أضيف بتاريخ : 01-07-2026


الشبهات الاستشراقيـَّــة حول "الوحي" في كتاب "تاريخ القرآن" للمستشرق الألمانيّ نولدكه(*)

دراسة تحليلية نقدية

د. جاد الله بسام صالح

ملخص

إن كتاب الله تعالى هو الكتاب الوارث للكتب الإلهية، وهو الخاتم لها والمصدق لما بين يديها، كما أنه منهاج ربِّ العالمين لهذا العالم إلى قيام يوم الدين، ومن ثمَّ كان الحفاظ على عليه من أولى أولويات المسلم، وقد جاء هذا البحث يلبي شيئاً من حق القرآن الكريم في بيان بعض الشبهات التي تعرض أصحابها لموضوع الوحي بالتشكيك، ودار كلامهم فيها على نفي المصدرية الإلهية القرآن الكريم، زاعمين في ذلك مزاعم متنوعة.

وتناول هذا البحث بعض تلك الشبهات التي ذكرها المستشرق نولدكه في كتابه الشهير تاريخ القرآن، وابتدأ البحث بالتعريف بالمستشرق وكتابه، ثم مفهوم الوحي عند نولدكه والشبه التي ذكرها مع تفنيدها والرد عليها، ومن الأمور المهمة التي تناولها البحث بيان الأصول الفلسفية لتلك الشبهات، وآثارها في باب مصدرية القرآن الكريم، ونبوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم. واختتم البحث بأهم نتائجه وتوصياته.

الكلمات المفتاحية: الوحي. القرآن. مصدر القرآن. نولدكه. استشراق. شبهات

المقدِّمة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

فإنَّ كتاب الله واجب التعظيم، ولا يقوم بواجبه إلا من أهّله الله لذلك، ووقّاه المهالك، وإنَّ من واجب تعظيم كتاب الله تعالى ذبُّ ذبابات المستشرقين عنه، البالغين في الطعن فيه كلَّ مبلغ، حتى استباحوا في سبيل ذلك الافتراء والكذب، وما وفّروا في ذلك جهلاً إلا ركبوه، ولا كذباً إلا قالوه، فردّهم الله لم ينالوا خيراً.

موضوع البحث

"الوحي" محور أساسي تظهر به مصدريّة القرآن الكريم، وهذا المحور يتلخّص في العقيدة الإسلامية القطعية التي تقرّر أنّ القرآن الكريم كلام الله تعالى، أوحى به إلى نبيه صلى الله عليه وسلم، ف"الوحي" على هذا هو الواسطة في نقل كلام الله تعالى من مصدره إلى مورده وهو النبي عليه الصلاة والسلام، وأيّ شبهة تعرض للوحي فإنما تلقي بثوب الشبهة على مصدر القرآن الكريم، ولذلك كان من الواجب عرض بعض ما يطرحه المستشرقون في هذا الباب، لبيان حقيقة ما يقال فيه.

وإنما يختص هذا البحث بتناول ما أثاره المستشرق نولدكه من شبهات حول موضوع "الوحي"، وذلك في كتابه "تاريخ القرآن".

مسوّغات البحث وأهميته

إنَّ من المستشرقين الذين استباحوا ما استباحوا في الكلام على القرآن ومباحث علومه، المستشرق الألماني نولدكه صاحب كتاب (تاريخ القرآن)، ونظراً إلى أهمية موضوع "الوحي" في نفسه، وخطورة ما يطرح فيه من شبهات، بالإضافة إلى أن الردّ الذي ناله هذا المستشرق الخطير قليل بالنسبة إلى غيره من المستشرقين، رأيتُ أنْ أجعل موضوع هذا البحث مختصاً به من بين سائر المستشرقين.

ومما يضاف إلى ما ذكرته، أن هذا المستشرق كان مؤثراً في كثير ممن جاء بعده من الذين تناولوا موضوع البحث، فيكون الكلام عليه تأصيلاً لبحث المتأثرين به، كما أن الطعن في "الوحي" طعن في مصدرية القرآن، وهو يسلب القرآن قيمته، ويجعله كتاباً كسائر الكتب، بلا فرق، فينتج عن ذلك عدم وجوب أحكامه، وتساقط عقائده وأعماله وآدابه، بل تسقط الشريعة الإٍسلامية ودين الإسلام جملة.

ويمكن تلخيص أهمية هذا البحث في النقاط الآتية:

1. تدعيم دلائل مصدرية القرآن الكريم.

2. تثبيت قيمة القرآن الكريم من حيث هو نصّ موحى به من الله تعالى، منزل على النبي صلى الله عليه وسلم، محفوظ اللفظ والمعنى، وذلك من خلال دحض الشبهات الاستشراقية التي أوردها نولدكه.

3. تفنيد الشبه الاستشراقية التي ذكرها نولدكه حول "الوحي" وبيان أًصلها الفلسفيّ.

مشكلة البحث

إن كتاب الله تعالى هو الكتاب الوارث للكتب الإلهية، وهو الخاتم لها والمصدق لما بين يديها، كما أنه منهاج ربِّ العالمين لهذا العالم إلى قيام يوم الدين، ومن ثمَّ كان الحفاظ على عليه من أولى أولويات المسلم، كلٌّ حسب قدرته وتخصّصه، كما أنَّ كل كلمة تقال في حق القرآن الكريم، لهي كلمة في غاية من الخطورة والأهمية، لما أنها مرتبطة بالإسلام نفسه وبرسالة نبيه صلى الله عليه وسلم.

ولأجل ذلك؛ كان ردّ الشبهات حول موضوع "الوحي"، بمثابة خطّ الدّفاع الأول عن القرآن الكريم، ويمكن تلخيص مشكلة هذا البحث التي يسعى إلى الإجابة عنها وتكوين تصور وافٍ حولها في الأسئلة الآتية:

1. ما حقيقة مفهوم "الوحي" عند المستشرق نولدكه؟

2. ما الأصول التي اعتمد عليها نولدكه في تقرير معنى "الوحي" عنده؟

3. ما الأثر الناجم عن مفهوم "الوحي" عند نولدكه على مصدرية القرآن الكريم؟

4. كيف يمكن تصور نبوة النبيّ صلى الله عليه وسلم في ظل شبهات نولدكه حول "الوحي"؟

خطة البحث

إن موضوع البحث ومشكلته وطبيعة الأسئلة التي يطرحها تفرض معالجة تحليلية نقدية، وقد وضعتها ضمن مباحث ثلاثة، وتحت كل مبحث عدة مطالب، وقدمت لها بالمقدمة التي بين يدي القارئ الكريم، وألحقت بها خاتمة تلخص أهم النتائج والتوصيات التي توصل لها البحث، وذلك وفق الخطة الآتية:

المقدمة

المبحث الأول: مفهوم الوحي والتعريف بالمستشرق نولدكه وكتابه "تاريخ القرآن"

المطلب الأول: مفهوم "الوحي" لغةً واصطلاحاً

المطلب الثاني: نولدكه وكتاب تاريخ القرآن والدراسات حولهما

المبحث الثاني: "الوحي" عند نولدكه في كتابه "تاريخ القرآن"

المطلب الأول: مفهوم "الوحي" عند نولدكه

المطلب الثاني: شبه نولدكه في مفهوم "الوحي"

المطلب الثالث: الأصول الفلسفية لشبه نولدكه في مفهوم "الوحي"

المبحث الثالث: آثار شبه نولدكه حول "الوحي"

المطلب الأول: آثار الشبه في باب مصدريَّـة القرآن الكريم

المطلب الثاني: آثار الشبه في باب نبوَّة سيدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم

الخاتمة والنتائج

المبحث الأول

مفهوم الوحي والتعريف بالمستشرق نولدكه وكتابه "تاريخ القرآن"

المطلب الأول: مفهوم "الوحي" لغة واصطلاحاً

أما مفهوم "الوحي" لغة؛ فقد قال الزمخشري في الأساس: "أوحيت إليه إذا كلمته بما تخفيه عن غيره"([1]). وأصل "الوحي" في اللغة يدلّ على الإشارة السريعة، كما ذكر الراغب الأصفهاني([2])، وقد يراد بالفعل من "الوحي" في اللغة معان أخر، منها: رمز، وأشار، وكتب([3]).

ويؤكد ذلك ما جاء في مقاييس اللغة: "الواو والحاء والحرف المعتل: أصل يدلّ على إلقاء علم في إخفاء أو غيره إلى غيرك، فالوحي: الإشارة. والوحي: الكتاب والرسالة، وكل ما ألقيته إلى غيرك حتى علمه فهو وحي كيف كان...، وكل ما في باب الوحي فراجع إلى هذا الأصل الذي ذكرناه"([4]).

وأمّا اصطلاحاً؛ فما ذكره العلماء يرجع إلى ما جاء في كتاب الله تعالى، ذلك أن للوحي صوراً ثلاثاً رئيسة يجمعها قول الله تعالى: (وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ) [الشورى: 51]، لكنَّ "الوحي" بالقرآن الكريم إنما هو على الطريقة الثانية دون الأخريين، أي بإرسال الرسول وهو أمين "الوحي" جبريل عليه السلام.

