شبهات مختارة حول القراءات
عرض ونقد (جولد زيهر أنموذجاً)(*)
الدكتور عبد الله حسين مقدادي، مفتٍ بمكتب محافظة إربد
ملخص البحث
حمل هذا البحث عنوان "شبهات مختارة حول القراءات، عرض ونقد"، حيث تم اختيار هذه الشبهات من كتاب مذاهب التفسير الإسلامي لجولد زيهر، وذلك لما لهذا المستشرق ولكتابه من مكانة عند من درس الاستشراق، فهم يعدونه شيخ المستشرقين.
وجاءت هذه الدراسة في تمهيد ومبحثين، تمّ التعريف بمصطلحات البحث في مبحث التمهيد، فيما جاء المبحث الأول بأن وقف الباحث على القراءات، فعرّف بها وبيّن أركانها، وعرّف بالقراء العشر، ورواة كل واحد منهم، ثمّ ذكر الفرق بين القراءة والرواية والطريق.
فيما جاء المبحث الثاني في أربعة مطالب، في كل مطلب تم ذكر شبهة من الشبهات ونقضها من خلال الأدلة العقلية والنقلية، ومن هنا تأتي أهمية هذا البحث في نقد الشبهة ونقضها وبيان زيفها وبطلانها، لافتقارها لمعايير الصدق وأمانة النقل، ثمّ ذكر الباحث أهم النتائج التي تم التوصل إليها من خلال هذه الدراسة، منها: أنّ المنهج الذي تبناه زيهر هو منهج فلسفي غربي يقصي الوحي كلياً، فلا ينظر إليه، ولا يعتد به، بل يقصي السند الذي تقوم عليه القراءة المتواترة وينحيه جانباً.
المقدمة
الحمد لله رب العالمين، وأفضل الصلاة وأتم التسليم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
فإنّ القرآن الكريم هو الكتاب المبين، والطريق القويم، والصراط المستقيم، وهو الكتاب الذي ارتضاه سبحانه للبشرية منهجاً، وجعله لدنياهم وآخرتهم مخرجاً، حيث به تستبينُ السبيل، وتنكشف الأباطيل، ومن هنا كان الوقوف عليه أحرى، وسماعه أولى، والتبصر به أسمى، ففهمه الغاية المطلوبة، والأمنية المرغوبة.
لقد كثُرت في هذا الزمان الفتن، وعمت المحن، وازداد البلاء وكثُر العناء، فظهر الطاعنون وبرز المشككون لتشويه معالم القرآن، وطمس ما فيه من وجدان، فلم يخل باب من أبواب علوم القرآن إلا وتجد يد التشكيك ثارت عليه، وأسهم الحاقدين توجهت إليه، ومن هذه العلوم التي وصلت إليه أيدي الوغى ونالتها سهام العدا علم القراءات، فدارت سجالات، وجرى فيها مناظرات؛ للذود عن حمى القرآن، وتفنيد مقاصد الطغيان.
مشكلة الدراسة:
تكمن مشكلة الدراسة في شبهات أوردها جولد زيهر في كتابه مذاهب التفسير الإسلامي، فما هذه الشبهات التي أثيرت؟ وما مدى صحتها؟ وما علاقة الخط العربي في ذلك؟ من هنا جاءت هذه الدراسة لتجيب عن الأسئلة الآتية:
1. هل صحيح أنه ليس هناك نصّ صحيح موحّد للقرآن كما يدعي جولد زيهر؟
2. هل كانت غاية عثمان بن عفان رضي الله عنه توحيد النصّ القرآني وإلزام الناس بقراءة واحدة كما يقول زيهر؟
3. هل كان لسيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه وغيره من كتاب الوحي أثر في وجود التغاير في القراءات كما يقول جولد زيهر؟
4. ما خصوصية الخط العربي والمقادير الصوتية التي ساعدت في وجود القراءات كما يدعي جولد زيهر؟
أهداف الدراسة:
تهدف هذه الدراسة إلى الردّ على بعض الشبه التي أوردها جولد زيهر من خلال كتابه مذاهب التفسير الإسلامي التي طعن من خلالها بأصول القراءات وجمع القرآن.
1. تهدف هذه الدراسة إلى بيان زيف ما قاله زيهر بعدم وجود نص موحد للقرآن الكريم، وإثبات تواتر القرآن الكريم، وخلوّه من الغلط والشطط.
2. إثبات أن غاية عثمان بن عفان رضي الله عنه حفظ القرآن الكريم من التحريف وتبديل الذي حصل مع الكتب السماوية السابقة، لا توحيد النصّ كما يزعم زيهر.
3. بيان أنّ القراءات القرآنية أمر توقيفيّ لا علاقة لسيدنا عثمان رضي الله عنه ولا لغيره من كتاب الوحي به، بل إنّ مصدرها الوحي.
4. بيان أنّ هذه القراءات لم تنشأ بسبب طبيعة الخط العربي، ولا لهيكل الكلمات الخالية من النقط والشكل، ولا للمقادير الصوتية، كما لا علاقة للرسم العثماني فيها.
الدراسات السابقة:
تصدى علماء المسلمين للطاعنين بكتابها قديماً، ولا يزالون مثل الجبال صامدين في وجه الأعاصير التي تفتك بالأمة لتشتيت شملها، وتفريق صفها من خلال الطعن في الكتاب والسنة النبوية اللذين هما النبراس الذي ينير الحياة وتعتمد عليه، والملجأ الذي في الشدائد يؤوى إليه، ومن هنا نعرف سبب توجيه سهام الاستشراق إليهما.
وفيما يأتي أبرز الدراسات التي تناولت بعض الشبهات حول القرآن الكريم:
1. أهم مطاعن وشبهات المستشرق جولد تسيهر على القراءات القرآنية والتفسير والرد عليها، د.محمد سامل عبد الجبار ذنون، بحث محكم، نشر في مجلة الجامعة العراقية، العدد 54، ج2، حيث ذكر في بحثه بعض المطاعن والشبهات التي أثارها زيهر دون التفصيل فيها والرد عليها، حيث جاءت جميع الشبهات والردود عليها في خمس صفحات فقط، فيما كان التركيز منصباً على التعريف بجولد زيهر وحياته وعلمه ومؤلفاته.
2. شبهات جولدزيهر حول القراءات القرآنية "مذاهب التفسير الإسلامي"، إعداد: وان حسن بن وان أحمد، بحث محكم، كلية معارف الوحي والعلوم الإنسانية، الجامعة الإسلامية العالمية – ماليزيا، ٢٠٠٥م، حيث عرّف الباحث بالقراءات ومنهج القراء وقواعدهم في المبحث الأول، ثمّ ذكر بعض الشبهات والردّ عليها في المبحث الثاني، فيما عرّف بمنهج زيهر بشيء من الإسهاب والتفصيل في المبحث الثالث، وقد جاء التركيز منصباً على منهج زيهر، حيث ذكر منهجه –جولد زيهر- في نقد الدراسات الإسلامية بوجه عام، ثمّ منهجه في القراءات القرآنية ثمّ قارن بين المنهجين.
3. كتاب القراءات القرآنية، للدكتور فضل حسن عباس، حيث تناول في مبحث من هذا الكتاب بعض الشبهات التي أثيرت قديماً وحديثاً، فذكر الشبهة الأولى التي أثارها طه حسين والتي نقلها عن المستشرق الألماني ثيودور نولدكه في كتاب تاريخ القرآن. والشبهة الثانية التي ردها من شبه جولد زيهر بخصوص الخط العثماني، والشبهة الثالثة ترجع إلى اختلاف المدارس النحوية البصرية والكوفية.
وقد جاءت الدراسات السابقة تعالج قضايا معينة بالإضافة إلى ذكر بعض الشبهات، فيما جاءت هذه الدراسة لتقف مع الشبهات التي صاغها وقالها جولد زيهر في كتابه مذاهب التفسير الإسلامي فقط، حيث عرض الباحث لتلك الشبهات ونقلها بنصها الحرفي من كتابه، ثم فندها وأبطل زيفها من خلال الدلالة العقلية والنقلية وأقوال علماء المسلمين.
منهج الدراسة:
وقد استخدم الباحث في هذه الدراسة المناهج الأتية:
1. المنهج الاستقرائي: حيث تم استقراء الشبهات التي قال بها زيهر من خلال كتابه مذاهب التفسير الإسلامي، والوقوف عليها وضبطها تحت عناوين محددة.
2. المنهج التحليلي: جعل الباحث كل شبهة في مطلب، ثمّ دراسة هذه الشبهات دراسة تحليلية والوقوف عليها، وتفنيدها، وذلك بالرجوع إلى كتب القراءات والوقوف عليها والنظر فيما قاله العلماء.
3. المنهج النقدي: بعد تحليل الأقوال تمّ نقد الشبهات نقداً علمياً بعيداً عن التعصب والتجريح، وبيان بطلان تلك الشبهات من خلال العقل والنقل الصحيح مع عزوه لقائليه.
المبحث التمهيدي
تعريف مصطلحات البحث
المطلب أولاً: تعريف الشبهة
الشبهة لغةً: تأتي هذه اللفظة –الشبهة- بأكثر من دلالة ومعنى، فهي تأتي من "شِبْهٌ وَشَبَهٌ لغتان بمعنىً. يقال: هذا شِبْهُهُ، أي شَبيهَهُ. وبينهما شِبَهٌ بالتحريك، والجمع مَشابَهُ على غير قياس... والشُبْهَةُ: الالتباسُ. والمُشْتَبِهات من الأمور: المشْكِلاتُ. والمُتشابِهاتُ: المُتَماثِلاتُ"(([1].
ومن دلالاتها أيضاً اختلاط الأمر بغيره "وشبّه فلانٌ عليّ، إذا خلّط. واشتَبَهَ الأمرُ، أي: اختلط"(([2]، "وَجمع الشُّبْهَة: شُبَه، وَهُوَ اسمٌ من الأشْباه"(([3]، وهو ما اختُلف الأمر فيه لقربه من غيره بالمماثلة والالتباس فيه، فيحمل هذا المعنى من باب التضليل على الغير لقربه منه ومشابهته به.
الشبهة اصطلاحاً:
"ما التبسن أمره، فلا يدري أحلال هو أم حرام، وحقّ هو أم باطل"(([4].
وعليه؛ فإنّ المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي لا خلاف بينهما، فهما متفقان في دلالة السياق، فالشبهة تلقى على الشخص للتضليل والتشكيك في المسألة فلا يدري أحقّ هو أم باطل.
المطلب الثاني: تعريف القراءات
القراءات لغةً: يحمل الجذر قرأ عدة دلالات منها كما يقول ابن فارس: "القاف والراء والحرف المعتل أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على جمعٍ واجتماعٍ. من لك القَرْية، سمِّيت قريةً لاجتماع النَّاس فيها. ويقولون: قَرَيت الماء في المِقْراةِ: جمعتُه، وذلك الماءُ المجموع قَرِيٌّ. وجمع القَرية قُرىً"(([5].
كما يحمل معنيان متضادّان هما الطهر والحيض، يقول ابن منظور: "الْقَرْءُ بِالْفَتْحِ الْحَيْضُ وَجَمْعُهُ أَقْرَاءٌ كَأَفْرَاخٍ وَقُرُوءٌ كَفُلُوسٍ وَأَقْرُؤٌ كَأَفْلُسٍ. وَالْقَرْءُ أَيْضًا الطُّهْرُ وَهُوَ مِنَ الْأَضْدَادِ. وَقَرَأَ الْكِتَابَ قِرَاءَةً وَقُرْآنًا بِالضَّمِّ. وَقَرَأَ الشَّيْءَ قُرْآنًا بِالضَّمِّ أَيْضًا جَمَعَهُ وَضَمَّهُ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْقُرْآنُ، لِأَنَّهُ يَجْمَعُ السُّوَرَ وَيَضُمُّهَا"(([6]، فيكون "الأَصل فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ الْجَمْعُ، وكلُّ شيءٍ جَمَعْتَه فَقَدَ قَرَأْتَه. وَسُمِّيَ القرآنَ لأَنه جَمَعَ القِصَصَ والأَمرَ والنهيَ والوَعْدَ والوَعِيدَ والآياتِ والسورَ بعضَها إِلَى بعضٍ"(([7].
