآداب كذلك الاتفاق على أصل يرجع إليه، والمرجعية العليا عند كل مسلم هي: الكتاب والسنة، والضوابط المنهجية في فهم الكتاب والسنة، وقد أمر الله بالرد إليهما، فقال سبحانه: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [النساء: 59]، فالاتفاق على منهج النظر والاستدلال قبل البدء في أي نقاش علمي يضبط مسار الحوار ويوجهه نحو النجاح، إذ إن الاختلاف في المنهج سيؤدي إلى الدوران في حلقة مفرغة لا حصر لها ولا ضابط([11]).

والخلاصة كما يراها الباحث أن الحوار الحضاري في الإسلام يمثل منهجًا أصيلًا يقوم على الحكمة والاحترام المتبادل والتفاهم بين الشعوب والثقافات، مع المحافظة على الثوابت والقيم الإسلامية، ويهدف إلى تعزيز التعارف والتعايش السلمي، ونشر قيم العدل والتسامح، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وتوثيق التعاون بين الأمم لتحقيق المصالح المشتركة وخدمة الإنسانية، وبذلك يُعد الحوار الحضاري وسيلة فعّالة لبناء علاقات إنسانية قائمة على السلام والاحترام والتعاون، ويتبين أن الحوار هو تبادل المعلومات والأفكار والآراء سواء أكانت تبادلاً رسمياً أم غير رسمي، مكتوباً أم شفوياً، وينعقد الحوار بمجرد التعرف على وجهات نظر الآخرين وتأملها وتقويمها والتعليق عليها، ومن هذا الفهم يمكن أن يطلق الحوار على تلاقح الثقافات بين بعضها الآخر، وما يحصل من جراء ذلك من تلاقي المتحاورين وتصويب بعضهم لبعض وتأثير بعضهم في بعض.

المطلب الثالث: العلاقة بين فقه الفتوى والحوار الحضاري

يرتبط فقه الفتوى بالحوار الحضاري ارتباطًا وثيقًا؛ إذ تؤدي الفتوى دورًا مهمًا في توجيه سلوك الأفراد والمجتمعات، وتحديد الموقف الشرعي من القضايا المعاصرة التي تتعلق بالعلاقات مع الآخرين، وتقتضي طبيعة الحوار الحضاري أن تكون الفتوى قائمة على فقه صحيح يراعي مقاصد الشريعة، ويفهم الواقع، ويوازن بين المصالح والمفاسد، بما يسهم في ترسيخ قيم العدل والرحمة والتعايش واحترام الكرامة الإنسانية، ومن هذا المنطلق، يتناول هذا المطلب بيان أوجه العلاقة بين فقه الفتوى والحوار الحضاري، وبيان أثر الفتوى الرشيدة في تعزيز ثقافة الحوار والتفاهم والتعاون بين الشعوب والثقافات المختلفة، بما يحقق مقاصد الشريعة في حفظ الدين والنفس والمجتمع، ويخدم مصالح الإنسانية، وتقوم العلاقة بين فقه الفتوى والحوار الحضاري على أساس أن الفتوى تُعد من أهم الوسائل الشرعية التي توجه سلوك الأفراد والمجتمعات في تعاملهم مع الآخرين، مما يجعلها مؤثرة في بناء ثقافة الحوار أو إضعافها، فالفتوى القائمة على العلم، وفهم النصوص الشرعية، ومراعاة مقاصد الشريعة، وفقه الواقع، تسهم في ترسيخ قيم الاعتدال والتسامح والعدل، وتدعم الحوار الحضاري القائم على الاحترام المتبادل والتعايش والتعاون، وقد أشار السعدي إلى هذا بقوله: "فإنْ كان المدعو يرى أنَّ ما هو عليه الحق، أو كان داعية إلى الباطل فيجادل بالتي هي أحسن، وهي الطرق التي تكون أدعى لاستجابته عقلا ونقلا، ومن ذلك الاحتجاج عليه بالأدلة التي كان يعتقدها فإنَّه أقرب إلى حصول المقصود، وأن لا تؤدي المجادلة إلى خصام أو مشاتمة تذهب بمقصودها، ولا تحصل الفائدة منها بل يكون القصد منها هداية الخلق إلى الحق لا المغالبة ونحوها"([12]).

والملاحظ أن الإسلام ظهر على لسان نبي أمي بعث في قوم أميين، حملوه إلى أمم كثيرة من أهل الحضارات والعلوم والفنون السابقة فقبلوه، كما قبلته قبائل البداوة، وآثروه على أديانهم وشرائعهم ولغاتهم؛ لما تجلى لهم في كتابه وسنة نبيه وسيرة دعاته من الجمال المعنوي في عقائده المعقولة، وشريعته العادلة، وآدابه العالية، الموافقات للفطرة الإنسانية، والجمع بين مصالح الدين والدنيا([13]).

والعلاقة بين فقه الفتوى والحوار الحضاري هي مخاطبة بين اثنين فأكثر، وتراجعٌ بينهم في القول، قال الله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) [المجادلة:1]، وقال عز وجل: (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا) [الكهف:34]، ثم قال تعالى: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا) [الكهف:37]، ويعلم أن الحوار الأول كان بين النبي صلى الله عليه وسلم وإحدى الصحابيات، نزل بعده حكم شرعي كان رحمة للمسلمين والمسلمات، والحوار الأخر كان بين مؤمن وكافر معتدٍّ بماله وولده، فمحق الله ماله، وأوقفه على حقيقة نفسه، أما الحضارة  فهي مشتقة من الحاضرة، وهي عكس البادية، والمراد بها، النظرة إلى الإنسان والكون والحياة، والتي تبنى عليها قواعد التعايش بين الناس، وهي غير المدنية التي يراد بها العمران، والجانب المادي من حياة البشر على وجه الأرض، وقد أشار إلى هذا المعنى سماحة الشيخ نوح سلمان، حيث بين أن حوار الحضارات هو السماع من الآخر مباشرة، عن وجهة نظره إلى الإنسان والكون والحياة، والفرق كبير بين من يرى الكون بما فيه من عجائب مخلوقاً لله تعالى، يجب التصرف فيه وفق إرادة خالقه، وبين مَن يراه تحفة جميلة معقدة، فيؤلِّه بعض أجزائه، بطريقة أو بأخرى، والفرق كبير بين من يرى الإنسان عبداً لله كرَّمه وملَّكه هذا الكون؛ وعليه أن يتصرف مع إخوانه ومع بيئته وفق التعليمات التي وضعها من خلق الجميع، ورسم لهم طريق السعادة، وبين مَن يرى الإنسان إلهًا يتصرف كما يشاء، فتتعارض إرادات الناس، وتقع الخصومات بينهم، كما أن الفرق كبير أيضاً بين من يرى الحياة هبة من الله، وفرصة للإنسان ليتقرب إلى خالقه بطاعته، وإسعاد المخلوقات من حوله، وبين من يراها فرصة للذات الجسد، وفي سبيل ذلك يضحي بحياة الآخرين([14]).