وفي ذلك يقول الزركشي: "والتنزيل له طريقان: أحدهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم انخلع من صورة البشرية إلى صورة الملائكة، وأخذه من جبريل. والثاني أنَّ الملك انخلع إلى البشرية حتى يأخذ الرسول منه. والأول أصعب الحالين"([5])، ولا يفهم من عبارة الزركشي أنَّ الملك عندما ينخلع إلى البشرية يصير بشراً، بل هو ملك في كلا الطريقين اللذين ذكرهما الزركشي.

وقال ابن خلدون في شرح حالة "الوحي" وسبب تسميته بذلك: "التلقي من الملك، والرجوع إلى المدارك البشرية، وفهمه ما ألقي عليه كله، كأنه في لحظة واحدة بل أقرب من لمح البصر، لأنه ليس في زمان، بل كلها تقع جميعاً، فيظهر كأنها سريعة، ولذلك سميت وحياً، لأن "الوحي" في اللغة الإسراع"([6]).

وعرفه ابن عقيلة، فقال: "الوحي" عبارة عن تجلي الحقّ لجبريل عليه السلام، أو للنبيّ صلى الله عليه وسلم، بصفة الكلام النفسي، وهو عبارة عن هذا اللفظ والمعنى، غير أنَّ اللفظ في ذلك التجلي ليس متجسّداً، بل هو معنىً عبر عنه في هذا العالم لضيقه عن التعبير بتلك العبارة، كما يعبر عن رؤية اللبن في المنام بالعلم"([7]).

وعرّفه الشيخ الزّرقاني في مناهل العرفان: "معناه في لسان الشرع أنْ يُعلم الله تعالى من اصطفاه من عباده كلَّ ما أراد إطلاعه عليه من ألوان الهداية والعلم، ولكن بطريقة سرية خفية غير معتادة للبشر"([8]).

وخلاصة ما ذكر في مفهوم الوحي يدور حول ما ذكره علماء المصطلح، فقد عرفوه بتعريفات متقاربة، يقول أبو البقاء الكفوي في الكليات: "الوحي" هو الكلام الخفيّ يدرك بسرعة ليس في ذاته مركباً من حروف مقطعة تتوقف على تموّجات متعاقبة"([9])، و"الوحي" يحصل بواسطة الملك، فخرج الأحاديث القدسية، وإن كانت كلام الله تعالى، و"الوحي" من خواصّ النبوّة([10]).

المطلب الثاني: نولدكه وكتاب "تاريخ القرآن" والدراسات حولهما

إنَّ كتاب الله تعالى حاز من المسلمين كل اهتمام، حتى إنَّ العلوم الشرعية بأجمعها ما كانت إلا حرصاً على القرآن الكريم في بيان معانيه واستخراج أحكامه الشرعية وبيان هداياته العظمى، بالإضافة إلى مهمة الذبّ عنه والحفاظ عليه من أن تناله الشبهات، ومن جملة الاهتمام الذي حازه القرآن الكريم الجهود التي هدفت إلى الردّ على الطاعنين فيه، وقد أحسن العلماء في ردهم وتفنيدهم، سواء كان ذلك في التأليفات الخاصة، أو في ثنايا كتب العقيدة وعلوم القرآن الكريم.

والمستشرقون الذين خرجوا عن طريق الإنصاف والبحث العلمي الصحيح من جملة من يطعن في القرآن الكريم، إما طعناً خفياً لا يلمحه إلا المدققون، أو طعناً ظاهراً، ولا يخلص من المستشرقين أحد من هذه الافتراءات إلا قليل.

أولاً: ترجمة نولدكه

أما نولدكه، بحسب ما يعرف به عبد الرحمن بدوي، فهو شيخ المستشرقين الألمان غير مدافع، وهو متقن تماماً لثلاث من اللغات السامية (العربية، والعبرية، والسريانية)، جاوز عمره 94 عاماً. ولد نولدكه سنة 1836م، درس اللغة الآرامية ولهجاتها المختلفة في سياق دراسة الكتاب المقدس، ودرس اللغة السنسكريتية، ودرس اللغتين التركية والفارسية.

حصل نولدكه على الدكتوراه الأولى عام 1856م برسالة عن (تاريخ القرآن)، وهي التي طورها لاحقاً مع تلميذه شفالي، وموضوع "الوحي" من هذا الكتاب هو موضوع الدراسة في هذا البحث. اشتغل هذا المستشرق بالمخطوطات العربية في اللغة والنحو والقرآن وعلومه، ونسخ شيئاً كثيراً منها، حيث اطّلع على المخطوطات العربية والتركية في كل من فيينا وبرلين وجيتنجن وغيرها، ومن أهمّ أعماله: كتاب أبحاث لمعرفة شعر العرب القدماء، وكتاب في نحو العربية الفصحى، وكتاب تاريخ القرآن. ومات نولدكه سنة 1930م([11]).

ثانياً: الدراسات في شبهات نولدكه حول "الوحي"

أمّا نصيب نولدكه من الردّ والتفنيد، فبحسب اطلاعي وجدت أنه قليل بالنسبة إلى غيره من المستشرقين من أمثال جولدتسيهر وغيره، بالرغم من أن نولدكه يعدّ في القيمة العلمية الاستشراقية أهمّ من غيره بكثير.

وقد وجدت أنَّ الاهتمام الذي حازه نولدكه في مجال الرد هو في موضوع ترتيب سور القرآن الكريم على حسب النزول([12])، وبدرجة أقل في غيره من الموضوعات.

أما موضوع "الوحي" وشبهات المستشرقين فيه فهو على الرغم من كثرة تناوله من قبل الباحثين([13])، إلا أنَّ نولدكه في كتابه (تاريخ القرآن) لم يحظ نسبياً بالاهتمام والدراسة التي حظي بها غيره من المستشرقين، لكن ذكره الباحث عمر رضوان في رسالته للدكتوراه من غير ردّ، لأنه لم يخصّص بحثه هناك للردّ([14])، وتناوله الباحث محمد رضا الدقيقي بصورة مستفيضة في الجزء الثاني "الوحي إلى محمد هل هو صوت داخلي؟" من كتابه ذي الأجزاء الثلاثة "كتاب تاريخ القرآن للمستشرق نولدكه"، وتناوله أيضاً حسن علي مطر الهاشمي في ضمن دراسة نقدية كاملة لكتاب "تاريخ القرآن"، حيث تناولت في بعض جوانبها موضوع الوحي([15])، ودراسة رغداء محمد أديب زيدان، مثالب منهجية في كتاب تاريخ القرآن لنولدكه([16]).

وأنا أحاول في هذا البحث شيئاً مختلفاً عن هذه الدراسات، وهو أن ألخّص كلام نولدكه في مفهومه للوحي بأمور واضحة وبعبارات مباشرة مأخوذة من كلامه، تجنباً للتعبير عن مقاصده بعبارات قد تخفى، بصورة تظهر الشبهات التي طرحها نولدكه مع ربطها بأصولها القديمة التي تقوم على إنكار بعض مفاهيم العقيدة الإسلامية الثابتة بالدلائل القطعية عقلية ونقلية، كما أسعى إلى إعمال ذلك في إحكام الردّ على الشبهات المطروحة وتفنيدها، وأذكر ما تلقيه هذه الشبهات من آثار حول مصدرية القرآن الكريم والأحكام الشرعية عموماً، وسأتناول هذه الجزئية فقط من غير تعرض لكثير من التفصيلات الأخرى، أعني مفهوم الوحي وربطه بالمفاهيم الفلسفية القديمة كما ظهرت عند الفلاسفة المشائين من الإسلاميين.

المبحث الثاني

شبهات نولدكه حول "الوحي" في كتابه "تاريخ القرآن"

ذكر نولدكه في كتابه كثيراً من الشبهات، ولكنه نثرها في كتابه نثراً، بحيث يصعب الإتيان عليها كلها، لكنني في هذا البحث سأجمع أصول الشبهات التي ذكرها، وفي الوقت نفسه سأحاول التعبير عن شبهاته بلسانه، وقد جعلتُ هذا المبحث على ثلاثة مطالب:

المطلب الأوَّل: مفهوم "الوحي" عند نولدكه، وهو مطلب لا أتعرَّض فيه للنقد، وإنما جعلته خاصّاً بالشرح والتوضيح والتحليل، أبرز فيه الشبهات التي طرحها هذا المستشرق.

المطلب الثاني: نقد شبهات نولدكه في مفهوم "الوحي"، وهو مطلب خصصته للنقد والنقض، وفيه تعداد للشبه التي يحتوي عليها كتاب نولدكه في مفهوم "الوحي" ودحضها شبهة شبهة.

المطلب الثالث: الأصول الفلسفية لشبه نولدكه في مفهوم "الوحي"، وهو مطلب خاصّ بذكر المذاهب الفلسفية القديمة التي تناولت مفهوم "الوحي"، وبيان العلاقة بين الفلسفة وشبه نولدكه، وهو مطلب مهمّ في التعرف على أصول المستشرقين في الأقوال الدينية والاعتقادية، ليكون ذلك مدخلاً قوياً في معرفة آرائهم، وبناء ردّ محكم عليها.