ومن هنا يتضح أنّ المعنى اللغوي هو: جمع الشيء إلى الشيء وضمه بعضه، وهو جمع الحروف بعضها إلى بعض عند النطق بها.
تعريف القراءات اصطلاحاً: فقد عرفة ابن الجزري: "هو علم بكيفية أداء كلمات القرآن واختلافها بعزو الناقلة"(([8]، وعزو ناقله هو السند الذي ينقله راوٍ عن راوٍ.
وعرفه الزرقاني: "مذهب يذهب إليه إمام من أئمة القراء مخالفاً به غيره في النطق بالقرآن الكريم مع اتفاق الروايات والطرق عنه، سواء أكانت هذه المخالفة في نطق الحروف أم في نطق هيئاتها"(([9].
فالقراءات علم مستقلّ بذاته، له ضوابطه وقواعده وأصوله، فهو علم يختصّ بكتاب الله تعالى وكيفية النطق بكلماته بطريقة مختلفة، فإنّ لكل قراءة أصول تختلف بها عن القراءة الأخرى، وذلك حسب ما تلقاها التلميذ عن شيخه بالسند المتصل برسول الله صلى الله عليه وسلم.
المطلب الثالث: التعريف بجولد زيهر
هو: اجنتس جولد زيهر مستشرق يهودي مجري، ينتسب إلى أسرة يهودية ذات مكانة عالية وقدر كبير في العلم (([10]، ولد زيهر في الثاني والعشرين من شهر يونيو سنة1850م، بمدينة اشتو لفيسنبرج في بلاد المجر، عاش حياة حافلة بالنشاط والحركة(([11]، بدأ عليه منذ طفولته المبكرة نبوغ عقلي نادر، كُتب في يومياته معجزة طفل وعبقري ناشئ(([12].
بدأ في شبابه يقرأ لفلاسفة اليهود من القرون الوسطى بلغاتهم العبرية، ووضع كتيباً عن الصلاة اليهودية وتطورها، ثمّ أخذ بعد ذلك في حضور درس اللغات والفلسفة والأدب الألماني([13])، ولتحق بعد ذلك بجامعة بودابست، بفصول الفيلولوجيا، وتاريخ الفلسفة، وعلوم اللغات، والدراسات الاستشراقية، وحصل على درجة الدكتوراه سنة 1870م، وكان في التاسع عشر من عمره(([14]، وأفنى زيهر معظم عمره في البحث العلمي ودراسة التراث وعلوم شتى، ومن ذلك الدين الإسلامي والفلسفة والتصوف والشيعة وتاريخ المذاهب والفرق، وأدب العرب ولغتهم(([15].
أشهر مؤلفاته: الظاهرية مذهبهم وتاريخهم، دراسات محمدية ترجمهُ الدكتور الصديق بشير، وكتاب العقيدة والشريعة في الإسلام، وكتاب مذاهب التفسير الإسلامي، الذي وصفه بأنه فلذة كبده، وبعد عام من صدور كتاب مذاهب التفسير الاسلامي توفي جولد زيهر بسبب إصابته بالتهاب رئوي وكان ذلك سنة 1921م(([16].
المبحث الأول
القراءات المعتبرة
المطلب الأول: نشأة القراءات وظهورها
علم القراءات من أجل العلوم –إذا لم يكن أجلها فعلاً- حيث تعرف به كيفية النطق بألفاظ القرآن الكريم، ومعرفة صفات الحروف ومخارجها وإعطاء كل حرف حقه ومستحقه، والوقوف عليها والابتداء بها، وقد ظهر هذا العلم منذ الصدر الأول حين كان الصحابة يتلقونه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فمنهم المقل ومنهم المكثر، فإذا اختلفوا رضوان الله عليهم في شيء منه ردوه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليرشدهم ويعلمهم ويصوب خطأهم، وربما كانوا جميعاً على الصواب لاختلاف القراءات، فالقرآن الكريم نزل على سبعة أحرف لا يضرّ بأيهم قرأ المسلم فكلها شافٍ كافٍ.
فعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَؤُهَا، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَقْرَأَنِيهَا وَكِدْتُ أَنْ أَعْجَلَ (وَكِدْتُ أَعْجَلُ) عَلَيْهِ، ثُمَّ أَمْهَلْتُهُ حَتَّى انْصَرَفَ ثُمَّ لَبَّبْتُهُ بِرِدَائِهِ فَجِئْتُ بِهِ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْتُ إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا يَقْرَأُ عَلَى غَيْرِ مَا أَقْرَأْتَنِيهَا، فَقَالَ لِي: أَرْسِلْهُ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: اقْرَأْ فَقَرَأَ قَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، ثُمَّ قَالَ لِي: اقْرَأْ فَقَرَأْتُ، فَقَالَ: هَكَذَا أُنْزِلَتْ، إِنَّ الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ، فَاقْرَءُوا مِنْهُ مَا تَيَسَّرَ"(([17].
وقد برز هذا العلم بضوابطه كعلم مستقل في التصنيف في بداية القرن الثالث الهجري، وأول من قام بجمع القراءات وضبطها في كتاب وهو أبو عبيد القاسم بن سلام (ت224ه)، وجعلهم خمسة وعشرين قارئاً مع السبعة المشهورين، وكان بعده الإمام أبو جعفر محمد بن جرير الطبري (ت310ه)، إذ جمع كتاباً حافلاً سماه "الجامع" وجمع فيه نيف وعشرون قراءة، ثم استمرت حركة التأليف في القراءات، وأبرز ما امتازت به هذه الفترة أنه لم ينكر أحد على أحد قراءته ما دامت هذه القراءات خاضعة للمقاييس التي وضعها علماء القراءات، من حيث موافقتها للمصحف العثماني وثبوت نقلها عن القراء الثقات.
وجاء بعد ذلك ابن مجاهد (ت324ه) فهو أول من جمع القراءات السبع في مؤلف أسماه "السبعة في القراءات"، حيث اختار سبعة من أئمة القراءة في أمصار خمسة، هي أهم الأمصار التي حُملت عنها القراءات في العالم الإسلامي، وهي المدينة ومكة والكوفة والبصرة والشام، وهؤلاء القراء السبعة تواترت عنهم القراءة الصحيحة، ونقلها العلماء عنهم نقلا متواتراً.
وظلّ الأمر على ذلك بجمع عدد محدود من القراء والروايات، حتى جاء أبو القاسم الإسكندري (ت629ه) الذي لا يعلم أحداً قبله جمع أكثر منه، فألف كتاباً سماه "الجامع الأكبر والبحر الأزخر" يحتوي على سبعة آلاف رواية وطريق، ولا زال الناس يؤلفون في كثير القراءات وقليلها ويروون شاذها وصحيحها بحسب ما وصل إليهم، أو صح لديهم ولا ينكر أحد عليهم، بل هم في ذلك متبعون سبيل السلف، حيث قالوا: القراءة سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول(([18].
ويعدّ ابن الجزري (ت833ه) صاحب كتاب "النشر في القراءات العشر" من المحققين في هذا العلم الجليل، وخير من ألف به وكلّ من جاء بعده يأخذ عنه، وما زال علماء هذه الأمة حتى هذا العصر يكتبون ويؤلفون كتباً علمية ورسائل جامعية وبحوثاً محكمة في علم القراءات.
المطلب الثاني: أركان القراءات المعتبرة وضوابطها
لا بدّ لكل علم من العلوم من ضوابط تضبطه، وجهود تنقحه، كما لا بدّ له من أركان وقواعد وأسس يقوم عليها؛ حتى يلقى القبول والاستحسان بين الناس، ومن هذه العلوم علم القراءات، الذي وضع له علماؤه ثلاثة أركان حتى تكون القراءة مقبولة ومعتبرة ومقطوعاً بصحتها.
يقول ابن الجزري: "كل قراءة وافقت العربية ولو بوجه، ووافقت أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً، وصح سندها، فهي القراءة الصحيحة التي لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها، بل هي من الأحرف السبعة التي نزل بها القرآن ووجب على الناس قبولها"(([19]. فهذه هي المقاييس التي وضعها الإمام ابن الجزري واعتمدها كل من جاء بعده وسار عليها علماء القراءات حتى يومنا هذا، ولا بد لفهم هذه الأركان من الوقوف عليها وبيان دلالتها.
فيما جعل بعض المتأخرين من علماء القراءات التواتر شرطاً لقبول القراءة، يقول ابن الجزري: "وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ولم يكتف فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وإن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن"([20])، ويعقب ابن الجزري على هذا القول بقوله: "وهذا ما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواتراً عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب قبوله وقطع بكونه قرآناً، سواء وافق الرسم أم خالفه، وإذا اشترطنا التواتر في كل حرف من حروف الخلاف انتفى كثير من أحرف الخلاف الثابت عن هؤلاء الأئمة السبعة"([21]).
وهذا الاستدلال من ابن الجزري في محله، فما قيمة الرسم وموافقة النحو إذا خالف التواتر والسند الصحيح المتصل، وما المبرر لهما؟ ومن هنا نجد أن ابن الجزري كان يميل إلى هذا القول ثمّ تراجع عنه فيما بعد، بقوله: "قد كنت قبل أجنح إلى هذا القول، ثم ظهر فساده وموافقة أئمة السلف والخلف وغيرهم"([22]).
وأركان القراءات هي:
الركن الأول: موافقة القواعد العربية ولو بوجه.
ولما كانت اللغة العربية هي أساس البلاغة ومادة الفصاحة رغم تعدّد القبائل وتفرعها واختلاف لهجاتهم والنطق عندهم، كان لا بدّ أن يكون القرآن الكريم الذي جاء ليعجزهم وليقيم الحجة عليهم موافقاً لقواعدهم النحوية وأصولهم البلاغية، ومتناسباً معها، حتى لا يكون فيه غلط ولا شطط فيفقد مصداقيته، وتُسلب منه غايته التي أُنزل من أجلها.
ويقصد بموافقة القواعد العربية ولو بوجه: "أي ولو بوجه من وجوه الإعراب نحو قراءة حمزة (والأرحامِ) [النساء:1] بالجر، والأصل في القراءة الصحيحة أن تكون موافقة لقواعد اللغة؛ لأنّ القرآن الكريم نزل باللغة العربية، ولا يتصور أن تكون القراءة غير متلائمة مع قواعد النحو، ومع هذا فإنّ علماء القراءات يعتمدون في صحة القراءة القرآنية على الإسناد الصحيح، ويبحثون عن مطابقة القراءة للقواعد النحوية"(([23]، ومعلوم أنّ اللغة تحتمل أكثر من وجه، فهناك مدرسة الكوفة، ومدرسة البصرة وكل مدرسة لها قواعدها في اللغة، ومنهجها في التقعيد، ومع ذلك فإنّ القراءات المتواترة وإنّ خالفت قواعد أحد المدرستين فإنها توافق الأخرى، فإذا خالفت المدرستين معاً، قدمت القراءة المتواترة عند ذلك، ومع هذا فليس هناك قراءة متواترة تخالف وجوه النحو مطلقاً، فلا بدّ من موافقة وجه من وجوه النحو، ولا بدّ أن يكون أحد أئمة النحو ذكرها ولو بوجه.
الركن الثاني: موافقة أحد المصاحف العثمانية ولو احتمالاً
ومعنى أحد المصاحف العثمانية وهي المصاحف التي وجهها سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الأمصار حين أمر بنسخ القرآن الكريم، ويقصد بموافقة أحد المصاحف "ما كان ثابتاً في بعضها دون بعض كقراءة ابن عامر (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) [البقرة:116] في البقرة بغير واو، (وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ) [فاطر: 25] بزيادة الباء في الاسمين ونحو ذلك، فإن ذلك ثابت في المصحف الشامي، وكقراءة ابن كثير (جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ) [التوبة:100] في الموضع الأخير من سورة براءة بزيادة (من)، فإن ذلك ثابت في المصحف المكي"(([24].