وقد أشار الهيتي إلى هذا المعنى حيث بين أن الحوار الحضاري يفرض على المفتي إدراك طبيعة المجتمعات المعاصرة، والتنوع الثقافي والديني، والتحديات التي تواجه العلاقات بين الأمم، حتى تصدر الفتوى بما يحقق المصلحة الشرعية، ويدفع المفاسد، ويحفظ صورة الإسلام وقيمه الإنسانية؛ ولذلك ينبغي أن تتسم الفتوى بالحكمة والوسطية، وأن تبتعد عن الغلو والتشدد أو التساهل غير المنضبط، وهذا النوع من الحـوار وإن أخذ مسميات حديثة فإنه قديم قدم وجود الشعوب ذات الحضارات المتجاورة، حيث كانت تلك الشعوب تتبادل المعارف والخبرات وأنماط الحياة من قيم وسلوك وتقاليد عن طريق التفاعل العفوي الطبيعي، بحيث أصبحت بمجملها جزءا من مفردات نسيجها الاجتماعي دون قصد بفعل التواصل الحضاري على مدى الأزمان المتعاقبة؛ ولأن العالم العربي والإسـلامي اليوم مدعو أكثر من أي وقت آخر إلى الانفتاح على آفاق العصر والدخول في حوارات جدية وهادفة مع دوائر عديدة وعلى مستويات متنوعة، ثقافية وفكرية وسياسية، ليثبت للعالم كله أهليته للمساهمة في صياغة حضارة إنسانية تسود فيها قيم الخير والحق والفضيلة، وتهدف إلى نشر المعارف والثقافات بين الشعوب، وتنمية العلاقات السلمية بينها، وتمكين كل إنسان من اكتساب المعرفة والمشاركة في التقدم العلمي الذي يشهده العالم اليوم ليفتح الحوار مجالا واسعا أمام تفاهم المجتمعات، ويؤدي إلى تقارب الثقافات، ويساهم في تلاقح الأفكار، وهو ما يمكن أن نصطلح عليه اليوم بالتفاعل الحضاري، الذي يجب أن يدعم التعاون بين جميع شعوب العالم على مواجهة تحديات العصر ووضع الحلول المناسبة لها([15]).

والخلاصة كما يراه الباحث أن العلاقة بين فقه الفتوى والحوار الحضاري علاقة تكاملية؛ إذ يسهم فقه الفتوى المنضبط بأصول الشريعة ومقاصدها في ترسيخ ثقافة الحوار، وتعزيز قيم الاعتدال والوسطية والتعايش السلمي، كما أن الفتوى الرشيدة، القائمة على فهم النصوص الشرعية وإدراك الواقع، تؤدي دورًا مهمًا في توجيه الأفراد والمجتمعات نحو احترام الآخر، والتعاون على المصالح المشتركة، وتجنب أسباب التعصب والصراع، ومن ثم فإن فقه الفتوى يُعد من أهم الوسائل التي تدعم الحوار الحضاري، وتحقق مقاصد الشريعة في نشر العدل والرحمة وحفظ الأمن والاستقرار بين المجتمعات، ومن جهة أخرى، يسهم الحوار الحضاري في توسيع مدارك المفتي وفهمه للواقع، مما يساعده على تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع تنزيلاً صحيحًا، ويجعل الفتوى أكثر قدرة على معالجة القضايا المعاصرة بروح الشريعة ومقاصدها، وبذلك تتكامل العلاقة بين فقه الفتوى والحوار الحضاري في تحقيق رسالة الإسلام القائمة على العدل والرحمة، وتعزيز التفاهم والتعاون بين الشعوب، مع الحفاظ على الثوابت الشرعية والهوية الإسلامية.

المطلب الرابع: دور المؤسسات الدينية في تنظيم الفتوى وتعزيز الحوار الحضاري

تؤدي المؤسسات الدينية دورًا محوريًا في تنظيم عملية الإفتاء وضبطها وفق أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها، بما يضمن صدور الفتاوى عن أهل العلم والاختصاص، ويحد من الفوضى والاضطراب في هذا المجال، ولا يقتصر دور هذه المؤسسات على بيان الأحكام الشرعية، بل يمتد إلى تعزيز قيم الاعتدال والوسطية، ونشر ثقافة الحوار الحضاري، وترسيخ مبادئ التعايش والاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع ومختلف الشعوب والثقافات، وفي ظل التحديات الفكرية والثقافية المعاصرة، تزداد أهمية المؤسسات الدينية في توجيه الخطاب الديني نحو الحكمة والتوازن، بما يسهم في تصحيح المفاهيم، ومواجهة التطرف، وتعزيز السلم المجتمعي والتفاهم الإنساني، ومن هذا المنطلق، يتناول هذا المطلب دور المؤسسات الدينية في تنظيم الفتوى، وبيان إسهامها في دعم الحوار الحضاري وتحقيق مقاصد الشريعة في الإصلاح وبناء المجتمعات.

ولا شك أن المؤسسات الدينية في بلاد المسلمين لها دور كبير جداً في ترسيخ الهوية الوطنية، والانتماء إلى أوطاننا المسلمة التي يُعبد فيها الله تعالى ويُذكر فيها اسمه، ويُطبَّق فيها شرعه، أنشئت المؤسسات الدينية في الدولة الوطنية المعاصرة لتمثل طابع المجتمع المسلم في بلادنا، ولتحافظ على هوية تلك المجتمعات الإسلامية، التي تنتمي إلى دين الإسلام، وينتمي غالب ساكنيها إليه، فحين نتكلم عن الهوية الوطنية في البلاد العربية؛ فهي الهوية الإسلامية في المقام الأول، التي تعبر عن غالب انتماء أهله، وإن وجدت انتماءات دينية أخرى، فقد كفلها الإسلام والقانون لأهلها، وهذا ما وجد دستوراً في كتاب الله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) [البقرة: 256] ([16]).

ولا يخفى على ذي لبّ أن مؤسسات وهيئات الإفتاء المعاصر في العالم العربي والإسلامي، وباقي دول العالم، هي مؤسسات تقوم بواجب كبير جدا، وجهود مباركة، تسعى هذه المؤسسات والهيئات الدينية لتقديم الفتاوى، ضمن منهج شرعي متوازن، بعيدا عن الغلو والتطرف، وهذه المؤسسات لها دور بارز في القضاء على الفتاوى الشاذة، وتُجيب الناس على أسئلتهم، سواءً منها ما يتعلق بالعبادات أو المعاملات أو الأحوال الشخصية، ونظرًا لظهور أمور جديدة في حياة المواطنين، وتعدد المسائل وكثرة المدارس الفقهية، فقد اقتضت المصلحة البحث في المسائل المستجدة التي تعم المجتمع، ومن مهام دور الإفتاء في العالم، الإشراف على شؤون الفتوى وتنظيمها، وإصدار الفتوى في الشؤون العامة والخاصة، وإعداد البحوث والدراسات الإسلامية اللازمة في الأمور المهمة والقضايا المستجدة، وإصدار مجلة علمية دورية متخصصة، تعنى بنشر البحوث العلمية المحكَّمة في علوم الشريعة الإسلامية، والدراسات المتعلقة بها، والتعاون مع علماء الشريعة الإسلامية في العالم الإسلامي، فيما يتعلق بشؤون الإفتاء العامة والخاصة، ومن المهام أيضاً نشر الفتاوى التي صدرت عن دور الإفتاء، لينتفع بها المسلمون، ففيها فقه وتطبيق وتخريج لواقعات جديدة، وهى في ذات الوقت منهل حافل ينهل منه الدارسون لعلوم الاجتماع والتاريخ والسياسة والاقتصاد، إذ تحمل الاستفتاءات الرسمية والشعبية صورة لواقع حياة الناس([17]).