المطلب الأول: مفهوم "الوحي" عند نولدكه

اعتنى نولدكه بتقرير مفهوم "الوحي" أشدَّ اعتناء، وجاءت هذه العناية من زاوية أنَّ "الوحي" هو أصل القرآن الكريم، ليكون مفهوم "الوحي" منعكساً مباشرة على مصدر القرآن وأصله.

وتتبين عناية نولدكه بمفهوم "الوحي" من خلال عرضه لأفكار بعض المستشرقين، ونقدها أحياناً، ومن خلال تفسيره الخاصّ لمفهوم "الوحي".

ويمكن لي أنْ أبين مفهوم "الوحي" عند نولدكه في بنودٍ معينةٍ، مأخوذةٍ من ألفاظه، من خلال كلامه عن "الوحي"، في شتى السياقات، سواءً كان نقداً لغيره، أو تفسيراً خاصّاً له، وهذه البنود فيما فهمته من كتاب نولدكه يمكن أن تجمل في أربعة أمور، كما سيأتي تعدادها وشرحها.

وسأقرّر في عباراتٍ واضحةٍ رأي نولدكه وتصوّراته في مفهوم الوحي، وسأجعل الردَّ على آراء هذا المستشرق في المطلب الآتي، وأمّـا هذا المطلب فهو متعلِّق بتصوُّرات نولدكه حول معنى "الوحي" ومفهومه.

وأودُّ في بدء تلخيصي لكلام نولدكه في نقاط، أنْ أنبَّـه أنَّ نولدكه لم يرتِّب الكلام على "الوحي"، ولم يجعله في نقاطٍ واضحة، وأنَّ كلامه إنما جاء متداخلاً، ومتناقضاً في بعضها، وأنَّ واجبي في هذا المطلب أنْ أنقل الصورة الذهنيَّـة القارَّة في عقل نولدكه وفي كتابه، وأن أعرضها عرضاً مرتباً بيناً لا لبس فيه، مع تحليلها وتوضيحها بقدر الطاقة، وسأسلك في سبيل ذلك مراعاة التكثير من النقل عن كتابه، ومراعاة الإنصاف، والعدول عن مسلك الاعتساف. وعليه؛ فإنَّ التداخل والتناقض الذي يمكن أنْ يحصل في العرض هو من نولدكه نفسه.

أولاً: "الوحي" ليس صَرَعاً فعليّـاً لكنه مرض

يرفض نولدكه أنْ يُعتبَر "الوحي" نوعاً من الصَّرع، حيث نقل عن بعض المستشرقين هذا القول: "(فايل) توصل إلى النتيجة أنَّ محمّداً كان يعاني نوعاً من الصَّرع"([17])، وعلَّل نولدكه سبب رفضه هذا الرأي بقوله: "فقدان الذاكرة هو أحد عوارض داء الصَّرع الفعليّ"([18]).

إذن؛ فإنَّ نولدكه لما عَلِمَ أنَّ سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم لم يكن فاقداً للذاكرة، بل كان يعي ما يقول تماماً، لم يستسغْ أنْ يجعل "الوحي" نوعاً من الصَّرع كما فعل غيره، بل حاول أن يطور هذه الفكرة ليجعل منها مرضاً ما، ويكون عدم ضبط النبي لما يراه أو يسمعه نتيجة وأثراً لذلك المرض.

ومع أستاذيَّـة نولدكه في تقرير رأيه ومحاولة الاستشهاد عليه، فإنه لم يستطع أنْ يحافظ على وتيرة واحدة من استقامة الرأي، فناقض نفسه فيما ادّعاه من أنَّ محمداً لم يعانِ من فقدان الذاكرة، فقال: "ولم يستطع محمد في أثناء الثوران النفسي الشديد أن يستمع إلى أجزاء كاملة من القرآن، بل إلى كلمات وأفكار مفردة فقط"([19])، فهذا علاوة على ما فيه من التهمة بالنسيان، فإن فيه تهمةً بعدم الإدراك أصلاً.

وكذلك؛ فإنَّ نولدكه الذي اعتبر "الوحي" مغايراً للصرع الفعليّ، رجع في موضع آخر ليبين أنَّ "الوحي" هو عبارة عن وضع جسدي ونفسي يجعل الإنسان المتصف به شخصاً مريضاً، حيث قال مبيناً ذلك: "هذا الوضع الجسدي والنفسي المضطرب إلى درجة المرض يفسر الأحلام والرؤى التي رفعته فوق مستوى العلاقات البشرية المعتادة"([20]).

والحاصل أن نولدكه يقول في "الوحي" بأمرين:

الأول: أنَّ "الوحي" ليس نوعاً من الصرع.

الثاني: أنَّ "الوحي" مرضٌ، لكونه حالة غير طبيعية.

ثانياً: "الوحي" سَكْرةٌ وأثر لاضطرابٍ نفسيٍّ شديدٍ

قال نولدكه: "من الضروري أنْ نصف ما كان يغشاه (أي محمداً) بحالةٍ من الاضطراب النفسي الشديد"([21]).

ويبين نولدكه قصة "الوحي" وفق تصوّره بقوله: "وبما أنَّ الغيبوبة كانت على الأرجح تعتريه فجأة، حين كان غارقاً في تفكير عميق، فقد اعتقد أنَّ قوة إلهية كانت تحلّ فيه، ولم يكن "الوحي" يتّضح له إلا بعد أنْ يفارقه الملك، أيْ بعد عودته إلى وعيه الكامل إثر اضطرابٍ شديدٍ"([22]).

ومن الواضح أنَّ نولدكه يرفض أنْ يكون "الوحي" أمراً إلهياً، بل يراه بشرياً صرفاً نابعاً من نفس الرَّسول صلى الله عليه وسلم، بلْ نتيجةَ تفكيره العميق، ثمَّ إنَّ نولدكه كما هو مبيَّـن في الفقرة السابقة لا يعترف بملك يتنزل على الرسول صلى الله عليه وسلم، بل يرى أنَّ (قصة الملك) هو ما رواه المسلمون عن تفسير نبيهم للحالة التي كانت تحصل له، أمّا نولدكه نفسه فهو يفسِّر (قصة الملك) بأنها ما هي إلا الغيبوبة عن الوعي الناتجة عن الاضطراب الشديد الذي كان يحصل للنبي صلى الله عليه وسلم.

بلْ إنَّ هذا المستشرق يرى أنَّ حالة "الوحي" هي سكرةٌ، أي نوبة من الإغلاق التّامّ، حيث قال في سياق الحديث عن "الوحي": "ومن الطبيعي أن تؤثر قوَّة السَّكرة النبوية بشكل فعّال على أسلوب الكاتب"([23]).

ثالثاً: "الوحي" تخيُّـلاتٌ وانطباعاتٌ نفسيَّـةٌ

قال نولدكه: "لا يجوز أنْ نغفل عن أنَّ معظم "الوحي" حدث ليلاً كما يبدو، حين تكون النَّفس أكثرَ قابليةً لاستقبال التخيّلات والانطباعات النفسيَّـة عما هي عليه في وَضَح النهار"([24]).

اعتبر نولدكه "الوحي" تخيلاً وانطباعاً نفسياً، وقد أيَّد نولدكه طرحه هذا ببعض ما ورد في إنجيل متّى، وببعض ما اكتشف في الفيزيولوجيا الحديثة، من أنَّ الإنسان الذي يتفرغ عن الاشتغال بالأشياء، ويكثر الصيام والتعبد والتحنث، تحصل له تلك الخيالات والانطباعات، وهي التي فسّرها النبي صلى الله عليه وسلم بـ "الوحي"، ونتج عنها ألفاظ القرآن الكريم، وهي التي يريد نولدكه أن لا يعتبرها شيئاً أكثر من الخيالات والانطباعات.

رابعاً: "الوحي" أحلامٌ ورؤىً

قال نولدكه: "هذا الوضع الجسديّ والنفسيّ المضطرب إلى درجة المرض يفسر الأحلام والرؤى التي رفعته فوق مستوى العلاقات البشرية المعتادة"([25]).

وهذا النصُّ من نولدكه يفيد أنَّ "الوحي" بالنسبة له هو عبارة عن أحلام ورؤى، وهذا يختلف عن الخيالات والانطباعات النفسية، لأنَّ الأخيرة إنما تكون في اليقظة، والأولى تكون في المنام حصراً.

خامساً: خلاصة مفهوم "الوحي" عند نولدكه

إنَّ ما يسمِّيه المسلمون بـ "الوحي" ليس وحياً في الحقيقة عند نولدكه، وإن كان يسمّيه بـ"الوحي" طلباً للسهولة في التعبير، بل "الوحي" عند نولدكه هو تفسير من زعم النبيّ صلى الله عليه وسلم لما كان يحدث معه من أحوال غير معتادة للبشر، وقد أخذ "الوحي" عند نولدكه بحسب مفهومه الباطل أشكالاً وأنواعاً، ويمكن إجمالها كالآتي:

1. بعض "الوحي" حلم، وهو حين يكون النبيّ نائماً.

