المولد تجديد للبيعة مع الله

الكاتب : عطوفة الأمين العام الدكتور أحمد الحسنات

أضيف بتاريخ : 28-10-2020


المولد تجديد للبيعة مع الله وتجدد للعهد بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم

في كل عام من شهر ربيع الأول الأنور يتجدد احتفال الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها بذكرى كريمة عظيمة على قلب كل مسلم موحد ألا وهي ذكرى مولد سيد الخلق وحبيب الحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، النور المبين الذي بمولده مُلئت الدنيا نوراً وانطفأت ظلماتها، واحتفالنا بسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم لا يكفيه يوم واحد ولا شهر كذلك وإنما الاحتفال برسول الله صلى الله عليه وسلم يكون على مدى الدهر، والفرح به صلى الله عليه وسلم دليل محبته قال تعالى: (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَٰلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) سورة يونس، وهذا الحب لرسول الله صلى الله عليه وسلم حب دائم متجدد مستمر لا ينقطع فهو دليل الإيمان قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لَا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ، حتَّى أكُونَ أحَبَّ إلَيْهِ مِن والِدِهِ ووَلَدِهِ والنَّاسِ أجْمَعِينَ) متفق عليه، ولما قال عمر بن الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم: (أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي فقال: لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك فقال عمر: والله أنت الآن أحب إلي من نفسي، قال: الآن يا عمر) أخرجه البخاري.

فمن امتلأ قلبه بمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ذاق حلاوة الإيمان، فإن للإيمان حلاوة لا يذوق طعمها ولا يجدها إلا من ملأ حبُّ رسول الله قلبه، فمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ليست نافلة من القول ولا بدعاً من الأمر بل هي واجبة على كل  مسلم، بل إنَّ كل من عرف رسول صلى الله عليه وسلم أحبه فهو صاحب الفضل على هذه الأمة وعلى الإنسانية كلها، فبه أصبحنا أمة واحدة تقود الأمم وترعى ركب العلم والحضارة وإعمال العقل بعد أن أخرجنا من ظلمات الجهل وطريق الخرافات وعبادة الأصنام، وهو الذي أخذ بيد الإنسانية ودعاهم إلى أحسن الأخلاق والقيم وأرشدهم إليها، وهو الذي حقق للنفس استقرارها وتوازنها النفسي بين جميع جوانبها المادية والروحية والعقلية والعاطفية، فلا تجد جانبا يطغى على جانب، كما أنه أعاد ترتيب العلاقات الاجتماعية وأزال الفروقات وهدم الطبقيات بين الناس ووضع حدودا وضوابط لهذه العلاقات، وبين الحقوق والواجبات بين القيادة والمؤسسات والأفراد، وبين الذكور والإناث، وجعل لذلك ميزانا دقيقا وصراطا مستقيما يتحقق فيه العدل وتكافؤ الفرص، وعمل على بناء نظام اقتصادي يحافظ فيه على موارد الأمة ويقضي على البطالة ويضمن حياة كريمة لكبار السن والعاجزين عن العمل والأرامل والأيتام من المسلمين وغيرهم، وقضى على كل ما يساهم في هدم اقتصاد الأمة ويضعفها ويزيدها فقرا كالربا والغش والاحتكار، وبنى نظاماً سياسياً وعلاقاتٍ دوليةٍ بين أمته والأمم الأخرى على أسس قوية ومتينة تضمن تحقيق السلم العالمي، كل هذا وغيره كثير نستذكره من خلال مولد نبينا صلى الله عليه وسلم، فمولده صلى الله عليه وسلم كان محور تغيير في مسيرة البشرية كلها فلذلك كان حبه صلوات ربي وسلامه عليه واجبا على كل عرفه فما هو إلا رحمة للعالمين.

لقد كان مولده صلى الله عليه وسلم ميلاداً لهذه الأمة حيث عمل صلى الله عليه وسلم على بناء الفرد أولاً وصولا إلى بناء أمة متميزة في فكرها وحضارتها تصلح للقيادة والريادة في شتى المجالات حتى صارت قدوة لغيرها من الأمم، ولم تكن عالة على غيرها من الأمم الأخرى مصداقا لقول الله تعالى: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) سورة ال عمران،  ففي ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم نستذكر كيفية تعامله مع الأحداث وبناء الأمة الإسلامية الواحدة، ومواجهة التحديات والصعوبات، والتخطيط لنهضة الأمة، ووضع الخطط والاستراتيجيات واستشراف المستقبل، فنحن باحتفالنا بمولده صلى الله عليه وسلم نتذكر ماضي أمتنا العريق، ونضع يدنا على مواطن الألم ونقوم بعلاجها، ونشحذ الهمم ونملأ النفوس بالأمل، ونمضي على نفس النهج والطريق الذي خطه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وسار عليه من بعده صحابته الكرام رضي الله عنهم كأنه حي بينهم فنهضت الأمة ووحدت أهدافها وقدراتها ومقدراتها في سبيل تحقيق الحياة الكريمة لكل الإنسانية بما يتناسب مع التكريم الإلهي لها، فشهر ربيع الأنور هو شهر لجرد الحساب نراجع فيه تقصيرنا ونصحح فيه مسارنا ونشمر عن سواعدنا لتستمر مسيرتنا، فنلحظ مواطن الضعف حتى نعالجها، ونقف على أسباب العزة لأمة الإسلام ونأخذ بها، ونناقش هذه الأسباب فنرى كيف خطط رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذه الأمة خاتمة الأمم لتكون قائدة الإنسانية ورائدة العلم والحضارة.

فاحتفالنا بيوم المولد وذكر صفات سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ليس القصد منه التغني بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنشاد المدائح وإظهار السرور بمولده صلى الله عليه وسلم فقط بل هذا يزيدنا إصراراً على التمسك بهديه والسير على سنته صلى الله عليه وسلم ويجعلنا نرى مشاكلنا ونسعى لإيجاد حلول لها حسب منهجه صلى الله عليه وسلم فما الاحتفال بالمولد إلا وسيلة لتجديد البيعة مع الله وتجدد العهد بسيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مستحضرين قول الله تعالى: (وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ) سورة التوبة.