والخلاصة كما يراه الباحث أن للمؤسسات الدينية دورًا أساسيًا في تنظيم الفتوى وضبطها وفق أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها، من خلال إسناد الإفتاء إلى العلماء المؤهلين، وتوحيد المرجعية العلمية، والحد من الفتاوى غير المنضبطة، كما تسهم هذه المؤسسات في تعزيز الحوار الحضاري عبر نشر قيم الوسطية والاعتدال، وترسيخ ثقافة التسامح والتعايش، وتصحيح المفاهيم الخاطئة، وتشجيع التواصل والتعاون بين مختلف الشعوب والثقافات؛ وبذلك تؤدي المؤسسات الدينية دورًا مهمًا في تحقيق الأمن الفكري، وتعزيز الاستقرار المجتمعي، وإبراز الصورة الحضارية للإسلام القائمة على العدل والرحمة والحكمة.

المبحث الثاني

الأسس الشرعية لفقه الفتوى في الفكر الإسلامي المعاصر

يُعد فقه الفتوى من أهم المجالات الشرعية التي تُعنى ببيان الأحكام الشرعية للمسائل والوقائع المستجدة، وهو يستند إلى أصول وقواعد راسخة مستمدة من مصادر التشريع الإسلامي ومقاصده الكلية، ولا تصح الفتوى إلا إذا قامت على أسس علمية ومنهجية تجمع بين الفهم الصحيح للنصوص الشرعية، وإدراك الواقع الذي تُنزل عليه الأحكام، مع مراعاة المصالح والمفاسد وتحقيق مقاصد الشريعة، وقد أولى الفكر الإسلامي عناية كبيرة بتأصيل قواعد الإفتاء، وبيان شروط المفتي، وضوابط إصدار الفتوى، حفاظًا على سلامة الأحكام الشرعية وتحقيقًا لمصالح العباد، وتبرز أهمية هذه الأسس في قدرتها على توجيه الفتوى نحو الاعتدال والوسطية، ومواكبة المستجدات، مع المحافظة على ثوابت الشريعة وأصولها، ومن هذا المنطلق، يتناول هذا المبحث أهم الأسس الشرعية التي يقوم عليها فقه الفتوى في الفكر الإسلامي، وبيان أثرها في تحقيق مقاصد الشريعة وتنظيم حياة الأفراد والمجتمعات.

المطلب الأول: ضوابط الفتوى وشروط المفتي

تُعد الفتوى من أخطر المناصب الشرعية؛ لأنها تتعلق ببيان حكم الله تعالى في أفعال المكلفين، ولذلك أحاطها الفقه الإسلامي بجملة من الضوابط والشروط التي تكفل سلامة إصدارها وصحة الاستناد إليها، فالفتوى ليست مجرد إبداء رأي، وإنما هي اجتهاد شرعي يقوم على العلم الراسخ، والفهم الصحيح للنصوص، وإدراك مقاصد الشريعة، ومراعاة أحوال الناس وواقعهم، وقد اهتم علماء الإسلام ببيان الضوابط التي ينبغي مراعاتها عند الإفتاء، كما وضعوا شروطًا دقيقة للمفتي، من أبرزها: العلم بالقرآن الكريم والسنة النبوية، والإلمام بأصول الفقه وقواعده، ومعرفة مواضع الإجماع والخلاف، وفهم الواقع، والتحلي بالعدالة والورع والحكمة، ويهدف ذلك إلى صيانة الفتوى من الخطأ والتسرع، وتحقيق مقاصد الشريعة في جلب المصالح ودرء المفاسد، ومن هذا المنطلق، يتناول هذا المطلب أهم ضوابط الفتوى والشروط الواجب توافرها في المفتي، وأثرها في تحقيق الفتوى الرشيدة وخدمة مصالح المجتمع.

ومن ضوابط التي تتعلق بأصول الفتوى وإصدارها، الإجابة على قدر السؤال والتفصيل في الحالات المحتملة مع التوضيح، والإجابة بالعموم بما يتوافق مع مقاصد الشريعة، والالتزام بمنهج الوسطية في الفتوى، فلا ميل للتشدد ولا للتساهل، كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله: "يكون الميل إلى الرخص في الفتيا بإطلاق مضادا للمشي على التوسط، كما أن الميل إلى التشديد مضاد له أيضا، وربما فهم بعض الناس أن ترك الترخص تشديد فلا يجعل بينهما وسطا وهذا غلط، والوسط هو معظم الشريعة وأم الكتاب، ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء التام عرف ذلك، وأكثر من هذا شأنه من أهل الانتماء إلى العلم يتعلق بالخلاف الوارد في المسائل العلمية، بحيث يتحرى الفتوى بالقول الذي يوافق هوى المستفتي بناء منه على أن الفتوى بالقول المخالف لهواه تشديد عليه، وحرج في حقه وأن الخلاف إنما كان رحمة لهذا المعنى، وليس بين التشديد والتخفيف واسطة، وهذا قلب للمعنى المقصود في الشريعة، وقد تقدم أن اتباع الهوى ليس من المشقات التي يترخص بسببها، وأن الخلاف إنما هو رحمة من جهة أخرى، وأن  الشريعة حمل على التوسط لا على مطلق التخفيف وإلا لزم ارتفاع مطلق التكليف من حيث هو حرج ومخالف للهوى، ولا على مطلق التشديد فليأخذ الموفق في هذا الموضع حذره، فإنه مزلة قدم على وضوح الأمر فيه"([18]).

ومن الضوابط كذلك ما ذكره الدكتور أبو البصل، حيث أشار إلى أن من الضوابط إرشاد المستفتي إلى ضرورة مراجعة مفتي بلده في قضايا الطلاق والجهاد وغيرها مما يرتبط بالمكان والزمان، ومفتي البلد أعرف من غيره فيها، والتركيز على الجوامع وما لا يؤدي للخلاف ويوحد الصف، وضرورة سؤال المستفتي عن "بلده" وإقامته وهل هو ملتزم بمذهب معين أو ينتشر في بلده مذهب ما، وأن لا يمتنع المفتي عن تأجيل البت في الفتوى إذا لم تكتمل "الصورة" لديه، وكان بحاجة إلى مزيد بحث أو مشاورة لأهل العلم، ولا يغفل عن قول "لا أدري" أو "سأبحث الأمر" أو "سأوافيكم بالجواب"، ولا مانع من أخذ عنوان المستفتي أو نشر الفتوى على صفحة الإنترنت الخاصة بالبرنامج أو بأية وسيلة متاحة أو في حلقة قادمة بعد استكمال البحث، وأن لا يغفل المفتي "التوجيه التربوي" وأن يجعل برنامج الفتوى منبراً للدعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، فهذه مناسبة وفرصة للتحدث لجمهور عظيم، فلا أقل من التوجيه والتذكير، كما لا ينسى التوجيه التربوي في فتواه، فالمتلقي للفتوى ليس جنديا يتلقى الأوامر وينفذها فحسب، بل هو إنسان يعيش في بيئة ولديه معوقات كثيرة، ويحتاج إلى أسلوب ينبه فيه ويحيي جذوة  "الإيمان" و"الفتوى" ويسهل عليه الالتزام الذاتي بالحكم الشرعي، ومراعاة حال المخاطبين والذين يستمعون إلى الفتوى من حيث صياغة الفتوى ولغتها، فهناك الأمي والمتعلم والمفكر والطالب والصغير والكبير والذكر والأنثى، والتنبه في أسلوب عرض وبث الفتاوى المتعلقة ببعض المسائل ذات الحساسية أو "الخصوصية([19]).