2. وبعضه خيال، وهو حين يكون النبيّ مفكِّراً متأمِّلاً.

3. وبعضه يكون مرضاً، وهو حين يكون النبيّ ثائرَ النَّفس.

4. وبعضه يكون سكرة، أيْ إغلاقاً تاماً، وهو حين يكون النبيّ مضطرباً جداً.

وأمّا المفهوم الحقيقيّ للوحي عند نولدكه فيمكن استنباطه من جمع ملحوظات نولدكه حول آثار الوحي والمظاهر التي كانت تظهر على النبي صلى الله عليه وسلم، ونقده للتفسيرات والآراء التي ذكرها بعض المستشرقين، ويمكن استنباطه من مطلع حديثه على "الوحي" عند المسلمين، حيث قال بعد أنْ رفض وجوهاً كثيرة في مفهوم "الوحي"، سواءً كانت وجوهاً صحيحةً أو مغلوطةً، وسواءً قال بها المسلمون أو بعض المستشرقين، حيث قال: "بخلاف ذلك، وصلتنا معلومات كثيرة أنَّ محمداً اعترته نوبة شديدة لدى تقبله "الوحي"، حتى إن الزبد كان يطفو على فمه، وكان يخفض رأسه، ويشحب وجهه، أو يشتد احمراره، وكان يصرخ كالفصيل، ويتفصد جبينه عرقاً في أيام الشتاء"([26]).

ويمكن التعبير عن مفهوم "الوحي" هذا عند نولدكه بأنه:

حالةٌ نفسية ينتج عنها انطباعات ذهنيَّـة، زعم محمد أنها من عند الله، وأنها قرآن.

ومعنى كلمة نفسية، أنَّ الحالة هي من نفس النبي لنفس النبي، أي من قوته المدركة إلى قوته المتخيلة، من غير تدخّل من طرف آخر.

وبناء على هذا المفهوم؛ فإنَّ "الوحي" والموحى إليه والموحى به ثلاثتها عند نولدكه هي من أعمال نفس النبي صلى الله عليه وسلم، بدون الحاجة إلى أي شيء خارجي، سواء كان إلهاً أو مَلَـكاً أو شخصاً آخر.

أمّا "الوحي"؛ أي الواسطة، فهي نفس النبيّ.

وأمّا الموحى إليه؛ فهو خياله المتمتع بخصوبة عالية، لكونه خيالاً فارغاً عن الانشغال بالأشياء الأخرى، مستغرقاً في فكرته الخاصة التي يهتم بها.

وأمّا الموحى به؛ فهو ما سمّاه هذا المستشرق تارة بالخيالات، وتارة بالأحلام، وتارة بالانطباعات، وهي تشمل القرآن الكريم.

المطلب الثاني: نقد شبهات نولدكه في مفهوم "الوحي"

أولاً: معنى الشُّبهة

أصل الشّبهة في اللغة، كما في معجم المقاييس، الجذر الثلاثي (شبه)، قال ابن فارس: "(شبه) الشين والباء والهاء أصلٌ واحدٌ يدلُّ على تشابُه الشّيء وتشاكُلِهِ لوناً وَوَصْفاً"([27])، وهذا الأصل هو ما يتجلّى في المعاني اللغوية المذكورة في معاجم اللغة، فكلّ معنى مما يأتي يلاحظ فيه أصل التشاكل.

قال ابن منظور: "اشْتبه عليَّ وتشابه الشيئان واشتبها: أشبه كلُّ واحدٍ منهما صاحبَـه"([28]).

وقد لـخَّص الزبيدي في تاج العروس حاصل المعنى اللغويّ، فقال الزبيدي: "(شبه)، شابَهَهُ وأَشْبَهَهُ: ماثَلَهُ. وتَشابَهَا واشْتَبَها: أَشْبَهَ كُلٌّ منهما الآخَرَ حتى الْتَبَسَا، ومنه قوْلُه تعالى: (مُشْتَبِهاً وغَيْرَ مُتَشابِه). وشَبَّهَهُ إيَّاهُ وبه تَشْبيهاً: مَثَّلَهُ . وأُمورٌ مُشْتَبِهَةٌ ومُشَبَّهَةٌ، أَي: مُشْكِلَةٌ مُلْتبسةٌ يُشْبِهُ بعضُها بعضاً. والشُّبْهَةُ، بالضَّمِّ: الالْتِباسُ؛ وأَيْضاً: المِثْلُ. وشُبِّهَ عليه الأَمْرُ تَشْبِيهاً: لُبِّسَ عليه، وخُلِّطَ"([29]).

وأمّا الشُّبْـهَةُ في الاصطلاح، فهي كما في المعجم الوسيط: "في الشَّرْع؛ ما التبس أمره، فلا يُدرى أحلال هو أم حرام، وحق هو أم باطل؟ (ج) شبه"([30]).

إذنْ، فإنَّ الشبهة في اللغة هي ما يكون سبباً في التشابه والالتباس والاختلاط، سُمّيت من باب إطلاق المسبَّب وإرادة السَّبب، فالشُّبهة ليست هي الاختلاط والالتباس، بلْ هي سببهما، والله أعلم. ثم النقل إلى اصطلاحٍ كما في المعجم الوسيط وغيره فيه نظر، وهو أنَّ المعاني المرادة في الاصطلاحات المختلفة عند الأصوليين والبيانيين إنّما هي مصداقات تندرج تحت المعنى اللغوي الأصلي.

ثانياً: نقد شبه نولدكه في مفهومه للوحي

وأودُّ أنْ أذكر أنَّ الشبه التي أودعها نولدكه في كتابه ليست مفصلةً تحت عنوانات بارزة، بل هي متخفية في ثنايا الكلام المجمَّل، ممّا يجعل تسرّبها إلى العقل، وتشرّبها في القلب أسهل وأقوى، وأن هذه الشبه هي الدعاوى عينها التي ساقها نولدكه في مفهوم "الوحي"، فمثلاً إن مفهوم "الوحي" عند نولدكه حين يأخذ وصف الحالة النفسية، على ما مرَّ توضيحها، هو شبهة قائمة برأسها، فأنا في مقام النقد سأتعرض لإبطال الدعاوى التي قدمها نولدكه في مفهوم "الوحي" والتي وضحتها في المطلب السابق.

وأمّا الطريقة التي سأتبعها في نقد الشبه، فهي تقوم على مرحلتين؛ الأولى: إثبات الأصول التي يقوم عليها إثبات "الوحي" للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهما أصلان: إمكان "الوحي"، ووقوعه، والثانية: تعداد الشبه واحدةً واحدةً ونقدها.

المرحلة الأولى من النقد: الأصول التي يثبت بها مفهوم "الوحي"

الأصل الأوّل: إمكانُ "الوحي"

"الوحي" كما مرّ في معناه هو فعل من أفعال الله تعالى، وهو من جملة الجائزات، لما أنَّ أفعال الله تعالى تقع في حكم الجواز والإمكان، أي إنَّ الله تعالى مريدٌ لما يشاء بغير حَجْرٍ عليه في شيء، فليس شيء من أفعاله تعالى بواجب، خلافاً للمعتزلة، ولا شيء منها بمستحيل، خلافاً للفلاسفة.

وإذا تبيَّـن صحّة هذه القاعدة، أعني كونَ أفعال الله تعالى جائزة، تبين أن "الوحي" ممكن وجائز، لكونه من جملة أفعاله تعالى، وبهذا يتم الأصل الأوَّل تماماً.

الأصل الثاني: وقوع "الوحي"

"الوحي" بمعنى الحاصل بالمصدر هو القرآن الكريم، فإثباتُ أنَّ "الوحي" وقع لا يكون إلا من خلال إثبات أنَّ القرآن الكريم هو كلام الله تعالى حقاً الذي لا يمكن أن يكون على لسان بشر إلا بطريق "الوحي"، وبذلك يكون الدليل على وقوع "الوحي".

وعند علماء الإسلام ليس ثمَّـةَ طريقةٌ لإثبات المصدرية الإلهية للقرآن الكريم غير إثبات كونه معجزاً، أي خارجاً عن طوق البشر، منزلاً من ربّ البشر.

والدليل على أنَّ القرآن الكريم معجز هو أن القرآنُ الكريمُ وقع به التحدِّي ولم يعارض، وما وقعَ به التحدِّي ولم يعارض معجزٌ، ينتج: القرآنُ معجزٌ، فيثبت الدليل على وقوع "الوحي".

والعلاقة بين "الوحي" والمعجزة علاقة وثيقة تماماً، فبالمعجزة تتبين حقيقة "الوحي" ويستدل على صدقه، قال الفخر الرازي مؤكداً ذلك: "الوحي" من اللّه تعالى لا يتم إلا بثلاث مراتب في ظهور المعجزات: المرتبة الأولى: أنَّ الملك إذا سمع ذلك الكلام من اللّه تعالى، فلا بدّ له من معجزة تدلُّ على أنَّ ذلك الكلام كلام اللّه تعالى. المرتبة الثانية: أنَّ ذلك الملك إذا وصل إلى الرسول، لا بدّ له أيضاً من معجزة. المرتبة الثالثة: أنَّ ذلك الرسول إذا أوصله إلى الأمة، فلا بدّ له أيضاً من معجزة، فثبت أنَّ التكليف لا يتوجّه على الخلق إلا بعد وقوع ثلاث مراتب في المعجزات"([31]).

