الموضوع : العلماء ورثة الأنبياء والواجب احترامهم

رقم الفتوى : 3952

التاريخ : 26-02-2025

السؤال :

ما المقصود بعلماء السلطان، وهل هذا المصطلح محل ذم؟

الجواب :

الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله 

كرّم الله تعالى العلماء وأعلى قدرهم في كتابه العزيز بآيات كريمة، منها قوله تعالى: {قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ} [الزمر: 9]، فلا يمكن لصاحب عقل أن يسوّي بين العالم والجاهل، والعلماء هم مرجعية الناس في بيان الأحكام الشرعية وتطبيقها، لذلك أوجب الله تعالى علينا الرجوع إليهم وسؤالهم، قال سبحانه: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43]، وجعل طاعتهم في طاعة الله دون معصيته، قال جلّ وعزّ: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ} [النساء: 59]، وأثنى سبحانه على أهل العلم فوصفهم بأنهم أصحاب خشية منه، فقال: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر: 28].

وجاء في السنة المطهرة الشواهد الكثيرة على فضل العلماء، ومن ذلك قول سيدنا النبي صلى الله عليه وسلم: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) متفق عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَطْلُبُ فِيهِ عِلْمًا سَلَكَ اللَّهُ بِهِ طَرِيقًا مِنْ طُرُقِ الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا رِضًا لِطَالِبِ الْعِلْمِ، وَإِنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ، وَمَنْ فِي الْأَرْضِ، وَالْحِيتَانُ فِي جَوْفِ الْمَاءِ، وَإِنَّ فَضْلَ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يُوَرِّثُوا دِينَارًا وَلَا دِرْهَمًا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وَافِرٍ) رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

فعدَّ النبي صلى الله عليه وسلم العلماء ورثة للأنبياء، لذلك فالعلماء هم الأجدر بالقرب من صاحب السلطة وصنع القرار، ليقدموا له النصيحة والعون، فإذا ذكر أعانوه، وإذا نسي ذكروه، فهم البطانة الحسنة، والتي أحوج ما يكون أولياء الأمور إليها، ولا شك أن بُعدهم عنهم أو قطيعتهم لهم هي من أوسع أبواب الشر؛ وذلك لخلو مكانهم عن الناصح الأمين الدالّ على الله تعالى وشرعه الشريف، فلا نقيصةَ على العلماء في قربهم من السلاطين وفق معنى النصح والإعانة على الحق، ودليله ما رواه سالم بن عبد الله، قال: كَتَبَ عَبْدُ المَلِكِ إِلَى الحَجَّاجِ: أَنْ لاَ يُخَالِفَ ابْنَ عُمَرَ فِي الحَجِّ، فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَ عَرَفَةَ حِينَ زَالَتِ الشَّمْسُ، فَصَاحَ عِنْدَ سُرَادِقِ الحَجَّاجِ، فَخَرَجَ وَعَلَيْهِ مِلْحَفَةٌ مُعَصْفَرَةٌ، فَقَالَ: مَا لَكَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ: (الرَّوَاحَ إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ)، قَالَ: هَذِهِ السَّاعَةَ؟ قَالَ: (نَعَمْ)، قَالَ: فَأَنْظِرْنِي حَتَّى أُفِيضَ عَلَى رَأْسِي ثُمَّ أَخْرُجُ، فَنَزَلَ حَتَّى خَرَجَ الحَجَّاجُ فَسَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي فَقُلْتُ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ فَاقْصُرِ الخُطْبَةَ وَعَجِّلِ الوُقُوفَ، فَجَعَلَ يَنْظُرُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: (صَدَقَ) رواه البخاري. 

وقد بيَّن الإمام ابن عبد البر رحمه الله أنّ جواز هذه المخالطة لا تتعلق بالعلماء فقط، بل تتعدى ذلك إلى الفضلاء من الناس، فقال في شرح الحديث السابق: "وفيه أن الرجل الفاضل لا نقيصة عليه في مشيه مع السلطان الجائر فيما يحتاج إليه" [الاستذكار 4/ 324]، فإذا كان الحجّاج مع ظلمه لا نقيصة على العلماء في مخالطته وقيامهم بنصحه، فمَن كان دونه فمخالطته والقرب منه جائزة من باب أولى.

فنسبة العالم للسلطان ليست شتيمة أو عيباً، وقد كان علماؤنا يقولون: العالم فلان من علماء السلطان فلان، على سبيل التعريف والتبجيل، فما يحاوله البعض من جعل هذه النسبة شتيمة وذمّاً فغايته أن يفرّق بين العلماء والحكام، ويجعل العلاقة بينهم متوترة ومبنية على العداوة، وهذا ليس من الدين في شيء، ولا يقوم به إلا من يغفل عن أهمية وجود العلماء بجانب الحكام والسلاطين أو يجهلها.

أما مَن يطلب العلم ليأكل به الدنيا، ويصل إلى المال والجاه، فيكون قربه إلى الحكام لإصابة مآربه الخاصة، مزيّفاً الحقائق، وملبّساً على الناس في الأحكام الشرعية، يقلب الحق إلى باطل والعكس؛ فهذا من علماء السوء الذين ورد ذمُّهم في الكتاب والسنة وعلى لسان سلف الأمة، وهم أسوأ الخلق منزلة، ففي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنَ الدُّنْيَا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) يَعْنِي رِيحَهَا. رواه أبو داود في [سننه].

وعليه؛ فالعلماء هم ورثة الأنبياء، واحترامهم واجب، ولا يجوز التقليل من شأنهم، أو الاستهزاء بهم، وأما من كان منهم من طلاب الدنيا وزينتها، فننصحه وندعو الله له بالهداية، دون تشهير أو تقبيح أو تعميم، ولفظ علماء السلاطين كان يستعمل للتعريف والتبجيل، ولا يجوز إطلاق هذا المصطلح عليهم في سياق اللمز بهم وتنقيصهم. والله تعالى أعلم.