وهذه الصور من القراءات جاءت مخالفة لباقي المصاحف الأخرى التي تم نسخها، وهذا يجعل المصحف العثماني هو الأساس الذي يعتمد عليه في القراءات، بحيث تتوافق القراءة الثابتة عن طريق النقل والرواية بما جاء في المصحف العثماني.
وأمّا جملة ولو احتمالاً فيقصد به "ما يوافق الرسم ولو تقديراً، إذ موافقة الرسم قد تكون تحقيقاً وهو الموافقة الصريحة، وقد تكون تقديراً وهو الموافقة احتمالاً"(([25].
فالاحتمالية عند ابن الجزري من وجهين: الأول: وهو الصريح، ويطلق عليه التحقيق، والثاني: وهو التقدير والاحتمالية، وهو ما حمل أكثر من وجه، ثمّ يمثل على كل نوع من هذه الأنواع، فيمثل للنوع الأول "إنه قد خولف صريح الرسم في مواضع إجماعاً نحو: (السَّمَوَاتُ، وَالصَّلِحَتُ، وَالَّيْلِ، وَالصَّلَوَةَ، وَالزَّكَوَةَ، وَالرِّبَوا)"(([26]، فهذه الكلمات جاء اللفظ فيها مخالفاً للرسم، وهذا دليل على أنّه توقيفي لا مجال للاجتهاد فيه.
وأمّا الوجه الآخر بأن توافق بعض القراءات الرسم تقديراً، نحو: (مَـٰلِكِ يَوْمِ ٱلدِّينِ) [الفاتحة: 4] "فإنه كتب بغير ألف في جميع المصاحف، فقراءة الحذف تحتمله تخفيفا كما كتب (مَلِكِ النَّاسِ) [الناس:2]، وقراءة الألف محتملة تقديرا كما كتب (مَالِكَ الْمُلْكِ)، فتكون الألف حذفت اختصاراً"(([27]، فالرسم العثماني جاء بطريقة ليحمل أكثر من قراءة، وذلك بزيادة حرف أو نقصانه كما في مالك وملك، أو بتغيير حرف بحرف نحو: السين والصاد في كلمة (بسطة) وهكذا.
الركن الثالث: أن يكون إسناده صحيحاً.
يشترط في القراءة القرآنية المعتبرة أن يكون سندها صحيحاً متصلاً بنقل العدل الضابط عن مثله وتكون مشهورة عند القراء، فإذا لم تكن القراءة صحيحة السند بنقل الثقات فلا تقبل، بل تجد بعض المتأخرين من السلف أكثر توخياً وحذراً حين اشترط في السند أن يكون متواتراً في النقل كما ذكر ابن الجزري، حيث يقول: "وقد شرط بعض المتأخرين التواتر في هذا الركن ولم يكتف فيه بصحة السند، وزعم أن القرآن لا يثبت إلا بالتواتر، وأن ما جاء مجيء الآحاد لا يثبت به قرآن، وهذا ما لا يخفى ما فيه، فإن التواتر إذا ثبت لا يحتاج فيه إلى الركنين الأخيرين من الرسم وغيره، إذ ما ثبت من أحرف الخلاف متواترا عن النبي صلى الله عليه وسلم وجب قبوله وقطع بكونه قرآناً، سواء وافق الرسم أم خالفه"(([28].
وبناءً على هذه الشروط المعتبرة التي ذكرها علماء السلف وأقرهم عليها علماء الخلف؛ فقد قسم السيوطي القراءات إلى أنواع، منها الصحيح وهو ما يصحّ التعبد به، ومنها ما لا يصح التعبد والصلاة به، مع كونها صحيحة، فالأولى قراءة صحيحة تلقتها الأمة بالقبول، والثانية مع صحتها لكن لم تبلغ درجة التواتر، وهي التي شذت عن رسم المصحف العثماني الذي نسخه الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، والنوع الآخر وهو الضعيف، وهو أنواع منها؛ الشاذ والضعيف والموضوع.
وقد جاءت على النحو الآتي:
الأول: المتواتر: وهو ما نقله جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب عن مثلهم إلى منتهاه، وغالب القراءات كذلك.
الثاني: المشهور: وهو ما صحّ سنده، ولم يبلغ درجة التواتر، ووافق العربية والرسم، واشتهر عن القراء، فلم يعده من الغلط ولا من الشذوذ، ويقرأ به.
الثالث: الآحاد: وهو ما صحّ سنده، وخالف الرسم أو العربية أو لم يشتهر الاشتهار المذكور ولا يقرأ به نحو: (مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفَارِفَ خضر وعبقري حِسَانٍ).
الرابع: الشاذّ: وهو ما لم يصحّ سنده، وفيه كتب مؤلفة من ذلك قراءة: (ملك يوم الدين) بصيغة الماضي، ونصب "يوم" و"إياك يعبد" ببنائه للمفعول.
الخامس: الموضوع: كقراءات الخزاعي.
السادس: يشبهه من أنواع الحديث المدرج: وهو ما زيد في القراءات على وجه التفسير كقراءة سعد بن أبي وقاص: (وله أخ أو أخت من أم)(([29].
المطلب الثالث: القراءات المتواترة
لكل علم من علوم هذه الشريعة رجاله الذين كرسوا أوقاتهم وأفنوا أيامهم في خدمة دينهم، فللعقيدة أهلها، وللفقه رجاله، وللحديث صيارفته، وللتفسير أحباره، وهو الحال نفسه مع القراءات، فقد برز لهذا العلم رجاله كما هو الحال مع سائر العلوم الأخرى، فاشتهرت قراءاتهم وظهرت رواياتهم، وبرزت أسانيد علمهم، حيث جعل الله لها القبول في الأرض.
فهذه القراءات المتواترة التي اشتهرت بين الناس والتي يقرأ بها حتى يومنا هذا سمعها ووعيها معظم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ورواها عنهم جيل بعد جيل وجمع عن جمع لا يمكن تواطؤهم على الكذب، ولم تخل أمة ولا عصر ولا مصر من الأمصار من هذا التواتر وتعليمها للناس، فهي متواترة جملةً وتفصيلاً، وهذا وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم.
وقد نسبت هذه القراءات لقرائها كما نسبت المذاهب الفقهية والعقدية لأئمتها، فهم من جادوا بأوقاتهم، وفاقوا أقرانهم من أبناء عصرهم، فأصبحوا أعلاماً بارزين، وأئمةً مجتهدين، تُشد إليهم الرحال، وتضرب إليهم الأميال، وتحط بفنائهم الرجال.
وهم على النحو الآتي:
الأول: عبد الله بن عامر (8ه- 118ه).
هو أبو عمران عبد الله عامر بن يزيد بن تميم بن ربيعة، إمام أهل الشام في القراءة، أخذ القراءة عرضاً عن أبي الدرداء، وعن المغيرة بن أبي شهاب صاحب عثمان، ولي قضاء دمشق بعد أبي إدريس الخولاني، وحدث عن معاوية وفضالة بن عبيد والنعمان بن بشير وواثلة بن الأسقع وقرأ أيضاً على فضالة بن عبيد، وله حديث في صحيح مسلم، روى عنه هشام بن عمار بن نصير، وابن ذكوان (([30].
الثاني: ابن كثير المكي (45ه-120ه)
وهو: أبو معبد عبد الله بن كثير بن المطلب، مولى عمرو بن علقمة الكناني المكي، إمام المكيين في القراءة. قرأ على عبد الله بن السائب المخزومي، وعلى مجاهد ودرباس مولى ابن عباس، وحدث عن عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن مطعم، وعمر بن عبد العزيز. وتصدر للإقراء، وصار إمام أهل مكة في ضبط القرآن، قرأ عليه أبو عمرو بن العلاء، اشتهر بالرواية عنه كل من البزي وقنبل، وكانا من أشهر قراء مكة(([31].
الثالث: عاصم الكوفي (ت:127ه)
هو أبو بكر عاصم بن أبي النجود الأسدي الكوفي. وإليه انتهت الإمامة في القراءة بالكوفة بعد شيخه أبو عبد الرحمن السلمي، قرأ القرآن على أبي عبد الرحمن السلمي، وزر بن حبيش الأسدي، وحدث عنهما وعن أبي وائل، ومصعب بن سعد بن أبي وقاص، روى عن الحارث بن حسان البكري، ورفاعة بن يثربي التميمي رضي الله عنهما- وهو معدود في التابعين، روى عنه عطاء بن أبي رباح، وأبو صالح السمان، وهما من شيوخه ومن كبار التابعين، وقرأ عليه خلق كثير منهم الأعمش، وحماد بن شعيب وأبو بكر بن عياش وحفص بن سليمان، قال أبو بكر بن عياش: لما هلك أبو عبد الرحمن السلمي جلس عاصم يقرئ الناس، وكان عاصم أحسن الناس صوتا بالقرآن روى عنه قراءته حفص وشعبة، توفي في الكوفة(([32].
الرابع: أبو عمرو بن العلاء (68ه- 154ه)
زَبَّان بن عَمَّار التميمي المازني البصري، أبو عمرو، ويلقب أبوه بالعلاء: من أئمة اللغة والأدب، وأحد القراء السبعة. ولد بمكة([33])، مقرئ أهل البصرة، وإليه انتهت الإمامة في القراءة بالبصرة، وأخذ القراءة عن أهل الحجاز وأهل البصرة، فعرض بمكة على مجاهد وسعيد بن جبير، وعطاء وعكرمة بن خالد، وابن كثير. قال أبو عبيدة: كان أبو عمرو أعلم الناس بالقراءات والعربية وأيام العرب، والشعر وأيام الناس، وقال ابن معين: أبو عمرو ثقة. روى عنه الدوري والسوسي(([34].
الخامس: نافع المدني (70ه- 169ه)
وهو: أبو رُويم نافع بن عبد الرحمن ابن أبي نعيم الليثي المدني. أحد القراء السبعة والأعلام ثقة صالح، أصله من أصبهان وكان أسود اللون حالكا صبيح الوجه حسن الخلق فيه دعابة([35])، قرأ على سبعين من التابعين، ومنهم الأعرج وأبي جعفر القارئ، وشيبة بن نصاح، ومسلم بن جندب ويزيد بن رومان، وسمع الأعرج ونافعا مولى ابن عمر وعامر بن عبد الله بن الزبير، وأبا الزناد وغيرهم، وروى عنه الليث بن سعد، وخارجة بن مصعب، وابن وهب، وخالد بن مخلد، اشتهر بالرواية عنه كل من قالون وورش(([36].
السادس: حمزة الزيات (80ه-156ه)
وهو: أبو عمارة حمزة بن حبيب بن عمارة بن إسماعيل الزيات الكوفي التميمي أحد القراء السبعة. وأدرك الصحابة بالسن فلعله رأى بعضهم، وقرأ القرآن عرضاً على الأعمش؛ وحمران بن أعين، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومنصور وأبي إسحاق وغيرهم، وكان إماما حجة قيماً بكتاب الله تعالى، حافظاً للحديث، بصيراً بالفرائض والعربية، عابداً خاشعاً قانتاً لله، ثخين الورع عديم النظير، وكان الأعمش إذا رأى حمزة قد أقبل، قال: هذا حبر القرآن، روى عنه قراءته كل من خلف بن هشام، وخلاد بن خالد(([37].