وليس التعرض لتفصيل الدليل على إعجاز القرآن الكريم من أساسيات هذا البحث، لكن مع ذلك لا بد من توضيح لما ذكره الإمام الفخر الرازي رحمه الله تعالى، وذلك أن كلام الله تعالى هو المنسوب إليه سبحانه، ولا تثبت هذه النسبة إلا بدليل، وذلك لأنّ سامع كلام الله سواءً كان فرداً من أمة النبيّ صلى الله عليه وسلم حين يسمعه من النبي أو غيره من البشر، أو كان النبي نفسه حين يلقى إليه من قبل الملك، أو الملك نفسه حين يلقى إليه، فإن هذا السامع في الحالات كلها لم يعاين الله تعالى ولم يشافهه، ولم يشعر به حسّاً، لأن الله منزه عن أن تحيط به الحواس، فلذلك يحتاج دليلاً حتى يثبت له نسبة هذا الكلام المسموع إلى الله تعالى، هذا هو معنى كلام الرازي، وهو معقول جداً ومضبوط للغاية.

المرحلة الثانية من النقد: النقد التفصيليّ

الشبهة الأولى: "الوحي" ليس صَرَعاً فعليّـاً لكنَّـه مرض

ردَّ نولدكـه رأيَ مَن قال إنَّ "الوحي" عبارةٌ عن صَرَعٍ، وجعل "الوحي" بعد ذلك مرضاً معيناً من غير أن يشترط كونه صرعاً، هذا حاصل الشُّبهة، ولم يذكر نولدكه شيئاً آخر فيها.

وأنا أقول: إنَّ الواجب على الباحث أنْ يبرهن ما يقول، ونولدكه لم يستدلَّ على الشبهة الأولى بشيْءٍ، بل ألقى الكلام جزافاً، والأصل في هذه الطريقة الجزافية غير المنصفة أنَّ نولدكه يقول بعدم إمكان "الوحي"، لكونه من جملة الغربيين الماديين الذين لا يؤمنون بالغيب، ولا يقيمون أدنى قيمة لقدرة الله تعالى على كل شيء.

فالجواب على الشُّبهة مع كونها غير تامَّـة لعدم وجود الدَّليل عليها، هو بالاستدلال على إمكانِ "الوحي" في نفسه، ثمَّ الاستدلال على وقوعه، وقد مرَّ هذان المطلوبان، فيتمُّ الجواب على الشبهة.

ومما يذكر أن نولدكه لم يثبت ما هو هذا المرض، ومن أي نوع هو، ولم يستدل على بأعراضه طبياً، ولم يقدم أي سجل طبي يثبت هذا المرض.

الشبهة الثانية: "الوحي" سَكْرةٌ وأثر لاضطرابٍ نفسيٍّ شديدٍ

زعم نولدكه أنَّ القرآن ليس هو كلام الله تعالى ذاته، بل هو تعبير محمد عن الذي كان يسمعه في سكرته، وربط ذلك بأنَّ حالة "الوحي" عبارة عن سكرة واضطراب شديد لا يستطيع معه النبيُّ صلى الله عليه وسلم أنْ يستمع إلى إجزاء كاملة من القرآن الكريم.

ويتبين وهاء هذه الشبهة بإثبات أنَّ القرآن الكريم هو كلام الله تعالى، لا كلام النبي صلى الله عليه وسلم، وقد تبين ذلك بإثبات الأصل الثاني الذي مرَّ فيما سبق، وهو أن القرآن معجز.

وقد بنى نولدكه على شبهته هذه زعماً آخر غير أنَّ القرآن هو كتابة النبي صلى الله عليه وسلم نفسه، وهو تفاوت أسلوب القرآن الكريم في الطاقة والفاعلية، فجعل آخر القرآن نزولاً أقوالاً غير مؤثرة، بخلاف أوله نزولاً، وهذا مردود فالقرآن كله على سوية واحدة من بلوغ الإعجاز في البلاغة والتأثير والفاعلية، وإنما المختلف هو الموضوعات التي تتناولها الآيات القرآنية الكريمة.

الشبهة الثالثة: "الوحي" تخيُّـلاتٌ وانطباعاتٌ نفسيَّـةٌ

ربط نولدكه تفسيره للوحي بأنه تخيّلات وانطباعات نفسية، بكون النبيِّ صلى الله عليه وسلم كان يكثر من الصيام والتهجد، وجعل ذلك تعليلاً لحدوث معظم "الوحي" ليلاً، حيث تكون النفس أكثر استعداداً وقابلية لتلك التخيلات والانطباعات النفسية.

وتردُّ هذه الشبهة بمعرفة أن صفاء النفس وخلوها عن الشواغل ليس سبباً في حدوث "الوحي"، ذلك أن بعض الناس من العلماء والأولياء يتصفون بالصفاء، وتتسم نفوسهم بالرقي والشفافية، ومع ذلك لا يحدث لهم "الوحي"، مما يثبت أنَّ "الوحي" ليس حالة من الخيال أو الانطباع النفسي، بل هو وارد يرد على النفس من خارجها، وإفاضة يتلقاها النبي صلى الله عليه وسلم من ربه تعالى وتقدّس.

وتردُّ هذه الشبهة كذلك بأنَّ "الوحي" كان ينزل نهاراً كما ينزل ليلاً، حتى إنَّ العلماء قسموا القرآن بحسب وقت تنزله إلى قرآني ليلي ونهاري، وبينوا أنَّ تنزله كان على أحوال كثيرة([32])، وهذا ما لا يتناسب مع تقسيمات نولدكه الباطلة.

المطلب الثالث: الأصول الفلسفية لشبه نولدكه في مفهوم "الوحي"

بينت في المطلب الأول مفهوم "الوحي" عند علماء المسلمين، وأما عند الفلاسفة، وأعني بهم المشائين الإسلاميين، خصوصاً ابن سينا والفارابي لما لهما من شهرة وبحوث وافرة في موضوع النبوة والمعجزة والوحي، فإنَّ الأمر على صورة أخرى تماماً، فـ "الوحي" عندهم ما يقبله الإنسان الكامل من الأشياء الإلهية، بواسطة القوى النفسية النبوية، أعني القوة المتخيلة، هذا ملخص مفهوم "الوحي" عند الفلاسفة.

وعند التفصيل، وفي توضيح مفهوم "الوحي"؛ يقول الفارابيّ تحت عنوان (القول في "الوحي" ورؤية الملك): "ولا يمتنع أنْ يكون الإنسان إذا بلغت قوّته نهاية الكمال، فيقبل في يقظته عن العقل الفعّال الجزئيات الحاضرة والمستقبلة، أو محاكياتها من المحسوسات، ويقبل محاكيات المعقولات المفارقة وسائر الموجودات الشريفة، ويراها، فيكونُ له بما قبله من المعقولات نبوَّة بالأشياء الإلهية"([33]).

وقال الفارابي في موضع آخر: "فيكونُ الله عزّ وجل يوحي إليه بتوسّط العقل الفعّال، فيكون ما يفيض من الله تبارك وتعالى إلى العقل الفعّال يفيضه العقل الفعّال إلى عقله المنفعل بتوسّط العقل المستفاد، ثـمَّ إلى قوّته المتخيِّـلة"([34]).

وأما ابن سينا فيقول: "الناس المستحقون لاسم الإنسانية هم الذين يبلغون في الآخرة السعادة الحقيقية، وهؤلاء على مراتب أيضاً، وأشرفهم وأكملهم الذي يختص بالقوَّة النبوية"([35]). وذكر ابن سينا أن التخيل هو من أنواع تلك القوى النبوية، وأوضحها بقوله: "وليس تخيل النبيّ يفعل هذا في الاتصال بمبادي الكائنات، بل عند سطوع العقل الفعّال وإشراقه على نفسه بالمعقولات، فيأخذ الخيال، ويتخيّل تلك المعقولات، ويصورها في الحسّ المشترك، فيرى الحسّ لله عظمة وقدرة لا توصف"([36]).

وبتحليل الأقوال السابقة المنقولة عن أكبر الفلاسفة، يمكن استخلاص مفهوم "الوحي" على أنه ما ينطبع في القوى النفسية للنبي بواسطة خياله، ويكون القرآن عند الفارابي والفلاسفة، على حد قولهم وتعبيرهم، من "الأشياء الإلهية" ومن "المتخيّلات"، ولا يخفى أنَّ كلَّ الكلام عند الفلاسفة دائر على القول بالعقول العشرة والفعل والانفعال وتدقيقات في معنى العقل والتوسّط والاستفادة ما أنزل الله بها من سلطان، وعندي أنَّ رأي الفلاسفة في القرآن الكريم كرأي مشركي قريش الذين جعلوا القرآن عضين، سواءً بسواءً، أي من حيث جوهره، فإنهم جميعاً ينكرون المعتقد الإسلامي بخصوص معنى النبوة والوحي، وإن كان الفلاسفة الإسلاميون لا ينكرون لفظ النبوة والمعجزة والوحي، وإنما يقدمون تصورات خاطئة لا دليل عليها.