أما شروط المفتي فلا يجوز أن يلي أمر الإفتاء إلا من تتحقق فيه الشروط المقررة في مواطنها، وأهمها: ‌العلم بكتاب الله تعالى وسُنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وما يتعلق بهما من علوم، و‌العلم بمواطن الإجماع والخلاف والمذاهب والآراء الفقهية، و‌المعرفة التامة بأصول الفقه ومبادئه وقواعده ومقاصد الشريعة، والعلوم المساعدة مثل: النحو والصرف والبلاغة واللغة والمنطق وغيرها، و‌المعرفة بأحوال الناس وأعرافهم، وأوضاع العصر ومستجداته، ومراعاة تغيرها فيما بني على العرف المعتبر الذي لا يصادم النص، والقدرة على استنباط الأحكام الشرعية من النصوص، و‌الرجوع إلى أهل الخبرة في التخصصات المختلفة لتصور المسألة المسؤول عنها، كالمسائل الطبية والاقتصادية ونحوها([20]).

وأشار النووي إلى أن من شَروط الْمُفْتِي كذلك كَونه مُكَلّفا مُسلما ثِقَة مَأْمُونا متنزِّهاً عَن أَسبَاب الْفسق وخوارم الْمُرُوءَة، فقيهَ النَّفس سليمَ الذِّهْن رصينَ الفِكر صَحِيح التَّصَرُّف والاستنباط متيقظاً، سواءٌ فِيهِ الحرُّ وَالْعَبْد وَالْمَرْأَة وَالْأَعْمَى والأخرس، إِذا كتب أَو فهمت إِشَارَته، قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَمْرو ابْن الصّلاح: وَيَنْبَغِي أَن يكون كالراوي فِي أَنه لَا يُؤثر فِيهِ قرَابَة وعداوة وجرّ نفع وَدفع ضرّ؛ لِأَن الْمُفْتِي فِي حكم مخبرٌ عَن الشَّرْع بِمَا لَا اخْتِصَاص لَهُ بشخص، فَكَانَ كالراوي لَا كالشاهد، وفتواه لَا يرتبط بهَا إِلْزَام بِخِلَاف حكم القَاضِي، قَالَ وَذكر صَاحب الْحَاوِي، أَن الْمُفْتِي إِذا نابذ فِي فتواه شخصا معينا صَار خصما حكما معانداً، فتُردُّ فتواه على من عَادَاهُ، كَمَا ترد شَهَادَته عَلَيْهِ، وَاتَّفَقُوا على أَن الْفَاسِق لَا تصح فتواه، وَنقل الْخَطِيب فِيهِ إِجْمَاع الْمُسلمين، وَيجب عَلَيْهِ إِذا وَقعت لَهُ وَاقعَة أَن يعْمل بِاجْتِهَاد نَفسه، وَأما المستور وَهُوَ الَّذِي ظَاهره الْعَدَالَة وَلم تختبر عَدَالَته بَاطِنا، فَفِيهِ وَجْهَان أصَحهمَا جَوَاز فتواه؛ لأنَّ الْعَدَالَة الْبَاطِنَة يعسر مَعْرفَتهَا على غير الْقُضَاة"([21]).

الخلاصة كما يراه الباحث أن الفتوى من أخطر المناصب الشرعية؛ لأنها تتعلق ببيان حكم الله تعالى في أفعال المكلفين؛ ولذلك أحاطها الفقه الإسلامي بجملة من الضوابط والشروط التي تكفل سلامة إصدارها وصحة الاستناد إليها، فالفتوى ليست مجرد إبداء رأي، وإنما هي اجتهاد شرعي يقوم على العلم الراسخ، والفهم الصحيح للنصوص، وإدراك مقاصد الشريعة، ومراعاة أحوال الناس وواقعهم.

المطلب الثاني: مقاصد الشريعة وأثرها في الفتوى المعاصرة

تُعدُّ مقاصد الشريعة من أهم العلوم التي تُبرز حكمة التشريع الإسلامي وغاياته، فهي تعنى بالكشف عن الأهداف والمعاني التي أرادها الشارع الحكيم من الأحكام الشرعية، والتي تتمثل في تحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، ودرء المفاسد عنهم، وقد اهتم علماء الأصول بهذا العلم، ومن أبرزهم الإمام الشاطبي، الذي بيّن أن الشريعة كلها قائمة على جلب المصالح وتكميلها، ودفع المفاسد وتقليلها، بما يحقق العدل والرحمة والاستقامة في حياة الإنسان، ويُعد فهم هذه المقاصد أساسًا مهمًا في الاجتهاد الشرعي، إذ يساعد المفتي على استنباط الأحكام بما يحقق مقاصد الشريعة، مع مراعاة تغير الزمان والمكان والأحوال، ويظهر أثر مقاصد الشريعة في الفتوى المعاصرة من خلال تمكين المفتي من معالجة النوازل والقضايا المستجدة التي لم يرد فيها نصٌّ صريح، كما تسهم المقاصد في تحقيق التوازن بين الالتزام بالنصوص الشرعية ومراعاة واقع الناس، فتكون الفتوى أكثر قدرة على مواكبة التطورات الاجتماعية والاقتصادية والطبية والتقنية.

ومن تعريف المقاصد لغة: قَصَدْتُ الشَّيْءَ وَلَهُ وَإِلَيْهِ قَصْدًا([22])، ومَقْصَد مفرد، ومقاصِدُ: مصدر ميميّ من قصَدَ، قصَدَ إلى، قصَدَ في، قصَدَ لـ: قَصْد واتِّجاه([23])، وفي الاصطلاح، يطلق على الأهداف العامة التي تسعى الشريعة إلى تحقيقها في حياة الناس، وتطلق أيضا على الأهداف الخاصة التي شرع لتحقيق كل منها حكم خاص([24])، وعرّف ابن عاشور المقاصد العامة للشريعة بقوله: "مقاصد الشريعة العامة هي المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا تختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة"([25]).

يقول الشاطبي: "الْمُفْتِي قَائِمٌ  فِي الْأُمَّةِ مَقَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهو نَائِبٌ عَنْهُ فِي تَبْلِيغِ الْأَحْكَامِ؛ لِقَوْلِهِ: "أَلَا لِيُبَلِّغِ الشَّاهِدُ مِنْكُمُ الْغَائِبَ، رواه البخاري، وأَنَّ الْمُفْتِيَ شَارِعٌ مِنْ وَجْهٍ؛ لِأَنَّ مَا يُبَلِّغُهُ مِنَ الشَّرِيعَةِ؛ إِمَّا مَنْقُولٌ عَنْ صَاحِبِهَا، وَإِمَّا مُسْتَنْبَطٌ مِنَ الْمَنْقُولِ؛ فَالْأَوَّلُ يَكُونُ فِيهِ مُبَلِّغًا، وَالثَّانِي يَكُونُ فِيهِ قَائِمًا مَقَامَهُ فِي إِنْشَاءِ الْأَحْكَامِ،  وَعَلَى الْجُمْلَةِ؛ فَالْمُفْتِي مخبِرٌ عَنِ اللَّهِ كَالنَّبِيِّ، ومُوقع لِلشَّرِيعَةِ عَلَى أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ بِحَسَبِ نَظَرِهِ كَالنَّبِيِّ، وَنَافِذٌ أَمْرُهُ فِي الْأُمَّةِ"([26]).