السابع: الكسائي (119ه- 189ه)
وهو: الإمام أبو الحسن علي بن حمزة الكسائي الأسدي، الكوفي المقرئ النحوي، قرأ القرآن وجوّده على حمزة الزيات وعيسى بن عمر الهمداني، ونقل أبو عمرو الداني وغيره أنّه قرأ على محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، واختار لنفسه قراءة، ورحل إلى البصرة فأخذ العربية عن الخليل بن أحمد. قال ابن معين: ما رأيت بعيني أصدق لهجة من الكسائي. وانتهت إليه الرئاسة في الكوفة بالقراءة والنحو واللغة، اشتهر بالرواية عنه كل من أبي الحارث والدوري(([38].
هؤلاء هم القراء السبعة، أبرز قراء عصرهم، الذين خلفوا التابعين في القراءة، واشتهر أمرهم في الشام والعراق والحجاز عواصم الحضارة الإسلامية الثلاث الراشدية والأموية والعباسية، وأمّا القراءات الثلاث المكملة للعشر فهي:
الأول: أبو جعفر المدني (130ه)
أبو جعفر يزيد بن القعقاع القارئ المدني، قرأ القرآن على مولاه عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة المخزومي وفاقا، قرأ أيضا على أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنهم، وصلى بابن عمر، وحدث عن أبي هريرة وابن عباس، وهو قليل الحديث، تصدى لإقراء القرآن دهراً، روى عنه قراءته ابن الجماز، وعيسى بن وردان (([39].
الثاني: يعقوب البصري (117ه- 205ه)
هو الإمام أبو محمد يعقوب بن إسحاق بن زيد بن عبد الله بن أبي إسحاق مولى الحضرميين. قارئ أهل البصرة في عصره، قرأ القرآن على أبي المنذر، وسلام بن سليم، وعلى أبي الأشهب العطاردي، ومهدي بن ميمون، وشهاب بن شرقة. وسمع من حمزة الزيات، وشعبة وهارون بن موسى النحوي، قال أبو حاتم السجستاني: هو أعلم من رأيت بالحروف، والاختلاف في القرآن وعلله ومذاهبه، ومذاهب النحو. روى عنه كل من محمد بن المتوكل المعروف برويس، وروح بن عبد المؤمن(([40].
الثالث: خلف (150ه-229ه)
أبو محمد خلف بن هشام بن ثعلب البزار البغدادي المقرئ أحد الأعلام، وهو تلميذ حمزة الزيات، وله اختيارات أقرأ بها تلاميذه، وخالف فيها حمزة. قرأ على سليم عن حمزة، وسمع مالكاً وأبا عوانة، وحماد بن زيد، وأبا الأحوص وشريكاً، وحدث عنه مسلم في صحيحه، وأبو داود في سننه، وأحمد بن حنبل وأبو زرعة الرازي، وثقه ابن معين والنسائي، وقال الدارقطني: كان عابداً فاضلاً. روى له كل من إسحاق المروزي وإدريس الحداد( ([41].
هؤلاء هم الأئمة العشرة المجتهدون، الذين فرغوا أوقاتهم، وأفنوا أيامهم في خدمة القرآن وطاعة الرحمن، فهم من فاقوا أقرانهم، وتعدوا أبناء زمانهم، فكانوا أكثر أقرانهم ضبطاً، وأشدّ لمعرفتها تعهداً وعلماً، فكان حق أن تنسب إليهم القراءات، تسمى بأسمائهم الروايات، التي تلقتها الأمة بالقبول، جيلاً بعد جيل.
المطلب الرابع: الفرق بين القراءات والروايات والطرق
من يهتمّ بعلم القراءات القرآنية لا بدّ له أن يفرق بين القراءة والرواية ويميز بينهما، وذلك من خلال معرفة القارئ والراوي والعلاقة التي تربطهما، ولا بدّ أن يعرف الفرق بين الرواية والطريق، فهناك من يخلط بين ذلك كله، فلا يميز بين القارئ والراوي، نحو: رواية حفص عن عاصم من طريق الشاطبية مثلاً، فعاصم قارئ، وحفص راوي، والشاطبية هي الطريقة، وهكذا باقي الرواة والطرق.
فالقراءة كما يقول رزق الطويل: "ما نسبت لأحد القراء السبع أو العشر، أو غيرهم ممن تتوافر لقراءتهم شروط القبول التي ذكرناها؛ كأن يقال: قراءة نافع أو قراءة ابن كثير أو قراءة حمزة وهكذا، أو ممن لا تتوافر فيهم الشروط كأصحاب القراءات الشاذة"(([42]، فالقراءة ما نسبت لأحد القراء العشر المتواترة، أو نسبت لأحد القراءات الشاذة مثل قراءة ابن مسعود والحسن البصري ونحوه.
وأمّا الرواية "فهي ما ينسب لأحد الرواة عن القارئ، كأن يقال حفص عن عاصم، أو رواية قالون عن نافع، أو رواية البزي عن ابن كثير، ولا يلزم في الرواية المعاصرة للقارئ وللطريق، والطريق: يطلق على ما ينسب للأخذ عن الراوي ولو سفل"(([43]، والرواية ما نسبت لأحد التلاميذ القراء من أصحاب القراءات.
وأمّا الطريق "ما ينسب لمن أخذ عن الراوي وإن سفل فهو طريق"([44])، فالطريق ما نسب للتلميذ الذي أخذ عن الراوي واشتهر بالأخذ عنه حتى نسبت إليه هذه الطريق، نحو طريق الأصبهاني عن ورش عن نافع، والشاطبية عن حفص عن عاصم.
إذاً القراءة ما نسب إلى أحد الأئمة العشر المشهورين أصحاب القراءات العشر المتواترة ليس إلا، وأمّا الرواية فهي ما نسبت إلى أحد تلاميذهم، ولو لم يكن بينهما معاصرة، فقد يكون تلميذ تلميذه، فالراوي هو من يروي عن القارئ؛ أي عن واحد من العشرة أصحاب القراءات، فلكل قراءة روايتين، فمجموع الرواة عشرون راوٍ، ثمّ هؤلاء الرواة لكل واحد منهم طرق في التلاوة، نسبت لِأحد تلاميذهم نحو: عاصم ابن أبي النجود صاحب قراءة متواترة روى عنه كل من حفص وشعبة، وحفص صاحب الرواية له طريقان في التلاوة، طريق الشاطبية، وطريق طيبة النشر، ولكل طريق من هذه الطرق لها وجه في التلاوة، أو أكثر من وجه، ففي طيبة النشر مثلاً نجد للمدّ المنفصل أكثر من وجه في المدّ، فعلى الوجه الأول يُمدّ حركتين، ووجه ثانٍ تمد أربع حركات، ووجه ثالث خمس حركات، مع أنها جاءت من رواية واحدة وطريق واحد.
المبحث الثاني
أبرز الشبهات التي أثارها جولد زيهر حول القراءات ونقضها
اتخذ أعداء الإسلام من القراءات القرآنية واختلاف رواياتها ذريعة للطعن في كتاب الله تعالى، وتشويهاً لصورة الإسلام وكتابه الخالد، بأنّ هذا الاختلاف بزعمهم نشأ من خلال رسم المصحف الشريف في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه ناسين أو متناسين أن التواتر في السّماع عن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الركن الأساسي الذي اعتمده الصحابة رضي الله عنهم جميعاً عند جمعه ونسخه على حدّ سواء، كل هذا الخبث والدهاء ليقولوا إنّ التحريف والتبديل قد دخله كما دخل الكتب السماوية السابقة، متجاهلين أنّ هذه القراءات والروايات جاءت ليكمل بعضها بعضاً، كنسيج متكامل آخذ بعضه بركاب بعض، ورغم كثرة المطاعن والطاعنين في تزييف الحقائق وإدخال الشكوك ليلبسوا على الناس دينهم، لكن الله تعالى ردّ كيدهم وخيب ظنهم.
وقد ابتنيت هذه الشبهات التي صاغوها بمكر ودهاء باستخدام روايات ضعيفة، وقراءات شاذة، وأحاديث موضوعة، لا تقف في وجه الحق، ولا تصمد أمام المنطق لهيبته وسلطانه، وقد خصص هذا المبحث للحديث عن بعض هذه الشبهات.
المطلب الأول: القول باضطراب القراءات وعدم ثباتها
يقول زيهر: "فلا يوجد كتاب تشريعي اعترفت به جماعة دينية اعترافاً عقدياً على أنه نص منزل أو موحى به، يقدم النص في أقدم عصور تداوله مثل هذه الصور من الاضطراب وعدم الثبات كما نجده في نص القرآن"(([45].
والاضطراب وعدم الثبات كما يدعيه زيهر: "هو وروده على صور مختلفة أو متضاربة لا يعرف الصحيح الثابت منها"(([46].
نقض الشبهة:
أي اضطراب هذا الذي يقول به زيهر في هذا الكتاب الذي تحدى الله به الإنس والجن على أن يأتوا بسورة من مثله، فما حركوا ساكناً؟ لقد جانب زيهر الصواب بهذا الكلام الذي قال به، بحيث كان بعيداً كل البعد عن الحقيقة والإنصاف في ادّعائه الذي تبناه، ولكنها حجة الضعيف الذي لا يملك شيئاً إلا تزييف الحقائق والطعن في الثوابت.
يقول السيد رزق: "أمّا وصفه النص القرآني بأنه لا نظير له في الاضطراب، فقد خالف الصواب تماماً، وكشف بمقالته عن جهل واضح أو تعصب فاضح، فما مظاهر الاضطراب التي رآها؟ أهي القراءات القرآنية؟ إنّه لو ألقى عليها نظرة واعية لعلم حقيقة هذه الاختلافات بين القراءات، وأنها اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف اضطراب وتناقض، وأنّ محصلة هذه القراءات واحدة، بل إنّ لها ثماراً تشريعية ولغوية وبلاغية تُبرز جانب العظمة في الآية القرآنية التي أفحمت سلاطين الفصاحة والبيان، وإذا كان هذا الاضطراب قد وقع في هذا العهد الباكر والقرآن الكريم غضٌ لم يمض على نهاية نزوله أكثر من عشرين عاماً فما بالنا في العالم الإسلامي لا نجد هذا الاضطراب ولا نحسه؟ بل إنّ النظرة العلمية للقرآن عند علماء الألسنة المتجردين من الهوى لا تتعدى كونها صوراً متنوعةً متناسقةً للسان يملك إمكانات قوية متعددة في التعبير؟!! إنه كان من المتوقع لو كان هناك اضطراب لكان ينبغي أن يكون الاضطراب الآن بعيد المدى، عميق الأثر بصورة تضيع معها معالم النص الصحيح، لكن هذا لم يحدث من قريب أو من بعيد"(([47].
فهل يقصد زيهر من ذلك أن القراءات مختلفة ومضطربة، ولذلك حاول عثمان بن عفان رضي الله عنه توحيد النص للبعد عن هذا الاضطراب؟ أقول إنّ هناك قراءات يحتملها الرسم، وهي صحيحة في اللغة، ولكن لم يقرأ بها أحد من القراء العشر؛ وذلك لأنها لم يكن لها سند صحيح معتبر يعتد به. ومن هذا ما ذكره ابن عطية في تفسيره حيث يقول رحمه الله: "أجمع القراء على ضم الميم من "مُكث" في قوله تعالى: (وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ) [الإسراء:106]"(([48]، "واللغة تجيز في الميم من "مُكث" الضم والفتح والكسر، لكن القراء لم يقرؤوا إلا بضم الميم"(([49]، وهذا دليل واضح على أن احتمالات الرسم ليست هي سبب اختلاف القراءات، فأين الاضطراب في هذا، والأمثلة على ذلك كثيرة.