ومن هذا التحليل يتبين تماماً أن شبه نودلكه هي الأقوال الفلسفية عينها، وإن لبست لباساً آخر، ووجه التشابه بينها جميعاً أنَّ "الوحي" ليس هو إعلاماً من الله تعالى لنبيه، بل هو عند نولدكه عبارة عن خيالات وانطباعات نفسية، وما هو من هذا القبيل مما سمّاه نولدكه سكرةً تارة، ونوبةً تارة أخرى، واضطراباً ومرضاً في أحيان كثيرة، وغير ذلك، وهي عند مشائي الفلاسفة من التخييلات الناشئة عن القوة المتخيلة الصافية في عقل النبي عليه الصلاة والسلام، والقدر المشترك بين كل من الطرفين هو نفي كون الوحي من الله تعالى على ما هو مقرر في العقيدة الإسلامية، وعلى ما هو اعتقاد أكثر فرق المسلمين من غير الفلاسفة الإسلاميين ومن يتابعهم.

ومما يؤكّد الارتباط بين شبه نولدكه وأقوال الفلاسفة، بحيث تعدّ هذه الأخيرة أصلاً لتلك الأولى، قول نولدكه في كلام يشبه اصطلاحات الفلاسفة عينها: "النبوَّة بالإجمال تصدر من المخيلة المنفعلة وموحيات الشعور المباشرة"([37])، وهذا تصريح بمذهب الفلاسفة في مفهوم "الوحي" والنبوة.

المبحث الثالث

آثار شبه نولدكه حول "الوحي" في كتابه "تاريخ القرآن"

إنَّ الشبه التي طعن بها نولدكه في "الوحي" ليست قاصرة على مفهوم "الوحي"، بل هي متعلقة بغيره من المباحث الدينية عموماً، والقرآنية خصوصاً، بل يمكن القول إن نولدكه لا يستهدف "الوحي" إلا لكونه باباً للحديث في المطالب الدينية الأصلية العالية، التي إذا انهدمت انهدم الدين.

وأنا أخصّص هذا المبحث للحديث عن آثار تلك الشبه التي ذكرها نولدكه، وسأتناول غرضي على مطلبين، هما:

المطلب الأول: آثار الشبه في باب مصدريَّـة القرآن الكريم.

المطلب الثاني: آثار الشبه في باب نبوَّة سيدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم.

المطلب الأول: آثار الشبه في باب مصدريَّـة القرآن الكريم([38])

بادئَ ذي بدء، لاحظت أنَّ نولدكه جعل حديثه عن "الوحي" تحت عنوان (أصل القرآن)، بل إنه جعل المقدمة المباشرة لموضوع "الوحي" بعنوان (مصادر تعليم محمد)، ولا يخفى أنَّ المراد من كل ذلك عند المستشرقين معلومي الضغينة ضدّ الإسلام والمسلمين هو الطعن في القرآن، من حيث نصّه ومصدره.

وبملاحظة هذه البداية لهذا المستشرق، لا يمكن للباحث إلا أنْ يلاحظ الأهداف الواضحة لنولدكه، وهي في مجملها ترجع إلى إبطال أصل القرآن الكريم ونقض مصدره السّماوي، مما يجعل جميع الشبه التي ذكرت سابقاً دائرة حول هذا المعنى.

وقد يقول قائل: إنَّ هذا الزعم ضد نولدكه والمستشرقين عموماً، هو من باب عدم إنصاف الخصم، وعدم استماع حجته على ما يقول، لكني أجيب: إنَّ هذا المستشرق بدأ كتابه فوراً بقطع العلاقة بين القرآن والسماء مطلقاً، فجعل مصدر القرآن مترنحاً بين مصادر متعددة، حيث قال: "قد يلقي المرء جزافاً بالتهمة القائلة إنَّ أهمّ تعاليم محمد مأخوذة عن اليهود والمسيحيين، وليست نابعة من عقله"([39])، وهذا الكلام واضحٌ في أنَّ نولدكه يجعل القرآن الكريم راجعاً إلى ابتداع عقل محمّد صلى الله عليه وسلم، ولا شكّ أنَّ هذا مخالف للواقع والحقيقة، والله تعالى يقول: (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ) [الحاقة: 44].

وقال نولدكه على سبيل التحريف: "الطريقة التي اكتسب فيها محمد هذه التعاليم، واعتبرها وحياً أنزله الله عليه ليبشر به الناس تجعل منه نبياً حقّاً"([40]).

ووجه التحريف هنا أنَّ نولدكه يقرّ بالنبوَّة لمحمَّد صلى الله عليه وسلم، لكنه يجعل معناها مقطوعاً عن الله تعالى وعن "الوحي"، بل يجعل حقيقة "الوحي" شيئاً اعتبره محمد صلى الله عليه وسلم، لا حقيقة له في الواقع، والداهية هنا أن الإقرار بالنبوة و"الوحي" يصير مساوياً لإنكارهما، لأن الحالتين تشتركان في نفي الاتصال بين الله تعالى والنبي من خلال الوحي الذي ينكره نولدكه.

ويضيف نولدكه تفسيراً جديداً في نظرته للوحي، فيقول: "اعتبر محمد ما حرَّك نفسه أمراً موحىً به، منزلاً من السماء. اعتبر محمد هذه الغريزة صوت الله الذي أتاه، وهذا ما ينتج الفهم الحرفي الظاهر للوحي الذي يقوم عليه الإسلام"([41])، فهذا نفي مباشر أن يكون القرآن موحىً به من الله تعالى.

وقال نولدكه في أصل القرآن: "لا مجال للشكِّ في أنَّ أهمَّ مصدر استقى منه محمد معارفه لم يكن الكتاب المقدس، بل الكتابات العقائدية والليتورجية"([42]).

ويمكن إرجاع أصل القرآن في رأي نولدكه، بملاحظة الشبهات التي ساقها في كتابه، وبالاعتماد على النقول التي نقلتها عنه آنفاً، إلى المصادر الآتية:

- عقل محمّد ووضعه الشخصيّ.

- غريزة محمّد وحماسه الدعويّ.

- نفس محمّد، أي القوة المتخيلة.

- الأحلام والرؤى التي رآها محمد في حالة منامه.

- الخيالات التي رآها محمد في حالة صحوه.

- الانطباع النفسيّ لدى محمد عند حصول النوبة أو السكرة.

- الكتابات العقائدية السابقة على محمد.

ويمكن ملاحظة أنَّ نولدكه، برغم التناقض في تحديد مصدر القرآن وأصله، يقطع مراراً وتكراراً بأنَّ أصل القرآن ليس ما يدّعيه المسلمون من أنّـه "الوحي" الأمين، بل إن نولدكه يعتبر "الوحي" تفسيراً غير مقبول للتك الظاهرة الغريبة.

المطلب الثاني: آثار الشبه في باب نبوَّة سيدنا محمَّد صلى الله عليه وسلم

إنَّ "الوحي" يدخل في مفهوم النبوة بشكل مباشر وأساسي، ويظهر ذلك من خلال تعريف النبوة عند العلماء، ولذا لا بد من التعريف بالنبوة أولاً، لغة واصطلاحاً، ليتبين هذا التداخل.

معنى النبوة لغة

قال الرازيّ في مختار الصحاح: "نبا الشيء عنه تجافى وتباعد، وبابه سما. والنبوَّة والنباوة ما ارتفع من الأرض، فإنْ جعلت النبيَّ مأخوذاً منه، أي أنه شرف على سائر الخلق، فأصْله غير الهمز، وهو فعيل بمعنى مفعول"([43]).

معنى النبوة اصطلاحاً

عبَّـر البيضاوي في "الطوالع" عن مفهوم النبيِّ من خلال ذكر أوصاف النبيِّ وأعماله، فقال "عدلٌ، يحفظ الإنسان شخصاً ونوعاً، بشرع يفرضه شارع، يختص بآيات ظاهرة ومعجزات باهرة، ويدعو إلى طاعته، ويحث على إجابته، ويصدق في مقالته، يوعد المسيء بالعقاب، ويعد المطيع بالثواب"([44]).

وقال السمرقندي في "الصحائف": "النبيُّ في الاصطلاح إنسانٌ بعثه الله تعالى إلى العباد ليبلغ ما أُوحيَ إليه"([45]).

وقال الجلال الدوانيّ إن النبيَّ هو: "إنسانٌ بعثه الله تعالى إلى الخلق لتبليغ ما أوحاه إليه"([46]).

وقال السعد التفتازاني في "شرح النسفية": "والرسول إنسان بعثه الله تعالى إلى الخلق لتبليغ الأحكام، وقد يشترط فيه الكتاب، بخلاف النبيِّ، فإنه أعمّ"([47]). ومنه يفهم أنَّ النبي إنسان بعثه الله بغير اشتراط التبليغ إلى الخلق، لكنَّه خالف ذلك في المقاصد، حيث جعل النبي والرسول بمعنى واحد واشترط الأمر بالتبليغ([48]).