والأصوليون وإن لم يتناولوا مصطلح (تطبيق الأحكام الشرعية) بوصفه مصطلحاً خاصاً يدل على معنى مخصوص، فإنهم قد أرشدوا إلى جوهر معنى التطبيق من خلال مبحث تحقيق المناط والذي يعني: "أن يثبت الحكم بمدركه الشرعي، لكن يبقى النظر في تعيين محله"([27])، وإن تحقيق المناط هو العمود الفقري الذي ترتكز عليه عملية تطبيق الأحكام الشرعية بأسرها، وأن تنزيل الأحكام على جزئياتها من حيز التنظير إلى حيز التطبيق لا يتمُّ إلا من خلال تحقيق المناط، من جهة كونه نظراً في انطباق المعنى العام على جزئياته، سواء أكان هذا المعنى العام علة شرعية ينظر الفقيه في مدى تحققها في الفرع المسكوت عنه تحققها في الأصل المنطوق به، أم كان هذا المعنى العام قاعدة كلية يتحقق الفقيه من الجزئيات التي تصلح لتطبيق القاعدة العامة عليها([28])؛
وعليه فيُعد علم المقاصد الشرعية من المرتكزات الأساسية في الاجتهاد المعاصر؛ لما له من دور بارز في ضبط الفتوى ومراعاة الواقع المتغير، ويهدف إلى بيان أثر المقاصد الشرعية في توجيه الفتوى المعاصرة، مع التركيز على النوازل المالية الحديثة، التي تتطلب فهماً عميقا لمقاصد الشريعة ومآلات الأفعال، كما أكد على أهمية فقه الواقع وربطه بالمقصد الشرعي لضمان فتاوى تراعي مصالح الناس دون الإخلال بثوابت الشريعة؛ وبذلك تبرز المقاصد كأداة منهجية تحقق التوازن بين النص والواقع، وتعزز من كفاءة الفتوى وواقعيتها([29]).

والخلاصة كما يراه الباحث أن مقاصد الشريعة تمثل الأساس الذي يبرز حكمة التشريع الإسلامي وغاياته في تحقيق مصالح العباد ودرء المفاسد عنهم، وأن فهمها يُعد من أهم أدوات الاجتهاد والفتوى، خاصة في القضايا المعاصرة التي تتطلب تنزيل الأحكام الشرعية على الوقائع المستجدة، كما أن مراعاة المقاصد تسهم في تحقيق التوازن بين الالتزام بالنصوص الشرعية ومواكبة تطورات الحياة، بما يحفظ الضروريات الخمس ويحقق العدل والرحمة والتيسير، ومن ثم فإن الفتوى المعاصرة لا تكون أكثر دقة وفاعلية إلا إذا استندت إلى فهم صحيح لمقاصد الشريعة، مع الالتزام بالضوابط الشرعية وعدم مخالفة النصوص القطعية، بما يؤكد صلاحية الشريعة الإسلامية لكل زمان ومكان.

المطلب الثالث: مراعاة تغير الزمان والمكان والعرف في إصدار الفتوى

تُعدُّ الفتوى من أهم وسائل بيان الأحكام الشرعية للناس؛ ولذلك فإن إصدارها يتطلب فهمًا دقيقًا للنصوص الشرعية، إلى جانب إدراك واقع المستفتين والظروف المحيطة بهم، وقد قرر الفقهاء أن الفتوى قد تتغير بتغيّر الزمان والمكان والعرف والأحوال، لا لتغير الأحكام الشرعية الثابتة، وإنما لتغير الوقائع والمصالح التي تُناط بها الأحكام الاجتهادية، ويستند هذا المبدأ إلى مقاصد الشريعة التي تهدف إلى تحقيق مصالح العباد ورفع الحرج عنهم، مع المحافظة على ثوابت الدين وأصوله، ومن هذا المنطلق، فإن مراعاة تغيّر الزمان والمكان والعرف تُعد من الضوابط الأساسية في الاجتهاد والفتوى، إذ تمكن المفتي من تنزيل الأحكام على الوقائع المستجدة بما يحقق العدل والمصلحة، ويضمن مواكبة الشريعة لمختلف التطورات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، دون إخلال بالنصوص القطعية أو الأحكام الثابتة. ومن ثم، يتناول هذا المطلب بيان مفهوم تغيّر الفتوى، وأثر الزمان والمكان والعرف في إصدارها، والضوابط الشرعية التي تحكم هذا التغيّر.

ويَنبَغي لمَن تَصَدَّى للإفتاءِ أن يُدرِكَ قاعِدةَ تَغَيُّرِ الفتوى واختِلافِها بحَسَبِ تَغَيُّرِ الأزمِنةِ والأمكِنةِ والأحوالِ والنِّيَّاتِ والعَوائِدِ([30])، وهيَ مُجمَعٌ عليها بَينَ العُلَماءِ كَما نَقَل ذلك القَرافيُّ([31])، وأشار ابن القيم إلى أنه يَنبَغي للمُفتي أن يَكونَ فقيهًا في مَعرِفةِ مَكرِ النَّاسِ وخِداعِهم واحتيالِهم وعَوائِدِهم وعُرفيَّاتِهم؛ فإنَّ الفتوى تَتَغَيَّرُ بتَغَيُّرِ الزَّمانِ والمَكانِ والعَوائِدِ والأحوالِ، وذلك كُلُّه مِن دينِ اللهِ،  وذكر أيضاً أن هذا فَصلٌ عَظيمُ النَّفعِ جِدًّا، وقَعَ بسَبَبِ الجَهلِ به غَلَطٌ عَظيمٌ على الشَّريعةِ أوجَبَ مِنَ الحَرَجِ والمَشَقَّةِ وتَكليفِ ما لا سَبيلَ إليه([32]).

وأوضح الإمام القَرافيُّ، بأن الأحكامُ المُتَرَتِّبةُ على العَوائِدِ تَدورُ مَعَها كَيفما دارَت، وتَبطُلُ مَعَها إذا بَطَلَت، كالنُّقودِ في المُعامَلاتِ والعُيوبِ في الأعراضِ في البياعاتِ ونَحوِ ذلك، فلَو تَغَيَّرَتِ العادةُ في النَّقدِ والسِّكَّةِ إلى سِكَّةٍ أخرى لحُمِلَ الثَّمَنُ في البَيعِ عِندَ الإطلاقِ على السِّكَّةِ الَّتي تَجَدَّدَتِ العادةُ بها دونَ ما قَبلَها، وكذلك إذا كان الشَّيءُ عَيبًا في الثِّيابِ في عادةٍ رَدَدنا به المَبيعَ، فإذا تَغَيَّرَتِ العادةُ وصارَ ذلك المَكروهُ مَحبوبًا موجِبًا لزيادةِ الثَّمَنِ لم تُرَدَّ به، وبهذا القانونِ تُعتَبَرُ جَميعُ الأحكامِ المُرَتَّبةِ على العَوائِدِ([33])؛ وكذلك مِن آدابِ المُفتي عِندَما يَشرَعُ في بناءِ فتواه أن يُراعيَ مآلاتِ الأقوالِ والأفعالِ في عُمومِ التَّصَرُّفاتِ، ويُراعيَ المَصالِحَ والمَفاسِدَ([34]).