ثمّ إنّ الاضطراب إذا وقع في القراءات يكون إمّا في المعنى بحيث تعطي كل قراءة معنى متناقضاً مع القراءة الأخرى بحيث لا يمكن الجمع بين القراءتين، نحو افعل ولا تفعل، وهذا غير موجود في القرآن بأسره، وإمّا أن يقع في اللفظ، بحيث تحمل كل قراءة دلالة غير دلالة الأخرى، بحيث لا يمكن الجمع بينهما، نحو: البِر، والبُر، والبَر، وكل لفظة من هذه الألفاظ لها دلالتها ومعناها المختلف تماماً عن الآخر، فهل وقع في القرآن الكريم قراءة تحمل هذه الدلالات اللفظية المختلفة حتى يقول زيهر بالاضطراب؟
وأمّا إذا كانت هذه القراءات متوافقة يمكن الجمع بينها بحيث تعطي كل قراءة منها معنى غير المعنى الأول بحيث تكون القراءة الثانية مكملة للقراءة للأخرى في الدلالة والمعنى الذي لا تناقض ولا اختلاف فيه فما الضير، ومن الأمثلة على ذلك في اختلاف المعنى دون الضرر في الدلالة اللفظية قوله تعالى: (وَانظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا) [البقرة: 259]: "قرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو ويعقوب: (نُنْشِرُهَا) بالراء، وقرأ الباقون: (نُنْشِزُهَا) بالزاي... قال أبو منصور: مَنْ قَرَأَ (نُنشِزُها) بالزاي فالمعنى: نجعلها بعد بِلاهَا وهُمودهِا نَاشِزَةً، تَنشُز بَعضَهَا إلى بَعض، أي: ترتفع، مأخوذ من نشَزَ، والنشْزُ هو: ما ارتفع من الأرض. وَمَنْ قَرَأَ: (نُنشِرها) بالراء فمعناهُ: نحييها، يقال: أنشَرَ الله الموتى، أي: أحياهم فنشروا، أي: حيوا"([50]).
فتكون بقراءة (ننشزها) جمع العظام بعضها فوق بعض وتركيبها حتى ترتفع عن الأرض، والنشر: هو الحياة بعد الموت، فالله تعالى حينما أراد أن يرى الرجل الصالح عظيم قدرته ودلائل قوته، جمع سبحانه له ذلك كله، فكان يرى كيف تجتمع العظام وترتفع، وكيف تركب وتنشأ، وكيف تدب الحياة بها، فكانت كل قراءة بمثابة آية مستقلة لها دلالتها اللفظية والمعنوية دون خلل أو زلل، ودون أي تناقض أو اضطراب، بأقل الكلمات وأدق العبارات.
ومن صور الجمع بين القراءات المعتبرة مع اختلاف أوجه النحو دون إضرار بالمعنى أو بالدلالة، قوله تبارك وتعالى: (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ) [البقرة: 177]، جاءت القراءات من وجهين: "قرأ حمزة وحفص بنصب (البر) الأولى، قرأ الباقون بالرفع"([51]).
فمن جعله على الرفع "يرفع الاسم الذي يليه (ليسَ)، ومن نصب فعلى أنه جعل اسم ليس (الْبِرُّ) (أَنْ تُوَلُّوا)، و(الْبِرَّ) خبره، وهو جائز"([52]). فعلى النصب يكون البر خبرًا لليس مقدمًا، ويكون (أَنْ تُوَلُّوا) مصدرًا مؤولًا اسمًا ليس، والمعنى: ليست توليتكم وجوهكم قبل المشرق والمغرب البر كله. وعلى الرفع يكون (الْبِر) اسمًا لليس، والمصدر المؤول خبرًا لها والمعنى: ليس البر كله توليتكم.
"فكلتا القراءتين له وجه قوي في النحو؛ لأن الاسم والخبر كليهما معرفة، وفي هذه الحالة يجوز في كل منهما أن يكون اسمًا أو خبرًا، لكن يرجح الأولى: أن الاسم فيها هو المصدر المؤول وهو معرفة لا تتنكر، والبر يتنكر فهو أقوى تعريفًا من المحلى بأل، كما أن (أن وصلتها) تشبه المضمر؛ لأنها لا توصف كما لا يوصف المضمر، ومن الأصول أنه إذا اجتمع مع ليس وأخواتها مظهر ومضمر، فالمضمر هو الاسم والمظهر هو الخبر؛ لأنه أعرف"([53])، فأين التناقض والاضطراب في هذه الأوجه من القراءات.
ثمّ هل استخدم زيهر المقياس نفسه في التعامل مع غير القرآن من الكتب السماوية، أو أنّ هذا المقياس لا يكون إلا مع القرآن الكريم وحده دون غيره من الكتب السماوية؟ "إذا كان القرآن الكريم قد حظي بهذا الاضطراب وحده، فماذا تقول في نص التوراة أو الإنجيل وهما لم يدونا إلا بعد وفاة الرسولين الكريمين موسى وعيسى عليهما السلام بقرون؟! وهل تستطيع بمنهج العلم الذي تحتكم إليه أن تقطع بصحة النصين، وأنهما المنزلان من السماء دون تحريف أو تبديل؟!"(([54]، كيف يتعامل زيهر مع الإنجيل أو بالأحرى مع الأناجيل المتعددة أو مع التلمود، أو سفر التكوين، التي لا يكاد كتاب منها يشبه الآخر لا بالمحاور ولا بالمضمون؟ فلا نص يشبه آخر، ولا خطاب يشبه خطاباً، ناهيك عن الكلمات والألفاظ، ثمّ يقف أمام القرآن ليقول هناك اضطراب، متمسكاً ببعض القراءات الشاذة التي لا يعول عليها، وليته وقف مع القراءات المتواترة وبين لنا اضطرابها وعدم توافقها.
إنّ هذه الشبهة لا تصلح للاحتجاج ولا تقوى على الصمود أمام الحجة العقلية والكلام المنضبط، إذ لم يقدم لنا زيهر ولو مثالاً واحداً يحتج به على وجود الاضطراب في النص القرآني للتدليل على شبهته، والانتصار لقوله ومذهبه، بل إنّ العقل والنقل مجتمعان على نقض قوله وشبهته، فلا قراءة تخالف قراءة، ولا رسم يخالف رسماً، ولا رواية تخالف رواية منذ عصر التنزيل إلى يومنا هذا، فأين الاضطراب المزعوم؟ وعليه فإنّ الحجة واهية والشبهة باطلة لا تقوى أمام الدليل والبرهان.
المطلب الثاني: القول بخصوصية الخط العربي
يرى زيهر أنّ سبب اختلاف القراءات يرجع إلى عدة أمور من بينها الخط العربي، ويعلق بالقول: "ترجع نشأة قسم كبير من هذه الاختلافات إلى خصوصية الخط العربي الذي يقوم هيكله المرسوم على مقادير صوتية مختلفة، تبعاً لاختلاف النقاط الموضوعة فوق هذا الهيكل أو تحته، وعدد تلك النقاط، بل كذلك في حال تساوي المقادير الصوتية، يدعو اختلاف الحركات الذي لا يوجد في الكتابة العربية الأصلية ما يحدده، إلى اختلاف مواقع الإعراب للكلمات، وإلى اختلاف دلالتها، إذاً فاختلاف تحليل هيكل الرسم بالخط واختلاف الحركات في المحصور الموحّد والقالب من الحروف الصامتة كانا هما السبب الأول في نشأة حركة اختلاف القراءات في نص لم يكن منقوطاً أصلاً أو لم تتحرر الدقة في نقطه أو تحريكه"(([55].
نقض الشبهة
ترجع هذه الشبهة عند زيهر إلى وجهين: الأول: خلو المصحف من النقاط، مما يترتب على ذلك اختلاف صور التنقيط من خلال عدد النقاط ومكانها فوق الكلمة أو تحتها، مما ينتج عنه اختلاف المعنى تبعاً لاختلاف المبنى التركيبي للمفردة. والوجه الآخر للشبهة هو خلو المصحف من الحركات مما يترتب عليه الاختلاف الإعرابي للمفردة، والذي بطبيعته سوف يؤدي إلى اختلاف المعنى الدلالي للمفردة وللسياق برمته، ويرجع زيهر ذلك إلى أنه لم يتحرَ النساخ الدقة في تنقيطه وتحريكه.
لقد كان زيهر متجاهلاً للحقيقة عالماً بما يرمي إليه من تشكيك بالمبادئ الراسخة، وغرس الشك في القلوب الواهية، "ولو كان زيهر درس الأمر دراسة واعية ما وقف هذا الموقف المتردد، إذ لم يقل أحد من الباحثين القدماء أو المحدثين إن المصحف الإمام كتب بشكل وبنقط لم يتحرَ الدقة فيهما، فلم يكن النقط والشكل حينذاك قد عرفا بعد"(([56]. فأين النقاط التي اختلفوا فيها في تحديد هيكل الرسم كما يقول زيهر؟ والقرآن لم ينقط إلا في العهد الأموي بنصيحة من الحجاج للخليفة الأموي عبد الملك بن مروان، ثمّ ما هي الحركات التي لا يوجد لها مقياس يحددها في الكتابة العربية الأصلية في العهد الأول؟ والشكل والحركات لم توضع إلاّ على يد أبي الأسود الدؤلي، مع العلم أنّ اللغة العربية هي أدق اللغات وأفصحها، ثمّ إنّ أهل اللغة يعرفون لغتهم بالسليقة مع أنهم غالباً لم يكونوا يقرؤون ويكتبون وقت التنزيل لوصفهم بالأمية، ومع هذا لم يقع اللحن في خطابهم، ولم نعهده في أشعارهم، ولم نلحظه في كتاباتهم، بل إنهم يعيبون على من يقع منه اللحن، أو يصدر منه الغبن، فكيف سكتوا على القرآن كل هذا الوقت حتى يأتي شخص -مثل زيهر- لا يعرف من العربية أسرارها، ولا من البلاغة أفكارها؛ ليصحح لهم الخلل ويقوّم الاعوجاج والزلل بزعمه.
وقد كان العرب الأقحاح ينكرون على من يجهل بالبلاغة والفصاحة ويعيبون عليه ذلك، فعن أبي العباس بن سريج قال: "سأل رجل بعض العلماء عن قوله تعالى: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) [البلد:1]، فأخبر أنه لا يقسم بهذا ثم أقسم به في قوله: (وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) [التين:3]، فقال ابن سريج: أي الأمرين أحب إليك أجيبك ثم أقطعك، أو أقطعك ثم أجيبك؟ فقال: بل اقطعني ثم أجبني، فقال: اعلم أن هذا القرآن نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم بحضرة رجال وبين ظهراني قوم وكانوا أحرص الخلق على أن يجدوا فيه مغمزا وعليه مطعنا، فلو كان هذا عندهم مناقضة لتعلقوا به وأسرعوا بالرد عليه، ولكن القوم علموا وجهلت فلم ينكروا منه ما أنكرت"(([57]، فحال زيهر حال السائل في هذه الحادثة، فنقول له ولكن القوم علموا وجهلت فلم ينكروا منه ما أنكرت.
فزيهر يعتمد في قوله وشبهته التي يدعيها على الرسم، ويجعله المعيار الأول لنشأة القراءات دون أن يُعرج على التلقي والمشافهة المعروف بالسند والتواتر الذي تلقاه جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، فهو يضرب به عرض الحائط دون أن يقيم له وزناً أو يحدث له ذكراً، مع أنّ السند المتصل ركن من أركان القراءة المعتبرة، ولا تقوم القراءة بدونه كما سبق بيانه في المبحث السابق في أركان القراءة المعتبرة.
فسبب الاختلاف في القراءات ليس الاعتماد على الرسم، وإنما على التلقي والمشافهة، والدليل على ذلك أنّه لما كتب سيدنا عثمان رضي الله عنه المصاحف أرسل مع كل مصحف قارئاً ليقرئ الناس، ويعلمهم القرآن، ولو صح استخراج القراءات المختلفة من الرسم لما احتاج عثمان بن عفان رضي الله عنه أن يرسل مع كل مصحف قارئاً ومعلماً.