وبناءً على التعريف المشهور؛ فإنَّ النبي: "يخاطب ويوحى إليه، غير مختص بأمرٍ له بتبليغ ما أوحي إليه إلى غيره، والرسول مأمور بذلك"([49]).

ويجمع هذه العبارات والتعريفات ما قاله السَّيف الآمدي في "الأبكار"، والسيد في "شرح المواقف": "النبيّ في العرف هو عند أهل الحقِّ من الأشاعرة، وغيرهم من المليِّين، مَنْ قال له الله تعالى ممن اصْطفاه من عباده: أرسلتك إلى قوم كذا وإلى الناس جميعاً، أو: بلِّغهم عني، ونحوه من الألفاظ المفيدة لهذا المعنى، كـ: بعثتك"([50]).

وبصورة جامعة مانعة، لخّص العلامة الجلال المحليّ تعريف النبي والفرق بينه وبين الرسول بما يقف به الباحث على المراد تماماً، فقال: "النبيّ إنسان أوحي إليه بشرع وإن لم يؤمر بتبليغه، فإن أمر بذلك فرسول أيضاً، أو أمر بتبليغه وإن لم يكن له كتاب أو نسخ لبعض شرع من قبله كيوشع، فإن كان له ذلك فرسول أيضاً، قولان، فالنبيّ أعمّ من الرسول عليهما، وفي ثالث أنهما بمعنى، وهو معنى الرسول على الأول المشهور"([51]).

العلاقة بين مفهوم "الوحي" والنبوّة

من التعريفات السابقة لمفهوم النبوّة والنبيّ لاحظت أنها جميعاً يدخل فيها مفهوم "الوحي"، إمّا دخولاً مباشراً وواضحاً، أو بالتضمّن.

وقد بين مصطفى صبري هذه العلاقة بين "الوحي" والنبوة، فقال معبراً عن حال الماديين وكتابهم ومتابعيهم: "فأبانوا عن عدم فهمهم لأساس معنى النبوة والرسالة من الله التي هي اتصال بعالم الغيب، ومنشأ المرض كون العلم الحديث لا يقبل وجود عالم الغيب وكون الكاتبين لا يزال يزاحم إيمانهم بهذا العلم إيمانهم بالنبيّ"([52]).

وعليه؛ فإنَّ التفسيرات التي يمكن أنْ يفسر بها "الوحي" ستترك أثراً واضحاً على مفهوم النبوة وصورتها، وكذلك؛ فإنَّ أيّ شبهة يتعرّض لها "الوحي" تترك أثرها على تحقّق معنى النبوّة وصفائه عن الشوائب والكدر.

ويمكن لي بالاستناد إلى تعريف نولدكه للوحي والشبه التي ذكرها، أن أوضح في نقاط أن النبي صلى الله عليه وسلم ماذا يكون بالنسبة لنولدكه:

- النبيّ واهم ومتخيّل ومتحمّس.

- النبي معلَّم من قبل الغير، وفي ذلك يقول نولدكه: "تقبل محمد أهم أجزاء تعليمه من اليهود والمسيحيين شفوياً على الأرجح"([53]).

- النبيّ يجاري قومه في بعض الاعتقادات، قال نولدكه: "أحد أهم مصادر تعليم محمد كانت الاعتقادات الدينية التي اعتنقها قومه، وما من مصلح يمكن أن يتنصل تماماً من المعتقدات التي تربى عليها"([54]).

ويمكن إجمالاً أن يلخّص رأي نولدكه في النبوّة بأنها منقطعة تماماً عن السماء و"الوحي"، ومتّصلة بقنوات أرضية متعددة، حيث قال: "لقد توفرت إذاً، قنوات اتصال عديدة ومتنوعة سرت عبرها المعارف الدينية إلى محمد، لكن اليقين البالغ الحماس الذي امتلكه محمد واثقاً من رسالته الإلهية لم يدع له إلا مصدراً فعلياً واحداً للحقيقة، ألا وهو الله وكتابه السماوي"([55]).

الخاتمة والنتائج

أولاً: النتائج

يمكن أن أخلص في ختام هذه الدراسة من خلال مباحثها ومطالبها إلى ما يأتي:

- يتلخص تعريف "الوحي" عند نولدكه بأنه حالةٌ نفسية ينتج عنها انطباعات ذهنيَّـة، زعم محمد أنها من عند الله، وأنها قرآن.

- تدور الشبه التي وضعها نولدكه في كتابه تاريخ القرآن حول "الوحي" مهما اختلفت وتنوعت وتعددت على رحىً واحدة، ألا وهي أن القرآن ليس كلام الله تعالى، وليس وحياً في الحقيقة.

- شبه نولدكه عند النقد الإجمالي تعتبر ساقطة بدليل واحد فقط، وهو دليل الإعجاز، وسقوط هذه الشبه قطعي، لا مجال معه لاشتباه.

- شبه نولدكه عند النقد تعتبر متناقضة، يضرب بعضها بعضاً.

- شبه نولدكه هي شبه سبق إليها الفلاسفة المشاؤون القدماء من قبل، وإن اختلفت قوالب الألفاظ التي تحمل هذه الشبهة، وأعني بالفلاسفة خاصّة ابن سينا والفارابي، لما لأعمالهما من الشهرة والانتشار والتأثير فيمن بعدهما، ولكونها تلخيصاً وتنقيحاً للفلسفة القديمة، ولما لهما من بحوث وافرة حول موضوع المعجزة والوحي والنبوة، بحيث يمكن القول إنّ جميع ما أتى به نولدكه هو تكرار لجوهر ما قاله هؤلاء الفلاسفة، ونابع عن النظرة الفلسفية القائمة على القول بالعلة والمعلول والعقول والعشرة وأنّ النبيّ يستفيد من المبادئ العالية بفعل روحانيته وقوته المتخيلة التي تفوق غيره من الناس.

- شبه نولدكه ذات أثر خطير جداً على باب مصدرية القرآن الكريم ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم.

- إنَّ نولدكه مستشرق يفوق معظم المستشرقين في الدسيسة والخبث، فهو لا يرمي الرسول بالافتراء والكذب حين ادعى "الوحي"، بل على العكس من ذلك يصفه بصفات المدح والثناء والصدق، لكنه في آخر الأمر وأوّله يجعل النبوة والقرآن من خيالات الرسول واختراعات عقله ونفسه.

ثانياً: التوصيات

- التوسّع في دراسة الأصول القديمة للشبهات الاستشراقية والمعاصرة عموماً، لأنّ ذلك يظهر حقائق كثير من الشبهات، ويختصر وقتاً وجهداً في الرد عليها ويزيد ذلك وضوحاً وإقناعاً.

- إعادة تقييم جهود نولدكه في كتابه "تاريخ القرآن"، باعتماد ما وصل إليه هذا البحث من أثر بعض الأصول الفلسفية التي يقول بها نولدكه بطريقة غير مباشرة في باب مفهوم النبوة والوحي ومعنى المعجزة.

- البحث في آثار جهود نولدكه في الباحثين المتأثرين به وبمقولات كتابه تاريخ القرآن، خصوصاً أن هذا المستشرق يمثل مدرسة استشراقية لها تلاميذ ورواد.

 

(*) مجلة الفتوى والدراسات الإسلامية، دائرة الإفتاء العام، المجلد الثالث، العدد الثامن، 1445هـ/ 2023م.

الهوامش


([1]) الزمخشري، جار الله أبو القاسم محمود بن عمر (ت 538هـ)، أساس البلاغة، د ط، دار صادر، بيروت، 1979م: ص668.

([2]) الرَّاغب الأصفهانيّ، الحسين بن محمد بن المفضَّل (توفّي في حدود 425 هـ)، مفردات ألفاظ القرآن، ط3، (تحقيق صفوان عدنان داوودي)، دار القلم، دمشق، والدار الشامية، بيروت، 2002م: ص858.

([3]) المصدر السابق: ص858.

([4]) ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن فارس بن زكريا (ت 395هـ): معجم مقاييس اللغة، د ط، 6م، (تحقيق عبد السلام هارون)، دار الفكر، بيروت، 1979م: ج6، ص93.

([5]) الزركشي، بدر الدين محمد بن بهادر بن عبد الله الشافعي (ت 794 هـ)، البرهان في علوم القرآن، 4م، (تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم)، دار الجيل، بيروت، 1988م: ج1، ص229.

([6]) ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمد (ت 808 هـ)، مقدمة ابن خلدون، 3م، (تحقيق علي عبد الواحد وافي)، دار نهضة مصر، القاهرة، 2006: ج1، ص416.

([7]) ابن عقيلة، جمال الدين محمد بن أحمد بن سعيد المكي الحنفي (ت 1150 هـ)، الزيادة والإحسان في علوم القرآن، ط1، 10م، نشر مركز البحوث والدراسات بجامعة الشارقة، الإمارات، 2006م: ج1، ص112.