وأشار الشَّاطِبيُّ: إلى أن "النَّظَرُ في مآلاتِ الأفعالِ مُعتَبَرٌ مَقصودٌ شَرعًا، كانتِ الأفعالُ مُوافِقةً أو مُخالِفةً؛ وذلك أنَّ المُجتَهِدَ لا يَحكُمُ على فِعلٍ مِنَ الأفعالِ الصَّادِرةِ عنِ المُكَلَّفينَ بالإقدامِ أو بالإحجامِ إلَّا بَعدَ نَظَرِه إلى ما يَؤولُ إليه ذلك الفِعلُ، مَشروعًا لمَصلَحةٍ فيه تُستَجلَبُ، أو لمَفسَدةٍ تُدرَأُ، ولَكِن له مَآلٌ على خِلافِ ما قُصِدَ فيه، وقد يَكونُ غَيرَ مَشروعٍ لمَفسَدةٍ تَنشَأُ عنه أو مَصلَحةٍ تَندَفِعُ به، ولَكِن له مَآلٌ على خِلافِ ذلك، فإذا أُطلِقَ القَولُ في الأوَّلِ بالمَشروعيَّةِ، فرُبَّما أدَّى استِجلابُ المَصلَحةِ فيه إلى مَفسَدةٍ تُساوي تلك المَصلَحةَ أو تَزيدُ عليها، فيَكونُ هذا مانِعًا مِن إطلاقِ القَولِ بالمَشروعيَّةِ، وكذلك إذا أُطلِقَ القَولُ في الثَّاني بعَدَمِ المَشروعيَّةِ رُبَّما أدَّى استِدفاعُ المَفسَدةِ إلى مَفسَدةٍ تُساوي أو تَزيدُ؛ فلا يَصِحُّ إطلاقُ القَولِ بعَدَمِ المَشروعيَّةِ، وهو مَجالٌ للمُجتَهِدِ صَعبُ المَورِدِ، إلَّا أنَّه عَذبُ المَذاقِ مَحمودُ الغِبِّ، جارٍ على مَقاصِدِ الشَّريعةِ"([35]).

ولا شك أن المفتي في عمله إنما يبتغي إظهار الحكم الشرعي في المسائل التي تعرض عليه، بما لا يؤدي إلى الضرر والمفسدة، وميزان مقاصد الشريعة نصب عينيه، ولا يعني هذا التقاعس عن البيان والقيام بالمسؤولية، ففرق كبير بين مجانبة الحكمة والتهور وإطلاق الأحكام دون تثبت وبين محاولة توحيد صفوف الأمة، وتقليل خلافاتها، وعدم الانسياق وراء إرضاء الجمهور أو الناس أو حزب أو حكومة أو طائفة ما، والمفتي في هذا الباب يجب عليه أن يكون يقظا واعيا، حكيما مطلعا على خفايا المسائل السياسية وملابساتها؛ لئلا يكون داعيا إلى فتنة أو مستخدما للدعوة إلى فتنة أو إلى وجهة ما([36])؛ ولذلك فإن المفتي مطالب بالجمع بين الفقه بالنصوص الشرعية والفقه بالواقع، حتى تصدر الفتوى منضبطة بأدلتها، ومحققةً لمقاصد الشريعة، ومواكبةً لمتغيرات العصر، بما يؤكد مرونة الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكل زمان ومكان؛ وعليه فإنه من المقرر أيضاً أن الفتوى إذا وقعت موثقة بالدليل الشرعي، مبينة على فهم صحيح لنصوص الشرع الحنيف بعيدة عن الشاذ والضعيف من الآراء والأقوال، وكان المقصود منها وجه االله  فقط، كان لها أثرها البالغ في واقع الأمة([37]).

والخلاصة كما يراه الباحث أن مراعاة تغيّر الزمان والمكان والعرف من الضوابط المهمة في إصدار الفتوى، لما لها من أثر في تحقيق مقاصد الشريعة وتنزيل الأحكام على الوقائع المتجددة بما يحقق مصالح الناس ويدفع عنهم الحرج، إلا أن هذا التغيّر لا يعني تبدّل الأحكام الشرعية الثابتة بالنصوص القطعية، وإنما يقتصر على الأحكام الاجتهادية التي تتأثر بتغيّر الأعراف والأحوال والظروف

المطلب الرابع: الفتاوى الشاذة وأثرها في تشويه صورة الإسلام

تُعدُّ الفتوى أمانةً شرعية ومسؤوليةً عظيمة، إذ تقوم بدور مهم في بيان أحكام الشريعة وتوجيه المسلمين في شؤون دينهم ودنياهم، ومن ثم، فإن صدورها عن غير المؤهلين، أو بناؤها على اجتهادات تخالف الأدلة الشرعية المعتبرة أو مقاصد الشريعة، قد يؤدي إلى ظهور ما يُعرف بالفتاوى الشاذة، وهي الفتاوى التي تنفرد بآراء مخالفة لما استقر عليه أهل العلم دون مستند شرعي معتبر، أو تُفضي إلى مفاسد تتعارض مع مقاصد الشريعة، وقد أسهم انتشار وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي في سرعة تداول هذه الفتاوى ووصولها إلى جمهور واسع، الأمر الذي أدى في بعض الأحيان إلى إثارة البلبلة بين المسلمين، وإعطاء صورة غير صحيحة عن سماحة الإسلام ووسطيته، فضلًا عن استغلالها من قبل بعض الجهات لتشويه صورة الدين الإسلامي والطعن في أحكامه؛ ومن هنا تبرز أهمية بيان مفهوم الفتاوى الشاذة، وأسباب ظهورها، وآثارها السلبية، وسبل الحد منها، بما يحفظ مكانة الفتوى ويصون صورة الإسلام القائمة على الاعتدال والرحمة والحكمة.

والفتوى الشاذة، هي الرأي الفقهي الذي خالف إجماعا صريحا، ولم ينسجم مع مقاصد الشريعة، واستبعده العقل، فغالب الفتاوى الشاذة إما أنها خرجت عن الإجماع، وهذا بيّن، أو لم يُراعَ فيها الواقع والمآل والموازنة بين المصالح والمفاسد، وهو ما يدخل تحت مقاصد الشريعة، أو يستبعدها العقل والطبع السليم([38]).

ولم أقف على من عرَّف الفتوى الشاذة المعاصرة، بخصوصها تعريفا دقيقا جامعا مانعا، لكن إذا جَرَيْنا على المعنى العام للفتوى، وهي الإخبار عن الحكم الشرعي، أمكن القول: بأن الفتوى الشاذة هي الحكم المصادم للنص أو للدلالة القطعية للكتاب أو السنة، أو كان مصادما لما عُلم من الدين بالضرورة، أو مصادما لمقاصد الشرع أو قواعده أو مبادئه، فما كان من الفتوى بهذه الصفة، فهي الفتوى الشاذة، التي شذت عن المنهج الصحيح([39]).

والفتاوى الشاذة بهذا المعنى تعنى الخروج عن المألوف الصحيح، والبعد عن النص المحكم والوصول إلى رأي يخالف الإجماع أو النص المعتبر والمحكم والبعد عن المحور الشرعي المطلوب([40])، وإن الفتوى الشاذة هي الحكم المصادم لنص الكتاب أو السنة، أو كان لفظهما أو دلالتهما لا يحتمله تأويل المفتي، أو كان حكمه مصادم لما علم من الدين بالضرورة، أو مصادم لمقاصد الشرع أو قواعده أو مبادئه؛ وذلك لأن الحكم لا يكون باطلا مردودا إلا في هذه الحال، فما كان من الفتـوى بهذه الصفة فهي الفتوى الشاذة، ويمكن القول إن من أبرز المذاهب الفقهية شهرة بالشذوذ أهل الظاهر([41])، فغالب آرائهم في مسائل الفروع تأتي مخالفة لرأي الجمهور، وهذه الآراء غالبا ما ينسبون فيها إلى الشذوذ، وذلك لأنهم قعّدوا أصولا أصَرُّوا على عدم الخروج عنها([42]).