ثمّ إنّ لهذا الرسم خصوصية يصعب على بعضهم فهمها ومعرفتها، وهي أن هذا الرسم قد احتوى كل هذه القراءات، واستوعب جميع هذه الروايات دون أي خلل أو زلل، كما أنه جمع الحروف السبع التي نزل بها القرآن الكريم، يقول الزرقاني: "ذهب جماعة من الفقهاء والقراء والمتكلمين إلى أن جميع هذه الأحرف موجودة بالمصاحف العثمانية، واحتجوا بأنه لا يجوز للأمة أن تهمل نقل شيء منها، وأن الصحابة أجمعوا على نقل المصاحف العثمانية من الصحف التي كتبها أبو بكر، وأجمعوا على ترك ما سوى ذلك، ومعنى هذا أن الصحف التي كانت عند أبي بكر جمعت الأحرف السبعة ونقل منها المصاحف العثمانية بالأحرف السبعة كذلك"([58]).
فتكون هذه الخصوصية للرسم قد جمعت بين الحروف السبع والقراءات العشر، وهذا وجه من أوجه الإعجاز والإيجاز لهذا الرسم بتلك الطريقة، لا شبهة يقذف به القرآن، ويطعن به لأجلها. يقول شكري: "فخلو المصحف من النقط والشكل كان معيناً له على استيعاب القراءات الصحيحة والأوجه المتعددة، ولم يكن موجباً للاختلاف أو مصدراً لهذه القراءات، والاعتماد في القراءات إنما هو المشافهة والنقل والتلقي"(([59].
ولو كانت القراءات على ما يحتمله الرسم كما يقول زيهر لكان هناك وجوه كثيرة جداً للقراءات يصعب حصرها، ولنأخذ كلمة واحدة مكونة من ثلاث حروف نحو: (يجب) لو جردت هذه اللفظة من النقاط، ثمّ أردنا أن ننقطها لخرجنا بأكثر من خمسة عشر وجهاً تلفظ به هذه اللفظة، نحو: يحب ونحب وتحب، وتجب ويجب ونجب، ويحث وتحث ونحث، ويحن وتحن ونحِن، وتحت، ونحت وبحث وبحت ونحْن، كل هذه العبارات من كلمة واحدة غير منقطة، فكيف يكون الحال مع القرآن بأسره، فثبت بذلك وجوب اتصال السند والسماع من الشيخ، فهما أساس القراءات وأحد أركانها، يقول العتر: "لو كان ثمة تسامح في القراءات، وفق رسم المصحف من غير توقف على التلقي، لوجب أن يكون عدد القراءات كثيرة تبلغ أضعافاً هائلة بالنسبة للقراءات الثابتة التي دققها العلماء، وحققوا صحة سندها وتواترها وقد اعترف جولد زيهر نفسه بقراءات يسمح بها الخط لكنها اعتبرت عند العلماء منكرة"(([60].
وأمّا الرد على زيهر من خلال الآيات القرآنية والرسم القرآني، وأن المعتمد في القراءة التلقي والمشافهة لا على احتمال الرسم فقط، يقول السندي: "ولا تقبل القراءات الموضوعة والمستنبطة من الرسم وهيكل الكلمات القرآنية، وأكبر دليل على ذلك أن القراء كلهم اتفقوا على نقل بعض الكلمات رغم مخالفتها لصريح الرسم؛ منها: كلمة (إيلافهم) [قريش:2]، حيث أجمعت المصاحف على إثبات الياء في الموضع الأول رسمًا، فأثبتها القراء العشرة -ما عدا قراءة ابن عامر- وأجمعت المصاحف على حذفها في الموضع الثاني رسمًا؛ ولكن أثبتها القراء العشرة -ما عدا أبا جعفر-؛ لثبوتها نقلًا ورواية... ثم انظر كيف كتبوا (وجايء) [الفجر: 23] بالألف قبل الياء، و(لأ اذبحنه) [النمل: 21]، و(ولأ اوضعوا) [التوبة: 47] بألف بعد (لا)، ومثل هذا كثير، والقراءة بخلاف ما رُسِمَ"(([61]. فهذه الكلمات خالفت صريح الرسم، وليس فيها للاجتهاد باب ولا سبيل، ومع ذلك أثبتت تلك الحروف في الكلمات كما هي متلقاة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يحمل هذا الادعاء على هذه الكلمات التي كتبت بطريقة مع أنها ملفوظة بغير ما كتبت به؟
وأما عن الشكل والإعراب فقد "جاء الأصمعي يومًا إلى مجلس المازني، فقال له: ما تقول في قول الله عز وجل: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَر) [القمر:49]؟ قال المازني: سيبويه يذهب إلى أن الرفع فيه أقوى من النصب في العربية لاشتغال الفعل بالمضمر، وأنه ليس ههنا شيء هو بالفعل أولى، ولكن أبت عامة القراء إلا النصب، فنحن نقرؤها لذلك اتباعًا؛ لأن القراءة سنة"(([62]. فثبت بذلك أن المعتمد هو السماع والمشافهة وليس احتمال الرسم أو أوجه النحو أو فعل النساخ، فكيف يصح بعد ذلك الطعن في الشكل والتنقيط وأمانة الصحابة.
وعليه؛ فإنّ هذه الشبهة باطلة لا أساس لها من الصحة ويكذبها الواقع والتاريخ، ويكذبها الرسم والقراءة، وذلك أن هناك كلمات لو كان اختلاف القراءات فيها يرجع إلى الرسم لاختلفوا فيها أيما اختلاف، ولكن نجد أنهم متفقون على قراءتها بوجه واحد كما تلقوه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم اختلاف الرسم عما ينطق بها.
المطلب الثالث: القول بعدم التواتر في القراءات
يقول زيهر: "والنص المتلقي بالقبول (القراءات المشهورة) والذي هو في جزيئاته يرجع إلى الكتابة التي تمت بعناية الخليفة الثالث عثمان دفعاً للخطر الماثل من رواية كلام الله في مختلف الدوائر على صور متغايرة، وتداوله في فروض العبادات على نسق غير متفق"(([63].
نقض الشبهة:
المتأمل في كلام زيهر يجد فيه مطاعن كثيرة لا تحصى، من طعن في النص القرآني، والسند المتواتر الذي أطلق عليه بزعمه القراءة المشهورة، ومعلوم أن القراءة المشهورة غير القراءة المتواترة، ثمّ جعل هذه القراءات غير موحدة، وكأنه يرمي بسهام التحريف والتبديل في القرآن الكريم، ثمّ التشكيك في أمانة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه عند كتابته للقرآن الكريم، وأن ما حمله على ذلك الخطر الماثل من الروايات المتغايرة، مع العلم أنّ سيدنا عثمان رضي الله عنه والرهط القرشي لم يكونوا إلاّ نساخاً؛ لأنّ الجمع قد تم في عهد الخليفة الراشد أبي بكر رضي الله عنه، ومن ثمّ التشكيك في صحة العبادات –الصلاة- وأنّ القرآن الذي يقرأ بها على نسق مختلف غير متفق عليه، أي أن كل مرة يقرأ بكيفية مختلفة عن الأخرى، فأي أمانة علمية تلك التي يتمتع بها زيهر.
وما نحن بصدده في هذا المطلب هو التواتر اللفظي في كل حرف من الحروف القرآن الكريم، كما أجمعت الأمة على ذلك، يقول الزركشي: "لا خلاف أن كل ما هو من القرآن يجب أن يكون متواتراً في أصله وأجزائه، وأمّا في محله ووضعه وترتيبه، فعند المحققين من علماء أهل السنة كذلك، أي: يجب أن يكون متواتراً، فإن العلم اليقيني حاصل أنّ العادة قاضية بأنّ مثل هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه... فمستحيل ألا يكون متواتراً في ذلك كله، إذ الدواعي تتوافر على نقله على وجه التواتر، وكيف لا، وقد قال تعالى: (إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ) [الحجر: 9]. والحفظ إنما يتحقق بالتواتر؟، وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ) [المائدة:67]، والبلاغ العام إنما هو بالتواتر، فما لم يتواتر مما نقل آحادا نقطع بأنه ليس من القرآن"(([64].
فالإجماع منعقد على تواتر القرآن الكريم، والعادة تقبل ذلك، والمنطق يستجيزه، والعرف يتبناه، والعقل يوافقه، يقول ابن الجزري: "فالقراءات العشر متواترة جملة وتفصيلاً، وهو ما عليه أئمة القراءة والفقه والأصول"(([65].
ولو تتبعنا أسانيد القراءات لوجدناها متصلةً برسول الله صلى الله عليه وسلم، فكل راوٍ يروي ما تلقاه عن شيخه حتى يصل بإسناده إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالمرجع إذن ليس الاعتماد على الرسم الذي تمّ في عهد الخليفة الراشد عثمان بن عفان رضي الله عنه، وإنما التلقي والمشافهة أيضاً كما مرّ بنا في أركان القراءة المعتبرة، وهذا ما يعرف بالسند، وقد أرسل عثمان رضي الله عنه مع كل مصحف قارئاً ليقرئ الناس؛ لأن المعتبر في القراءة ليس الرسم الذي قال به عثمان رضي الله عنه كما يدعي زيهر.
وما يحاوله هذا المستشرق من نسبة القراءات إلى تصرف فردي واختيار شخصي مصادم للواقع الثابت، وللدلائل القطعية، ومخالف لما تعارفت عليه الأمة ، يقول العتر: "وهذا الزعم من زيهر يكشف عن جهله بحقائق نقل القرآن عن النبي -صلى الله عليه وسلم-، وحقائق مصطلح الحديث، أو تجاهله المتعمد لهذه الحقائق كلها، فإنه ليس يصح الحديث بمجرد الادعاء ونسبة القراءة أو الرواية إلى ثقة معرف به، بل هناك شروط الراوي؛ ومنها العدالة والضبط، وهناك شروط سلسلة السند، وهناك السلامة من الشذوذ والعلة، وما في ذلك من تفاصيل تجعل من المتعذر حصول الاعتراف بقراءة أو رواية غير ثابتة على الحقيقة. فضلا عن أن حقيقة المطلوب في القراءة المقبولة هو التواتر كما حققناه، لذلك لا تقبل قراءة رجل انفرد بها عن أهل بلده، كما هو متفق عليه في هذا العلم"(([66].
فلماذا الكبر وبطر الحق وغمط الناس أشياءهم؟ وقد تعاقبت الأجيال في هذه الأمة جيلاً بعد جيل يتلون كتاب الله ويتدارسونه فيما بينهم؛ طلباً لنزول السكينة، وغشيان الرحمة، وحفيف الملائكة، لا يغيب عنهم حرف منه، حيث لم تكن كتابة المصحف إلا وسيلة من الوسائل التي سخرها الله تعالى لحفظ هذا الكتاب، وإلا فإنّ الأصل أن القرآن في الصدور لا في السطور.
يقول الباقلاني -في الانتصار رداً على من أنكر شيئاً من القرآن في رسمه، أو حرف من حروفه، أو شكك في أمانة الصحابة-: "ولا يجوز أن يضاف إلى عبد الله أو أبيّ بن كعب أو زيد أو عثمان أو علي أو واحدٍ من ولده وعترته جَحدُ آية أو حرفٍ من كتاب الله عز وجل، أو تغيّره وقراءتُه على غير الوجه المرسوم في مصحف الجماعة بأخبار الآحاد، وما لم يبلغ منها حدّ التواتر والانتشار، وأن ذلك لا يحلُّ ولا يسَعُ بل لا يصلح عندنا إضافةُ ذلك إلى أدنى المؤمنين منزلة من أهل عصرنا بخبر الواحد، وما لا يوجب العلم، فضلاً عن إضافة ذلك إلى جلة الصحابة والأماثل"(([67].