([8]) الزرقاني، محمد عبد العظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن، ط3، 2م، عيسى البابي الحلبي وشركاه، دت: ج1، ص56.

([9]) الكفوي، أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الحنفي (ت 1094هـ)، الكليات، ط2، (تحقيق عدنان درويش، ومحمد المصري)، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1998م: ص936.

([10]) المصدر السابق: ص173، باختصار بسيط.

([11]) انظر ترجمة نولدكه بتفصيل أكبر: بدوي، عبد الرحمن، موسوعة المستشرقين، ط3، دار العلم للملايين، لبنان، بيروت، 1993م: ص595-598، وانظر أيضاً: العقيقي، نجيب، المستشرقون، ط5، 3م، دار المعارف، القاهرة، 2006م: ج2، ص379-382.

([12]) انظر: الغزالي، مشتاق بشير، القرآن الكريم في دراسات المستشرقين، ط1، دار النفائس، سوريا، دمشق، 2008م: ص65 وما بعدها.

([13]) انظر: المصدر السابق: ص52 وما بعدها. وانظر أيضاً: ماضي، محمود، "الوحي" القرآني في المنظور الاستشراقي ونقده، ط1، دار الدعوة، مصر، 1996م.

([14]) انظر: رضوان، عمر بن إبراهيم، آراء المستشرقين حول القرآن الكريم وتفسيره، ط1، دار طيبة، الرياض، 1992م: ج1، ص185-186.

([15]) انظر: الهاشمي (2014م)، حسن علي مطر، قراءة نقدية في تاريخ القرآن، ط1، مطبعة دار الكفيل، العتبة العباسية المقدسة.

([16]) زيدان، رغداء محمد أديب، مثالب منهجية في كتاب تاريخ القرآن لنولدكه، مركز تفسير للدراسات القرآنية، منشور إلكترونياً على موقع مركز تفسير.

([17]) نولدكه، تاريخ القرآن، تعديل (فريدريش شفالي)، 3ج، 1م، (نقله إلى العربية د. جورج تامر، اعتماداً على إعادة الطبعة الرابعة للطبعة الثانية، لايبتسغ 1909-1938): ج1، ص23. وانظر أيضاً نفي نولدكه لكون "الوحي" نوعاً من الصرع: المصدر السابق: ج1، ص24.

([18]) المصدر السابق: ج1، ص24.

([19]) المصدر السابق: ج1، ص25.

([20]) المصدر السابق: ج1، ص25.

([21]) المصدر السابق: ج1، ص24.

([22]) المصدر السابق: ج1، ص24، باختصار بسيط.

([23]) المصدر السابق: ج1، ص25.

([24]) المصدر السابق: ج1، ص25.

([25]) المصدر السابق: ج1، ص25.

([26]) المصدر السابق: ج1، ص23.

([27]) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة: ج3، ص243.

([28]) ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الإفريقي المصري (ت 711 هـ)، لسان العرب، دط، 15م، دار صادر، بيروت: ج13، ص503.

([29]) الزبيدي، السيد محمد مرتضى الزبيدي (ت 1205هـ)، تاج العروس من جواهر القاموس، طبعة حكومة الكويت، 40م، (تحقيق مجموعة من المحققين من لجنة التراث العربي)، وزارة الإرشاد والأنباء في الكويت، الكويت، 1965م: ج36، ص411، باختصار.

([30]) مجمع اللغة العربية، المعجم الوسيط، ط4، مكتبة الشروق الدولية، القاهرة، 2004م: ص471.

([31]) الرّازي، فخر الدين محمد بن عمر (ت 606 هـ)، مفاتيح الغيب المشتهر بالتفسير الكبير وبهامشه تفسير العلامة أبو السعود، مطبعة علي بك، الأستانة، 1294هـ: ج7، ص425.

([32]) انظر في الليلي والنهاري من تنزل القرآن: السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن (ت 911 هـ)، الإتقان في علوم القرآن وبهامشه إعجاز القرآن للباقلاني، 2ج، 1م، مطبعة البابي الحلبي، القاهرة، 1951م، مصورة دار الندوة: ص20.

([33]) الفارابي، أبو نصر محمد بن محمد (ت 339 هـ/ 950م)، آراء أهل المدينة الفاضلة، ط2، (تقديم وتعليق ألبير نصري نادر)، دار المشرق، بيروت، لبنان، 1968م: ص114. وانظر كذلك معنى "الوحي" عند الفارابي: البهي، الدكتور محمد، الفارابي الموفق والشارح، ط1، مكتبة وهبة، القاهرة، 1981: ص24-28.

([34]) الفارابي، آراء أهل المدينة الفاضلة: ص125.

([35]) ابن سينا، أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن (ت 428 هـ)، المبدأ والمعاد، (باهتمام عبدالله نوراني)، طهران، 1363هـ: ص115-116.

([36]) المصدر السابق: ص119.

([37]) نولدكه، تاريخ القرآن: ج1، ص5.

([38]) تناول كثير من الكاتبين موضوع مصدرية القرآن الكريم والشبه الواردة على "الوحي" عند المستشرقين عموماً، لا نولدكه على وجه الخصوص، انظر: دراز، محمد عبدالله، مدخل إلى القرآن الكريم، (ترجمة محمد عبدالعظيم علي، ومراجعة السيد محمد بدوي)، دار القلم، الكويت، 1980م: ص168وما بعدها. وانظر: عباس، فضل حسن، إتقان البرهان في علوم القرآن، ط1، دار الفرقان، الأردن، 1997م: ج1، ص66 وما بعدها.

([39]) نولدكه، تاريخ القرآن: ج1، ص4.

([40]) نولدكه، تاريخ القرآن: ج1، ص4.

([41]) المصدر السابق: ج1، ص5، بتصرف بسيط.

([42]) المصدر السابق: ج1، ص9.

([43]) الرّازي، محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر، مختار الصّحاح، بعناية محمود خاطر، دت، دط: ص268-269.

([44]) البيضاوي، القاضي ناصر الدين عبد الله بن عمر بن محمد (ت 685 هـ)، طوالع الأنوار من مطالع الأنظار، ط1، (تحقيق وتقديم عباس سليمان)، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة، 2007: ص209.

([45]) السمرقندي، شمس الدين محمد بن أشرف الحسيني (ت بعد سنة 690هـ)، الصحائف الإلهية، ط1، (تحقيق أحمد فريد المزيدي)، دار الكتب العلمية، بيروت، 2007م: ص191-192.

([46]) الدواني، جلال الدين محمد بن أسعد الصديقي (ت 908هـ)، شرح العقائد العضديَّـة ومعه حاشية إسماعيل الكلنبوي على شرح الدوّاني، المطبعة العثمانية (در سعادت)، 1316هـ: ج1، ص9.

([47]) التفتازانيّ، مسعود بن عمر المعروف بسعد الدين (ت 792هـ)، شرح العقائد النسفية مع حاشية الخيالي والعصام، المكتبة الأزهرية للتراث، 2004م: ص31.

([48]) التفتازاني، مسعود بن عمر المعروف بسعد الدين (ت 792هـ)، شرح مقاصد الطالبين في علم أصول عقائد الدين، ط1، دار مداد، 2007م-1428هـ، مصورة عن الطبعة العثمانية القديمة (مطبعة الحاج محرم أفندي البسنوي في دار الخلافة العامرة بالأستانة، سنة 1305هـ): ج1، ص55.

([49]) المقترَح، تقي الدين أبو العز مظفر بن عبدالله (ت 612 هـ)، شرح العقيدة البرهانية والفصول الإيمانية، ط1، (اعتنى به نزار حمادي) منشورات مكتبة السنة، هولندا، 2009م: ص126.

([50]) الجرجاني، السيد الشريف علي بن محمد (ت 816هـ)، شرح المواقف ومعه حاشيتا السيالكوتي والجلبي، ط1، 4م، (ضبطه وصححه محمود بن عمر الدمياطي)، دار الكتب العلمية، بيروت، لبنان، 1998م: ج8، ص241-242. وانظر مثل ذلك: الآمدي، سيف الدين علي ابن أبي علي بن محمد بن سالم (ت 631 هـ)، أبكار الأفكار في أصول الدين، ط3، 5م، (تحقيق أ. د. أحمد محمد المهدي)، دار الكتب والوثائق القومية، القاهرة، 2009م: ج4، ص17.

([51]) البناني، عبدالرحمن بن جادالله المغربي (ت 1198هـ)، حاشية العلامة البناني على شرح الجلال المحلي على متن جمع الجوامع للتاج السبكي مع تقريرات الشربيني، ط2، 2م، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، مصر، 1356هـ: ج1، ص13.

([52]) صبري، شيخ الإسلام مصطفى التوقادي (ت 1954م)، موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين وعباده المرسلين، دار إحياء التراث العربي، بيروت: ج1، ص116.

([53]) نولدكه، تاريخ القرآن: ج1، ص16.

([54]) المصدر السابق: ج1، ص18.

([55]) المصدر السابق: ج1، ص17.