قيمة "البشارة"

الكاتب : المفتي الدكتور فادي الربابعة

أضيف بتاريخ : 09-06-2026


قيمة "البشارة"

من قيم الإسلام وأساليب الشريعة الإسلامية في دعوة الناس إلى الله تعالى (البشارة والتبشير)، قال صلى الله عليه وسلم: (يسِّروا ولا تعسِّروا، وبشِّروا ولا تنفِّروا) رواه البخاري، ومشتقات مفردة ولفظ البشارة والتبشير وردت كثيراً في القران الكريم والسنة النبوية المطهرة، كما في قوله تعالى: (‌وَبَشِّرِ ‌الْمُؤْمِنِينَ) [البقرة: 223]، وقوله تعالى: (‌فَبَشِّرْ ‌عِبَادِ) [الزمر: 17]. 

فالشريعة الإسلامية والدعوة إليها ليست مقتصرة في أسلوبها على الإنذار والتهديد والوعيد والترهيب والتخويف من العذاب في النار، بل بالتبشير بالرضوان والسرور والحياة السعيدة في الدنيا والآخرة، وبهذا أرسل الله تعالى الرسل بالبشارة والإنذار، قال الله تبارك وتعالى: (وَمَا نُرْسِلُ المُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) [الأنعام: 48]. وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن أعرابيّاً بالَ في المسجد، فثار إليه الناس ليقعوا به، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (دعوه، وأهريقوا على بوله ذَنوبًا من ماء، أو سجلاً من ماء، فإنَّما بُعِثتم ميسِّرين ولم تُبعَثوا معسِّرين) متفق عليه.

وإن قيمة البشارة لها دلالات تربوية ونفسية كبيرة في النفوس، فبها تشحذ الهمم وتعزز الثقة، وتخفف الآلام وتشعر الإنسان بالطمأنينة، وتدفعه للحماس والعمل وتحمل المشاق وتحدي المصاعب، وتمنحه العزيمة والاستمرار والنهوض وعدم اليأس والقنوط.   

وإن صور البشارة والتبشير كثيرة في القران الكريم والسنة المطهرة؛ منها البشارة التي جاء بها نبي الله عيسى عليه السلام وهي بعثة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، كما جاء ذلك في قول الله تعالى: (وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ فَلَمَّا جَاءَهُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا هذا سِحْرٌ مُّبِينٌ) [الصف:6]، ومنها البشرى للصابرين، قال الله تعالى: (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) [البقرة:155].

وبشرت الملائكة نبي الله زكريا بيحيى عليهما السلام، فقال تعالى: (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بيحيى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ) [آل عمران:39]، وبشرت مريم بعيسى عليهما السلام، قال الله تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) [آل عمران:45]، وبشرت إبراهيم عليه السلام وزوجته بإسحاق ويعقوب عليهم السلام، قال الله تعالى: (وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِن وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ) [هود:71].

والبشرى لأهل المعاصي بالتوبة وقبولها، قال الله تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) [الزمر:53].

وبشرى الرسول صلى الله عليه وسلم لأهل التوحيد، فعن أنس رضي الله عنه قال: (كان النبي صلى الله عليه وسلم ومعاذ بن جبل رديفه على الرحل فقال: يا معاذ! قال: لبيك يا رسول الله وسعديك! قال: يا معاذ قال: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: يا معاذ قال: لبيك يا رسول الله وسعديك قال: ما من عبدٍ يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار قال: يا رسول الله ألا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: إذاً يتكلوا، فأخبر بها معاذ عند موته تأثماً) رواه البخاري.

 ومن أعظم البشارات في الإسلام البشرى بالجنة لمن آمنوا بالله تعالى وأنبيائه عليهم الصلاة والسلام وعملوا الصالحات، قال الله تبارك وتعالى: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) [البقرة:25].

فينبغي للدعاة والمصلحين والقائمين على المناهج التربوية تعزيز قيمة البشارة في أسلوبهم الدعوي والتربوي، وأن يكونوا مبشرين اقتداءً بأسلوب القرآن الكريم والهدي النبوي الشريف.