ثمّ هل من الممكن أن تسكت الأمة عن عثمان رضي الله عنه لو أحدث شيئاً في كتاب الله تعالى أو غير شيئاً، وهم على ما هم عليه من الغيرة لدينهم وكتابهم ونبيهم صلى الله عليه وسلم؟ ثمّ إنّ ما صنعه عثمان رضي الله عنه من جمع الناس على مصحف واحد إنّما كان بمشورتهم وإجماعهم عليه، خشية أن تختلف الأمة كما اختلفت اليهود والنصارى، فكيف تصبح هذه المنقبة مطعناً، وتصبح المنفعة ملمزاً ومغمزاً في حق سيدنا عثمان رضي الله عنه؟
ومن هنا فقد بطلت الشبهة بهذا الإجماع المنعقد على تواتره بالحجة العقلية والنقلية، وإلا كيف صمد هذا الكتاب في وجه الأعداء كل هذه السنين لولا حفظ الله له؟ ومن أكبر الأدلة على إعجازه وتواتره حفظ الله له، فقد أخبر سبحانه أنّ القرآن كلامه، أنزله على نبيه محفوظاً بحفظ الله له، سالماً من التغيير والتبديل، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وإنّ نبيه صلى الله عليه وسلم بلغه لأمته كما تلقاه من ربه، وقد تكفل سبحانه وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم بالحفظ، ولقد ثبت بالدليل سلامة القرآن من كل معارضة، وتواتره أكبر دليل على ذلك.
المطلب الرابع: القول بأن القراءات جاءت نتيجة لظهور التفسير
يقول زيهر: "ليس هناك نص موحد للقرآن، ومن هنا نستطيع أن نلمح في صياغته المختلفة أولى مراحل التفسير"(([68] ويضرب زيهر للانتصار لمذهبه أمثلة من القرآن الكريم يستدل بها من خلال قراءات شاذة وضعيفة، ففي قوله تعالى: (لِّتُؤۡمِنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُۚ وَتُسَبِّحُوهُ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلًا) [الفتح: 9]، ثمّ يذكر قراءة منكرة ليقول بالتناقض، يقول زيهر: "فكلمة تعزروه جاءت في قراءة أخرى تعززوه بالزاي المعجمة هي بمعنى تعظموه وأنا لا أستبعد أن يكون من دواعي تغيير النص على هذا الوجه خشية أن الله ينتظر من الناس مساعدة أو معونة" ثمّ يواصل كلامه قائلاً: "فإضافة نقطة واحدة كافية بإزالة ذلك الإبهام فينتقل المعنى من تقديم المعونة لله إلى تعظيم الله وهو تصرف في النص"(([69].
نقض الشبهة
عند التمعن في كلام زيهر تجد التشكيك والطعن السمتين البارزتين في كلامه وأقواله، فهو ينفي وجود نصّ ثابت للقرآن، ويعلل ذلك بشبهات تنقدح في خاطره وأوهام تجوس في فؤاده، فمرة ينسب وجود القراءات لعثمان بن عفان رضي الله عنه ومرة للنساخ، ومرة للمفسرين، ويعد ذلك أول مراحل التفسير، مدعياً ذلك بتلاعب النساخ بالنقاط كما قال في أول شبهة تم عرضها.
ففي المثال الذي ذكره زيهر سابقاً يريد أن ينتصر لمذهبه بأن يثبت أن القراءة جاءت من خلال التلاعب بالنقط مما يترتب عليه اختلافاً بالمعنى؛ وأن أصل القراءة هو (تعززوه) وليس (تعزروه)، وأنّ ما عليه الرسم هو من فعل النساخ بأمر من عثمان رضي الله عنه، فحتى يزال التناقض والاضطراب للمعنى وضعوا النقطة فوق المفردة لتصبح تعززوه أي تعظموه.
ونقض هذه الشبهة من عدة أوجه:
الوجه الأول: التضليل بالمعنى.
وأمّا من حيث المعنى فيقول النجار: "فإنّ التعزير هو التفخيم والتعظيم، والتعزيز هو التقوية المتضمنة معنى النصر، قال تعالى: (فعززنا بثالث) أي: قويناهم بثالث"(([70]. فالمعنى الأصح بناءً على تعليل زيهر هي القراءة (تعززوه) وهو التفخيم والتعظيم كما يدعي، لا المعونة والنصرة كما قال زيهر، لقد قلب هذا المستشرق الحقيقة وزيف المعنى، وبدّل دلالة الألفاظ بين القراءتين للتضليل، فجعل معنى تعزروه طلب المعونة والنصر، وهي في الحقيقة التفخيم والتعظيم، وجعل معنى تعززوه التفخيم والتعظيم، وهو في الحقيقة طلب المعونة والنصر، وهي في الحقيقة قراءة شاذة لا يعول عليها، فبدل الحقيقة وزيفها بكذبه، فأين الأمانة العلمية التي يتغنى بها هو وأمثاله من المستشرقين؟ وأين هو النقد البناء الذي يطالبون به؟ ثمّ كيف جعل ذلك من التناقض بين القراءات وأنه أول مراحل التفسير؟
والوجه الثاني: أنّ هذه القراءة قراءة منكرة، يقول النجار: "وقراءة تعززوه قراءة منكرة بالاتفاق فليس من السبع، ولا الأربع عشر، بل قراءة آحاد لابن عباس لا يعتد بها، وقد أخطأ زيهر في فهم فروق العربية"([71]).
فهذه القراءة التي يحتج بها هي قراءة شاذة (آحاد) لا يعول عليها ولا يعتد بها، وإذا ما تعارضت قراءتان أحدهما متواترة والأخرى شاذة قدمت القراءة المتواترة قولاً واحداً، فالقراءة الشاذة ليست قرآناً، ولا يصح قراءتها على أنها قرآن، ولا التعبد بها، ولا يصح تضليل السامع والقارئ على أنّها قرآن، وذلك من باب الأمانة العلمية.
كما يجب على زيهر أن يفرق بين اختلاف التغاير واختلاف التضاد؛ لأن الاختلاف نوعان كما يقول ابن قتيبة: "اختلاف تغاير، واختلاف تضادّ. فاختلاف التّضاد لا يجوز، ولست أجده بحمد الله في شيء من القرآن إلا في الأمر والنهي من الناسخ والمنسوخ. واختلاف التغاير جائز، وذلك مثل قوله: (وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) [يوسف: 45] أي: بعد حين، (وبَعْدَ أُمَّةٍ) أي: بعد نسيان له، والمعنيان جميعاً وإن اختلفا صحيحان، لأنه ذكر أمر يوسف بعد حين وبعد نسيان له، فأنزل الله على لسان نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم، بالمعنيين جميعا في غرضين"(([72]، فاختلاف التغاير في القراءات لا ينكره أحد؛ لأنه يعطي عمقاً دلالياً في المعنى، ويضفي دلالةً في التفسير، وسعةً في أفق المفسر وفكره، مع التأكيد على أنّ هذا التغاير جاء بالسند المتواتر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمّا اختلاف التضاد في تجد منه شيئاً في كتاب الله تعالى.
مثال آخر يضربه زيهر ليدلل به على ما قاله عند قوله تعالى: (وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ) [التوبة: 114] يقول: "إياه؛ بالياء التحتية المثبتة، وفي قراءة من الغريب قراءة حماد أباه بالباء الموحدة"(([73].
يقول النجار: وهي قراءة منكرة بالاتفاق، فليست من السبع ولا من الأربع عشر"(([74]، هذا ديدنه –زيهر- ينتصر لمذهبه بالأقوال الشاذة والروايات المعللة وقراءات منكرة بعيدة عن الصواب، بل حتى إنه قد يقلب الحق باطلاً والباطل حقاً انتصاراً لمذهبه.
ثمّ يسوق زيهر بعد ذلك أكثر من مثال لا يعول عليه، ولا يلتفت إليه، وبعد أن ساق تلك الأدلة وحشد تلك الحشود قال: "لا تسبب هذه الاختلافات وما شابهها فرقاً من جهة المعنى العام ولا من جهة الاستعمال الفقهي"(([75]، إذا كانت هذه الاختلافات بزعمه لا تؤثر ولا تحدث فرقاً بالمعنى فما الغاية منها؟ وما الداعي إلى إيرادها وذكرها؟ -ومع العلم أن الحركة والنقطة تغير المعنى وتقلب المبنى في العربية- إذا لم يكن هدفه التشكيك في صحة القراءات، والطعن في نزاهة الصحابة وعدالتهم فما الغاية إذن؟ أضف إلى ذلك أنّه أراد أن ينفث سمه، ويومئ إلى أنّ القرآن الكريم كتاب قابل للنقد والتفنيد كغيره من الكتب، وأنّه ليس بتلك القدسية التي يقول بها المسلمون ويتغنى بها المؤمنون في كل عصر ومصر، أمّا أنه يريد أن يقول بلسان حاله ومقاله أن يد التحريف والتغيير مدت إليه، كما مدت لغيره من الكتب السماوية الأخرى، ولا أدري كيف غاب عن خلده وهو الفطن الذي لا يخفى عليه قوله تعالى: (إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ) [الحجر: 9]؟
إنّ هذه القراءات كانت على سبعة أحرف منذ عصر التنزيل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد تواترت الروايات في ذلك، وقد ورد أكثر من رواية عن اختلاف أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما بينهم بهذه الحروف، وكان الفيصل بينهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف يحق لزيهر أن يدعي أن سبب الخلاف يرجع إلى رسم المصحف وتجريده من الشكل والنقاط؟ يقول العتر: "إن فذلكة تسيهر للموضوع جرت على قلب القضية من أساسها، وذلك أنه ليس هناك أي اختلاف في أن تجريد المصاحف العثمانية من الشكل والنقط كان بقصد استيعاب الأحرف المروية الثابتة من قبل عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن هذا الزاعم قلب القضية، وجعل هذا الرسم للمصحف سببا لظهور القراءات فيما بعد بزعمه الباطل"(([76].
إنّ هذا الرسم للمصحف الشريف لهو أحد صور إعجازه، حيث استطاع هذا الرسم أن يستوعب كل القراءات، وجميع الروايات على اختلاف اللهجات والحركات، فقراءة تثبت الألف وأخرى تجردها نحو مالك وملك، وقراءة تثبت بعض النقاط وأخرى تجردها نحو ننشرها وننشزها، والرسم يحتمل كل ذلك دون إخلال في المعنى أو المبنى، بل يكسبه ثراءً وجمالاً.
الخاتمة والنتائج
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، وبعد:
بعد هذا الاستعراض لدراسة بعض الشبهات التي أثارها جولد زيهر والوقوف عليها وتفنيدها، فقد تم التوصل إلى النتائج الآتية:
1. إنّ هذه القراءات العشر التي أجمعت الأمة على قبولها، -رغم ما وضعه علماء الأمة من شروط وأركان لها- فإنها تقوم على أصل راسخ مبني على اتصال السند برسول الله صلى الله عليه وسلم المعروف بالتواتر، وذلك بأن يرويه جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب عادة، وهذا هو الأصل الذي انطلق منه العلماء، وبنوا على أساسه القراءات العشر المتواترة، وليس الانطلاق من الرسم، أو شكل الخط، أو قول عثمان رضي الله عنه.
2. هناك فرق بين القراءة والرواية والطريق، فالقراءة ما نسبت إلى أحد القراء العشرة المشهورين، والرواية ما نسبت إلى أحد تلاميذهم، وهو الذي يروي عن القارئ، والطريق ما نسب إلى أحد الرواة عن الراوي، فنقول طريق الشاطبية من رواية حفص عن عاصم، فعاصم قارئ، وحفص أحد الرواة عن عاصم، والشاطبية إحدى طرق الرواية عن حفص.
3. إنّ المنهج الذي يقوم عليه زيهر هو منهج فلسفي غربي يقصي الوحي كلياً، فلا نراه ينظر إليه، أو يعتد به، بل ويقصي السند الذي تقوم عليه القراءة المتواترة وينحيه جانباً.
4. محاولة زيهر أن يثبت أن القرآن الكريم أصابه ما أصاب الكتب السماوية السابقة من تحريف وتغيير موعزاً ذلك إلى سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه مرة، وإلى النساخ مرة، كل ذلك لزعزعة الثقة بالقرآن الكريم الذي تكفل الله تعالى بحفظه، وليمحوا معالم قدسية القرآن الكريم، فيثبت لأقرانه من المستشرقين أن هذا الكتاب –القرآن الكريم- كباقي الكتب الأخرى يصح نقده والتشكيل بثوابته ليطبق عليه النظرية العلمية النقدية التي يتبناها الغرب والتي تجعل العقل حكماً على كل شيء.