ومن الفتاوى الشاذة، الأفكار المنحرفة في المعاملات، وهو التشدد بتحريم كل شيء، ومثله الأفكار المنحرفة التي نادت بها بعض الجماعات التكفيرية، بتحريم كل أنواع المصارف الإسلامية، حيث قالوا: بأنه لا فرق بين هذا البنك وهذا البنك، ومنها الدعوة إلى تدمير مقامات الصحابة الكرام والأولياء والصالحين، بحجة أنها تُعبد من دون الله تعالى، والدعوة إلى إخراج قبور الصالحين إلى أماكن خارج المساجد، مع علمنا جميعا أن مقامات الصحابة تزار ولا تعبد، ولم يمر على مسامعنا أن هناك أحد عبدها من دون الله تعالى([43]).

ومن الفتاوى الشاذة ما ذكره الحافظ ابن عبد البر أنه قد شذ بعض أهل الظاهر فأقدم على خلاف جمهور علماء المسلمين وسبيل المؤمنين، فقال: ليس على المتعمد لترك الصلاة في وقتها أن يأتي بها في غير وقتها، لأنه غير نائم ولا ناسٍ، وإنما قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها) [رواه أبو داود، كتاب الصلاة، باب من نام عن الصلاة أو نسيها، رقم: 435]([44])، وقال أيضا: وقد شذ داود عن الجماعة بإجازة قراءة القرآن للجنب([45])، قال الشوكاني: وقد شذ ابن حزم فقال: إنه يرش من بول أي ذكر، كان صبيا أو كبيرا، وهو إهمال للقيد الذي يجب حمل المطلق عليه([46])، وقال ابن رشد: وذهب أهل الظاهر إلى أن الرفث أي الرفث باللسان أو كلام الخنا يفطر، وهو شاذ([47]).

والخلاصة كما يراها الباحث أن الفتاوى الشاذة تُعد من أبرز الأسباب التي تؤدي إلى اضطراب الفهم الصحيح للشريعة، لما تسببه من لبسٍ بين الناس، وإثارةٍ للجدل، وإضعافٍ للثقة بالفتوى والمؤسسات العلمية المعتبرة، كما أن انتشار هذه الفتاوى عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي أسهم في استغلالها لتقديم صورة مشوهة عن الإسلام، بما يتعارض مع مبادئه القائمة على الوسطية والاعتدال والرحمة، ومن هنا تبرز أهمية قصر الفتوى على أهل العلم المؤهلين، والالتزام بالضوابط الشرعية ومقاصد الشريعة، وتعزيز دور المؤسسات العلمية في توجيه الناس وبيان الأحكام الصحيحة، حفاظًا على مكانة الفتوى وصيانةً لصورة الإسلام من التشويه وسوء الفهم.

الخاتمة، وفيها أهم النتائج والتوصيات

فبعد التطواف في موضوع: فقه الفتوى والحوار الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر، يتبين أن فقه الفتوى والحوار الحضاري في الفكر الإسلامي المعاصر يشكلان عنصرين متكاملين في إبراز سماحة الإسلام وقدرته على مواكبة متغيرات العصر. فالفتوى الرشيدة تقوم على فهم النصوص الشرعية وفق مقاصدها، مع مراعاة واقع الناس ومستجدات الحياة، بما يحقق المصلحة ويدرأ المفاسد، كما أن الحوار الحضاري يعد وسيلة فعالة لتعزيز التفاهم والتعاون بين الأمم والثقافات، وترسيخ قيم العدل والرحمة والاحترام المتبادل، وقد توصل الباحث إلى أهم النتائج والتوصيات، على النحو الآتي:

أولاً: النتائج، وقد توصل الباحث إلى أهم النتائج الآتية:

1. أثبتت الدراسة أن فقه الفتوى يعد من أهم الوسائل الشرعية لمعالجة القضايا المعاصرة وفق أحكام الشريعة الإسلامية ومقاصدها.

2. تعتمد الفتوى الصحيحة على الجمع بين الفهم الدقيق للنصوص الشرعية والإدراك الواعي لواقع الناس ومستجدات العصر.

3. أثبتت الدراسة أن الحوار الحضاري يسهم في إبراز الصورة الحقيقية للإسلام بوصفه دينًا يدعو إلى السلام والعدل والتسامح والتعاون الإنساني.

4. أكد الفكر الإسلامي المعاصر أهمية الحوار القائم على الاحترام المتبادل، وقبول التنوع، والتعايش السلمي بين الشعوب والثقافات.

5. أثبتت الدراسة أن الحوار يؤدي إلى الاعتدال في الفتوى، ونبذ الغلو والتطرف ويؤدي كذلك إلى تعزيز الأمن الفكري والاستقرار المجتمعي.

6. توجد علاقة تكاملية بين فقه الفتوى والحوار الحضاري؛ فالفتوى المعتدلة تدعم ثقافة الحوار، والحوار يسهم في نشر قيم الإسلام السمحة.

ثانيًا: التوصيات

1. الاهتمام بتأهيل المفتين علميًا وشرعيًا، وتنمية قدرتهم على التعامل مع القضايا والنوازل المعاصرة.

2. تعزيز ثقافة الحوار الحضاري في المؤسسات التعليمية والدعوية والإعلامية، وترسيخ قيم الاحترام والتسامح.

3. تشجيع الاجتهاد الجماعي من خلال المجامع الفقهية؛ للوصول إلى فتاوى أكثر دقة وملاءمة للواقع.

4. مكافحة الفتاوى المتشددة وغير المنضبطة، والاعتماد على المؤسسات العلمية والجهات المختصة في إصدار الفتاوى.

5. دعم الدراسات والبحوث التي تعالج العلاقة بين الفتوى والحوار الحضاري، وتقديم حلول شرعية للتحديات المعاصرة.

6. توظيف وسائل الإعلام والتقنيات الحديثة لنشر الفتاوى الموثوقة، وتعزيز ثقافة الحوار والتعايش بين أفراد المجتمع.

 

(*) بحث مقدم إلى المؤتمر العلمي الدولي الثاني: من الأصالة الإنسانية إلى آفاق الابتكار والحداثة العلمية، كلية ابن خلدون الجامعة الأهلية- بغداد، 23 إلى 24 / 8 / 2026م.

الهوامش

[1] السيد، عزمي طه السيد، المنهج العلمي عند الكندي، المجلة الفلسفية العربية، المجلد (4)، 1996م

[2] السيد، عزمي طه السيد، المنهج العلمي عند علماء المسلمين، المجلة الفلسفية العربية، المجلد الرابع، 1996م، ص5.

[3] السقاف، علوي بن عبدالقادر، المدخل إلى أصول الفقه، دار الأصالة للنشر والتوزيع، مصر، ودار الضياء- الكويت، تقديم الحبيب عمر حفيظ، ص 26، وينظر: القرافي، أحمد بن إدريس، (ت٦٨٤هـ)، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، (ص: 35)، دار البشائر الإسلامية للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت الطبعة: الثانية، ١٩٩٥م.

[4] النووي، يحيى بن شرف النووي (ت676هـ)، آداب الفتوى والمفتي والمستفتي، (ص: 13)، المحقق: بسام عبد الوهاب الجابي، دار الفكر، دمشق، الطبعة: الأولى، 1408.

[5] النميري، أحمد بن حمدان بن شبيب (ت695هـ)، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، (ص: 4)، المحقق: محمد ناصر الدين الألباني، الناشر، المكتب الإسلامي، بيروت، ط 3، 1397هـ.

[6] النميري، صفة الفتوى والمفتي والمستفتي، (ص: 32).

[7] تركستاني، أحمد بن سيف الدين، الحوار مع أصحاب الأديان مشروعيته وشروطه وآدابه (ص: 9)، الناشر: الكتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات.

[8] آل نواب، عبد الرب نواب الدين، وسطية الإسلام ودعوته إلى الحوار، (ص: 42)، الناشر: الكتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات.

[9] عمر بن عبد الله كامل، آداب الحوار وقواعد الاختلاف (ص: 4): الناشر: الكتاب منشور على موقع وزارة الأوقاف السعودية بدون بيانات.

[10] الغزالي، محمد بن محمد الغزالي، (ت505هـ)، إحياء علوم الدين، ج1 ص57، دار المعرفة، بيروت.

[11] عمر بن عبد الله كامل، آداب الحوار وقواعد الاختلاف (ص: 4).

[12] السعدي، عبد الرحمن بن ناصر بن عبد الله (ت1376هـ)، تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، المحقق: عبد الرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة، الطبعة: الأولى 2000م.

[13] مجموعة من المؤلفين، محمد رشيد بن علي رضا (ت1354هـ)، مجلة المنار (33 / 121).

[14] الدكتور نوح القضاة، مفتي المملكة الأردنية الهاشمية، موقع دائرة الإفتاء العام الأردنية، بتاريخ 30/8/2009م

[15] الهيتي، عبدالستار إبراهيم، حوار الحضارات، ج1، ص145، دار المعرفة، بغداد، 2001م

[16] مسعود صبري، دور المؤسسات الدينية في الحفاظ على الهوية الوطنية، مقال على مجلة المجتمع، الشبكة العنكبوتية.

[17] عبدالله الربابعة، دور مؤسسات الإفتاء المعاصرة في التصدي للفتاوى الشاذة، بحث محكم، بحث مقدم للرابطة العالمية للفقهاء، المؤتمر العلمي الدولي الثاني، الفتوى والإفتاء المعاصر: الضوابط والمنهجية والآثار.

[18] الشاطبي، إبراهيم بن موسى بن محمد، (ت790هـ)، الموافقات، (4/ 259-260)، المحقق: مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط1، 1997م

[19] أبو البصل، عبدالناصر موسى، ضوابط الفتوى عبر الفضائيات، بحث مقدم لـ(المؤتمر العالمي للفتوى وضوابطها)، الذي عقده المجمع الفقهي الإسلامي في رابطة العالم الإسلامي، مكة المكرمة، المملكة العربية السعودية، (20-23/ 1/ 1430هـ) الموافق (17-20/ 1/ 2009م).

[20] أبو البصل، ضوابط الفتوى عبر الفضائيات.

[21] النووي، يحيى بن شرف النووي (ت676هـ)، آداب الفتوى والمفتي والمستفتي (ص: 19)، المحقق: بسام عبد الوهاب الجابي، دار الفكر، دمشق، الطبعة: الأولى، 1408.

[22] الفيومي، أحمد بن محمد بن علي، (ت770هـ)، المصباح المنير في غريب الشرح الكبير، (2 / 504)، المكتبة العلمية، بيروت.

[23] أحمد مختار عبد الحميد عمر، (ت1424هـ)، معجم اللغة العربية المعاصرة، (3 / 1820)، عالم الكتب الطبعة، الأولى، 1429هـ- 2008م.

[24] منشورات وزارة الأوقاف السعودية، مقاصد الشريعة الإسلامية، (ص: 1)

[25] أحمد الريسوني، نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي (ص: 6)، الدار العالمية للكتاب الإسلامي ط2، 1992م.

[26] الشاطبي، الموافقات، (5/ 253).

[27] الشاطبي، الموافقات، (5/ 253).

[28] الطوفي: سليمان بن عبد القوي (ت716ھ)، شرح مختصر الروضة، ج3، ص236، تحقيق: الدكتور عبد الله التركي، ط1، مؤسسة الرسالة بيروت، 1409ھ، وانظر: الكيلاني: عبدالرحمن، المناط عند الأصوليين وأثره في اختلاف الفقهاء، مجلة الشريعة والدراسات الإسلامية، العدد الثامن والخمسون، السنة التاسعة عشرة، رجب 1425ھ-2004م، مجلس النشر العلمي، جامعة الكويت، ص82-83.

[29] محمود إبراهيم خليل، أثر المقاصد الشرعية في ضبط الفتوى المعاصرة: دراسة تطبيقية على النوازل المالية الحديثة، رسالة ماجستير، مجلة الجامعة العراقية.

[30] ابن قيم الجوزية، محمد بن أبي بكر (ت751هـ)، إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج3، ص429، تحقيق: محمد عبد السلام إبراهيم، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 1991م.

[31] القرافي، أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن (ت684هـ)، الفروق- أنوار البروق في أنواء الفروق، ج1، ص176، دار الكتب العلمية، بيروت، 2001م.

[32] ابن قيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج5، ص84.

[33] القرافي، الفروق، ج1، ص176.

[34] الدخيل، عبدالرحمن بن محمد، الفتوى أهميتها ضوابطها أثارها، ص270، بحث مقدم لنيل جائزة نايف بن عبدالعزيز آل سعود، العالمية للسنة النبوية والدراسات الإسلامية المعاصرة، الدورة الثالثة، ط1، لعام 2007

[35] الشاطبي، إبراهيم بن موسى بن محمد، (ت790هـ)، الموافقات، (5/ 177)، المحقق: مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط1، 1997م.

[36] أبو البصل، ضوابط الفتوى عبر الفضائيات.

[37] أحمد محمد عزب موسى، رسالة ماجستير، أثـــر تغـــير الزمان والمكان في تغير الفتوى، ص66، جامعة الملك خالد، أبهاء، السعودية، وأنظر: الفتوى، عبداالله بن محمد بن أحمد الطيار، الأستاذ بجامعة القصيم، بحث مقدم مع الفقه الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي بمكة.

[38] نبيل العبضولي، تاريخ الفتاوى الشاذة وأثرها في الفقه الإسلامي، مقال على الشبكة العنكبوتية، بتاريخ 20/1/2020م.

[39] القرافي، أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن (ت684هـ)، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، ص: 231، دار الكتب العلمية، بيروت، 2004م، ومكتبة المطبوعات الإسلامية بحلب ط1، تحقيق الشيخ عبد الفتاح أبي غدة.

[40] عجيل جاسم النشمي، الفتوى الشاذة وخطورتها، مقال في موقع الشبكة العنكبوتية لموقع المؤلف.

[41] مذهب فقهي يعتمد أتباعه على ظواهر النصوص، ولا يتعدّون ذلك إلى القياس وشبهه، وأبرز من صنف فيه الحافظ ابن حزم رحمه الله.

[42] القرافي، الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام، ص: 231.

[43] عبدالله الربابعة، بحث محكم بعنوان دور مؤسسات الإفتاء المعاصرة في التصدي للفتاوى الشاذة، بحث مقدم للرابطة العالمية للفقهاء، المؤتمر العلمي الدولي الثاني، الفتوى والإفتاء المعاصر: الضوابط والمنهجية والآثار.

[44] القرطبي، يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر (ت463هـ)، الاستذكار، (1 /64)، تحقيق: سالم محمد عطا، محمد علي معوض، دار الكتب العلمية، بيروت، ط1، 2000م.

[45] القرطبي، الاستذكار، (3/462).

[46] الشوكاني، محمد بن علي بن محمد (المتوفى: 1250هـ)، نيل الأوطار، (1/118)، تحقيق: عصام الدين الصبابطي، دار الحديث، مصر، ط1،1993م.

[47] ابن رشد، محمد بن أحمد بن محمد (المتوفى: 595هـ)، بداية المجتهد ونهاية المقتصد، ج1، ص346، دار الحديث، القاهرة، الطبعة: بدون طبعة، 2004م.