5. استعمال زيهر أسلوب التضليل والخداع بقلب الحقائق وتزييف المعاني، وأنّ سبب اختلاف القراءات بزعمه ظهر نتيجة لنشوء علم التفسير، ولطبيعة الخط العربي، وقد برز ذلك الأسلوب جلياً بكلمة (تعزروه) والتي جعلها (تعززوه)، حيث جعل معنى كل منهما للأخرى؛ لتضليل القارئ وخداعه.
6. إذا كان سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه قد ألزم الناس بنصّ موحّد للقرآن الكريم كما يزعم زيهر، فكيف نشأت القراءات القرآنية العشر ومن أين جاءت؟ فوجود هذه القراءات يثبت بدليل النقلي والعقلي أنّ هذا الرسم قد استوعب كلاً هذه القراءات واحتواها، فكيف يصحّ بعد ذلك أن يقال إن عثمان بن عفان رضي الله عنه ألزم الناس بنص موحد للقرآن الكريم؟ فسيدنا عثمان رضي الله عنه جمع الناس على لسان واحد وهو لسان قريش الذي استوعب كل هذه القراءات واحتوى هذه الروايات، فكان لهذا الرسم غاية ودلالته في الإيجاز والإعجاز، لا مغمزاً وملمزاً في حقه رضي الله عنه.
7. إنّ جميع هذه الشبهات التي قال بها زيهر تقوم على أمور لا أصل لها من الصحة؛ وذلك من خلال الطعن في أمانة سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وتشويه صورة كتاب الوحي، والطعن في ضبط الصحابة وأمانتهم، وبناء أقاويله على قراءات شاذة وروايات وموضوعة لا يعتدّ بها ولا يعول عليها.
8. إنّ كتابة القرآن بالرسم العثماني دليل على أنّ الاعتماد في اختلاف القراءات ليس على الرسم فقط، إذ لو كان الاعتماد على الرسم لانعقد الإجماع على عدم جواز مخالفة الرسم العثماني، مع أن هناك الكثير من القراءات تخالف الرسم وقد تواترت القراءة فيها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أضف إلى ذلك أن ثَمّ الكثير من الكلمات التي يتشابه رسمها، ومع ذلك تختلف القراءات فيها.
(*) مجلة الفتوى والدراسات الإسلامية، دائرة الإفتاء العام، المجلد الثالث، العدد السابع، 1444هـ/ 2023م.
الهوامش
([1])الفارابي، أبو نصر إسماعيل بن حماد الجوهري (ت393هـ)، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، (ط4)، 1987 م، ج6، ص2236.
([2])الفراهيدي، أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو (ت170هـ)، كتاب العين، مهدي المخزومي، إبراهيم السامرائي، دار ومكتبة الهلال، د. البلد، د .ت، د ط، ج3، ص404.
([3])الهروي، أبو منصور محمد بن أحمد بن الأزهري (ت370هـ)، تهذيب اللغة، محمد مرعب، دار إحياء التراث العربي، بيروت، (ط1)، 2001م، ج6، ص59.
([4])أبو جيب، سعدي، القاموس الفقهي لغة واصطلاحا، دار الفكر، دمشق، سورية، (ط2)، 1988م، ص189.
([5])ابن فارس، أبو الحسين أحمد بن زكريا، مقاييس اللغة، ت عبد السلام هرون، دار الفكر، 1979م، ج6، ص78.
([6])الرازي، زين الدين أبو عبد الله محمد بن أبي بكر بن عبد القادر (ت666هـ)، مختار الصحاح، ت يوسف الشيخ، الدار النموذجية، بيروت، صيدا، (ط5)، 1999م، ص349.
([7])ابن منظور، أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم بن على الأنصاري (ت711هـ)، لسان العرب، دار صادر، بيروت، (ط3)، 1414هـ، ج1، ص129.
([8])ابن الجزري، شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن يوسف (ت833هـ)، منجد المقرئين ومرشد الطالبين، دار الكتب العلمية (ط1) ، 1999م، ص9.
([9])الزرقاني، محمد عبد العظيم، مناهل العرفان في علوم القرآن، ت فواز زمرلي، دار الكتاب العربي، بيروت، (ط1)، 1995م، ج1، ص336.
([10])بدوي، عبد الرحمن، موسوعة المستشرقين، دار الملايين، بيروت، (ط3)، 1993م، ص197.
([11])بدوي، موسوعة المستشرقين، مرجع سابق، ص197.
([12])الصديق بشير، التعليقات النقدية على كتاب دراسات محمدية، مركز العالم الإسلامي لدراسة الاستشراق، لندن، (ط2)، 2009م، ص33.
([13])ينظر: الصديق، دراسات محمدية، ص34.
([14])ينظر: الصديق، دراسات محمدية، ص398.
([15])ينظر: الصديق، دراسات محمدية، ص396.
([16])بوهان فوك، تاريخ حركة الاستشراق، ترجمة عمر لطفي العالم، دار المدار الإسلامي، ليبيا، (ط2)، 2000م، ص241.
([17])البخاري، أبو عبدالله محمد بن إسماعيل الجعفي (ت256ه)، الجامع الصحيح المختصر، ت مصطفى البغا، دار ابن كثير، بيروت، (ط3)، 1987م، ج2، ص851.
([18])ينظر: ابن الجزري، شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن يوسف (ت833هـ)، النشر في القراءات العشر، علي محمد الضباع، دار الكتاب العلمية، بيروت، (د.ط)، ج1، ص33-35.
([19])ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج1، ص9.
[20])) ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج1، ص13.
[21])) المصدر السابق نفسه.
[22])) المصدر السابق نفسه.
([23])النبهان، محمد فاروق، المدخل إلى علوم القرآن، دار علم القرآن، حلب، (ط1)، 2005م، ص193.
([24])ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ج1، ص11.
([25])المصدر السابق نفسه.
([26])المصدر السابق نفسه.
([27])المصدر السابق نفسه.
([28])المصدر السابق،ج1، ص13.
([29])السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (ت911هـ)، الإتقان في علوم القرآن، ت محمد أبو الفضل، الهيئة المصرية العامة للكتاب، (ط1)، 1974م، ج1، ص264-ص265.
([30])الذهبي، شمس الدين أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان (ت748هـ)، معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار، بيروت، دار الكتب العلمية، (ط1)، 1997م، ص46-47.
([31])ينظر: الذهبي، معرفة القراء، مصدر سابق، ص49-50.
([32])ينظر: الذهبي، معرفة القراء، مصدر سابق، ص51-52.
[33])) الزركلي، خير الدين بن محمود بن محمد بن علي بن فارس (ت1396هـ)، الأعلام، دار العلم للملايين، الخامسة عشر، أيار، مايو 2002 م،ج3، ص41.
([34])ينظر: الذهبي، معرفة القراء، مصدر سابق، ص58- 60.
[35])) ابن الجزري، شمس الدين أبو الخير محمد بن محمد بن يوسف (ت833هـ)، غاية النهاية في طبقات القراء، عني بنشره ج. برجستراسر، مكتبة ابن تيمية، لأول، 1351هـ ،ج2، ص330.
([36])ينظر: الذهبي، معرفة القراء، مصدر سابق، ص64- 65.
([37])ينظر: الذهبي، معرفة القراء، مصدر سابق، ص66-68.
([38])ينظر: الذهبي، معرفة القراء، مصدر سابق، ص72- 74.
([39])ينظر: الذهبي، معرفة القراء، مصدر سابق، ص40.
([40])ينظر: الذهبي، معرفة القراء، مصدر سابق، ص 94.
([41])ينظر: الذهبي، معرفة القراء، مصدر سابق، ص 123.
([42])السيد، رزق الطويل، مدخل في علوم القراءات، المكتبة الفيصلية، (ط1)، 1985م، ص30.
([43]) ينظر: رزق الطويل، مدخل في علوم القراءات، مرجع سابق، ص30.
[44])) الصفاقسي، علي النوري، غيث النفع في القراءات السبع، ت محمد عناية، بيروت، دار الكتاب، (ط1)، 1999م، ص12.
([45])جنتس جولد زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ترجمة عبد الحليم النجار، مكتبة المثنى، بغداد، 1955م، ص4.
([46]) تعليق في الحاشية لعبد الحليم النجار، زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، ص5.
([47])السيد رزق، مدخل في علوم القراءات، مرجع سابق، ص263.
([48])ابن عطية، أبو محمد عبد الحق بن غالب الأندلسي (ت542هـ)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز، عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بيروت، (ط1)، 1422 هـ، ج3، ص491.
([49])السيد رزق، مدخل في علوم القراءات، مرجع سابق، ص264.
[50])) الأزهري، أبو منصور محمد بن أحمد (ت370هـ)، معاني القراءات، مركز البحوث في كلية الآداب، جامعة الملك سعود المملكة العربية السعودية، الأولى، 1991م، ج1، ص223
[51])) الشوكاني، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله (ت1250هـ)، فتح القدير، دار ابن كثير، دار الكلم الطيب، دمشق، بيروت، الأولى - 1414 هـ، ج1، ص198.
[52])) الأزهري، معاني القراءات، مصدر سابق، ج1، ص191.
[53])) السيد رزق، مدخل في علوم القراءات، مرجع سابق، 289.
([54])السيد رزق، مدخل في علوم القراءات، مرجع سابق، ص264.
([55])زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، مصدر سابق، ص8-9.
([56])السيد رزق، مدخل في علوم القراءات، مرجع سابق، ص263.
([57])الزركشي، أبو عبد الله محمد بن بهادر بن عبد الله، البرهان في علوم القرآن، ت محمد أبو الفضل، دار المعرفة، بيروت، (د. ط)، 1391ه، ج2، ص46.
[58])) الزرقاني، مناهل العرفان، مصدر سابق، ج1، ص168.
([59])أحمد شكري، محمد القضاة، مقدمات في علم القراءات، دار عمار، عمان، (ط1)، 2001م، ص266.
([60])نور الدين محمد عتر الحلبي، علوم القرآن الكريم، مطبعة الصباح، دمشق، (ط1)، ١٩٩٣م، ص6.
([61])السندي، أبو طاهر عبد القيوم عبد الغفور، صفحات في علوم القراءات، المكتبة الأمدادية، المدينة المنورة، (ط1)، 1415 هـ، ص160-161.
([62])السيد رزق، مدخل في علوم القراءات، مرجع سابق، ص263.
([63])زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، مصدر سابق، ص6.
([64])الزركشي، البرهان، مصدر سابق، ج2، ص125.
([65])ابن الجزري، منجد المقرئين، مصدر سابق، ص23.
([66])نور الدين العتر، علوم القرآن الكريم، مرجع سابق، ص152.
([67])الباقلاني؛ أبو بكر محمد بن الطيب بن محمد بن جعفر (ت403هـ)، الانتصار للقرآن، ت محمد القضاة، دار الفتح، عَمَّان، (ط1)، 2001 م، ج1، ص61-62.
([68]) زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، مصدر سابق، ص6.
([69])زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، مصدر سابق، ص 12.
([70])زيهر، مذاهب التفسير، مصدر سابق، ص9.
[71])) زيهر، مذاهب التفسير، مصدر سابق، ص9.
([72])ابن قتيبة؛ أبو محمد عبد الله بن مسلم الدينوري (ت276هـ)، تأويل مشكل القرآن، ت إبراهيم شمس الدين، دار الكتب العلمية، بيروت، د.ت، ص33.
([73])زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، مصدر سابق، ص9.
([74])تعليق النجار على حاشية، زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، مصدر سابق، ص9 .
([75])زيهر، مذاهب التفسير الإسلامي، مصدر سابق، ص10.
([76])العتر، علوم القرآن الكريم، مرجع سابق، ص153.